جوان كول - (تروث ديغ) 14/4/2015
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
تحدث المرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، قبل أسبوعين تقريباً من الآن، عن اتفاقية إطار العمل التي تم التوصل إليها حول برنامج التخصيب النووي الإيراني بين إيران والدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، بالإضافة إلى ألمانيا.
بالنسبة لي، بدا ذلك الخطاب من النوع المألوف المتوفر دائماً. وكان ينطوي على الكثير من الاستعراض من دون أن يعرض الكثير من الجوهر. كان الهدف من الخطاب، كما يفترض، هو تهدئة مشاعر المتشددين الذين أعربوا عن استيائهم من التنازلات الكبيرة التي يُزعم أن إيران قدمتها في الاتفاق. وفي الأثناء، لم يشأ خامنئي أن يضعف معنويات مفاوضيه. وأعتقد بأنه ما يزال متشائماً حيال التوصل إلى صفقة نهائية بحلول 30 حزيران (يونيو)، وهو يعد العدة لتهيئة الجمهور لاحتمال الفشل.
أشار خامنئي إلى أنه لم يتم حتى الآن التوصل إلى اتفاقية تفصلية. وكل ما تم التوصل له في لوزان لا يعدو كونه اتفاقية إطار عمل للمفاوضات النهائية. لذلك، لم يتقرر أي شيء بعد. وقال خامنئي إن الناس طلبوا منه اتخاذ موقف حول المباحثات النووية. فأجابهم بأنه ليس هناك شيء حتى الآن، والذي يمكن أن يتخذ موقفاً حياله.
لكنه عاد بعد ذلك إلى قول إن لديه ثقة كاملة في الفريق الإيراني المفاوض بقيادة وزير الخارجية، محمد جواد ظريف، الذي يرفع تقاريره للرئيس حسن روحاني. وأكد أنه لا يشعر بالحد الأدنى من التردد في هذا الصدد. إنه داعم لعملية التفاوض.
ومضى إلى القول إن الأميركيين أثبتوا مرة تلو الأخرى أنهم مثل الأفاعي في العشب ومنافقون وغير جديرين بالثقة. واستناداً إلى سلوكهم في الماضي، كما قال، فإنه يشعر بالتشاؤم حيال احتمال التوصل إلى صفقة مع الولايات المتحدة، نظراً لوجود خطر فعلي من احتمال انقلابها على كل شيء تم الاتفاق عليه.
أعطى خامنئي مثالاً على عدم الأمانة الأميركية، والمتمثل في إصدار البيت الأبيض لبيان من صفحات عدة حول نقاط المباحثات في الاتفاقية، والتي قال خامنئي إنهم أصدروها من جانب واحد ومن دون التشاور مع الجانب الإيراني. ولم يبد أن خامنئي أخذ بالفعل موقفاً حيال أي من نقاط المباحثات. لقد شعر فقط بأن إصدارهم للنقاط المعنية لتظهر وكأنها تمت الموافقة عليها من جانب إيران، كان تصرفاً ينم عن عدم أمانة.
بذلك، فإنه راغب في أن يكون منفتح العقل. يجوز أن تكون الولايات المتحدة قد غيرت هذه المرة مواقفها، وأنها تعتزم التوصل إلى صفقة معقولة وتقف وراءها. وقال خامنئي إن الولايات المتحدة إذا تصرفت بتلك الطريقة، فسيكون باستطاعتها تغيير كل شيء. وتبعاً لذلك، فإنه يشعر بالتفاؤل، لكنه يظل منفتحاً على احتمال أن لا تتصرف الولايات المتحدة بأمانة.
وقال خامنئي إنه يصر على رفع العقوبات في الحال وبشكل كامل فور التوصل إلى اتفاقية. وقال إنه بغير ذلك، ماذا ستكون الفكرة من الانخراط في كل هذه المفاوضات؟
إن طلب خامنئي وضع نهاية تامة وفورية للعقوبات ليس معقولاً، ولن يتم عرضه على إيران، لأنها توجد لدى مجموعة 5+1 قضايا متعلقة بالثقة بخصوص بإيران. ولكن، نظراً إلى قطع خامنئي هذا الشوط لتطمين الجميع بأنه ما يزال ملتزماً بالمفاوضات، فإنه ربما لا ينوي أن يجعل هذا المطلب يعيقها.
إحدى الإجابات الممكنة عن ما أورده حول هذا الموضوع هي أن الاتفاقية لن تكون كاملة عند توقيعها وإنما عند تنفيذها. وبأحد المعاني، فإن مجرد التوقيع على الاتفاقية لن يأخذنا إلى الأمام بعيداً عن المكان الذي نوجد فيه الآن، وهو وضع لا يبدو أنه ملتزم به كثيراً. وعليه، سيكون اليوم الأول الكامل للتنفيذ الفعلي لشروط الاتفاقية في الحقيقة هو اليوم الذي سترفع فيه العقوبات.
أعتقد أن الهدف من هذا الصخب كان تهدئة مخاوف المتشددين من دون تقديم أي شيء لهم في الحقيقة.
وأعتقد بأن هناك عملية إعادة اصطفافات تجري الآن في السياسة الإيرانية. فقد كانت بداية الألفية الثالثة فترة شعبية لليمين تحت قيادة محمود أحمدي نجاد. واحترقت يدا خامنئي بسبب فصيل أحمدي نجاد الشعبوي ذي الخط المتشدد. وقد تسبب هؤلاء في كل المشاكل التي ظهرت في العام 2009، وأساؤوا إدارة الاقتصاد من خلال تقديم الإعانات الضخمة. ومع حلول العام 2012، قام خامنئي بإسقاط أحمدي نجاد. ثم وجهت الولايات المتحدة ضربة لإيران باستخدام عمليات التبادل البنكية، وخفضت صادرات إيران النفطية من 2.5 مليون برميل إلى 1.5 مليون برميل في اليوم. ونظراً لأن أسعار النفط كانت عالية في ذلك الوقت، لم تلحق الضربة الأميركية كثيراً من الضرر بإيران، لكنها كانت لذلك كلفته على ضوء ما كان قد حدث مع مصدق في العام 1953، عندما مهدت العقوبات النفطية الدولية الطريق أمام الانقلاب الذي نفذته المخابرات المركزية الأميركية عليه.
يكره خامنئي معسكر الإصلاح، لكنه أدرك على ما يبدو أنه لا يستطيع التعويل على قدرته على سحق هذا المعسكر ببساطة. وفي تناقض مع ذلك، يستطيع خامنئي التعايش مع شخط وسطي مثل روحاني. ومحلياً، يمثل روحاني طريقة خامنئي في إجهاض ما تبقى من حركة الخضر (التي قضت مضاجع خامنئي أكثر بكثير بعد الإطاحة بالرئيس المصري حسني مبارك وآخرين على يد الشباب العربي بعد 18 شهراً). وعلى الصعيد الدولي، يأمل روحاني في تفادي العقوبات القاسية، وإنما مع الإبقاء على البرنامج النووي للطاقة، والذي يعد بمثابة الابن المدلل لخامنئي الذي يرى فيه ضماناً بعدم رهن إيران لأسواق الطاقة الدولية والقوى الكبرى. لكن دعم روحاني يعني توجيه صفعة لأصحاب الخط المتشدد في الحرس الثوري الإيراني، وهو ما فعله في شباط (فبراير) الماضي.
يتقافز أصحاب الخط المتشدد بغضب بسبب المزاعم التي تحدثت عن أن روحاني وظريف قدما تنازلات للغرب، وأنا أعتقد أن مطالبة خامنئي بالإنهاء الفوري للعقوبات هو طريقته في رمي عظمة لهم لإسكاتهم بعض الوقت. وإذا قرأنا كل خطابه، فسنرى أنه يعود ليدعم عملية التفاوض عند النهاية؛ حيث يقول إنه ليس مع أو ضد الصفقة، نظراً إلى أنه لم يتم التوصل إلى صفقة بعد، وإنما فقط إلى اتفاق على إطار عمل للتفاوض على إبرام الصفقة النهائية. لكن هذا يعني عندئذ، وبما يتناقض مع عناوين الأخبار، أنه لم يكن ضد الصفقة اليوم.
وفي الأثناء، لا يصطف خامنئي إلى جانب أصحاب الخط المتهاون. بل تجده يحاول تجميع ائتلاف من الوسطيين والمتشددين البراغماتيين الذين يستطيعون تحييد الخضر الإصلاحيين وأقصى اليمين الشعبويين على حد سواء، فيما يتسامى في الجوهر التسامي فوق الانقسامات الرئيسية للعام 2009 ويتجاوزها. وفي الوقت نفسه، يحتمل أن يصل ائتلاف يمين الوسط هذا إلى صفقة نووية مع مجموعة 5+1، والتي يمكنها أن تبعث اقتصاد إيران مجدداً. وقد يكون هذا الأمر الأخير ممكناً وقد لا يكون.
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان:
What Did Iran's Supreme Leader Really Say About the Lausanne Agreement, and Why?
* عن "الغد" الاردنية