د. مُحَمَّد عِناد سُليمان
أصْلٌ منَ الأصولِ الرَّصينة عند أهل التَّصوُّفِ، وأنا الخبيرُ بها، وبأحوالها، وأحوال شيوخِها ومُريديها، فقد كنتُ متصوِّفًا لما يربو على سبعة عشرَ عامًا على الطَّريقة النَّقشبنديَّة، وهي الطَّريقة الأكثر شهرةً وتفشِّيًا في دمشق وغيرها، وأجزمُ جزمًا يُزاحِمُ اليقينَ أنَّها أصلٌ مُطَّرِدٌ في غيرها من الطُّرقِ، كالكُبْرويَّة، والتِّيجانيَّة، والجيلانيَّة، والكتَّانيَّة؛ لأنَّ هذا الأصل ينظِّمُ العلاقَةِ بين الشَّيخِ والمريد، فلا يحقُّ للمُريدِ أن يعترضَ وإنِ ادَّعى الشَّيخُ الكماليَّة، وكان الشَّيخ عَبْدُ القادِرِ الجَيلاني يقولُ: (مَنْ لَمْ يَعْتَقِدْ في شَيْخِهِ الكَمالَ لا يُفلحُ أَبَدًا)، بل إنَّ المريدَ إذا صَدَقَ وصدَّقَ ولم يعترضْ أجابه شيخه سواء أكان حيًّا أم ميِّتًا، يقول الشيخ عبد الوهاب الشَّعراني: (إِذا صَدَقَ المُريدُ مع شَيخِهِ ونادَاهُ مِنْ مَسيرَةِ ألفِ عامٍ أجابَهُ، كان الشَّيخُ حيًّا أو ميِّتًا)، وقد وصلَ الأمرُ ببعضهم أَلَّا يعترضَ على (الحرامِ) إن وقع من شيخه، قالَ الشَّيخ محمد أمين الكردي النَّقشبندي في تنوير القُلوب: (...ومنها ألا يعترضَ عليه فيما فَعَلَهُ، ولو كانَ ظاهِرُهُ حرامًا، ولا يقولُ لِمَ فَعَلَ كَذا؛ لأنَّ مَنْ قالَ لِشَيْخِهِ: لِمَ، لا يُفلحُ أَبَدًا)، وقدْ عِشْتُ أيَّامًا من عدَمِ الفَلاحِ هذه لمَّا اعترضْتُ على مُريدِ الشَّيخ محمد أمين الكردي في مسألَةٍ ثبَتَ خطؤُه فيها، إذ كان السِّجنُ مصيري عام 2003م، حتَّى إنَّ أصدقائي من (المشايخ) بعد خروجي كانوا يغيِّرون دربَهَم؛ لئلَّا يُلقوا السَّلام عليَّ؛ لأنَّني بزعمهم واعتقادهم قد طُرِدْتُ من رَحْمَةِ الله بسبب اعتراضي على الشَّيخ!! تعالى الله عمَّا يقولونَ عُلوًّا كَبيرًا، وأُجبرتُ على إتلافِ كتابي الذي صنَّفتُهُ في الطَّريقة النَّقشبنديَّة، وأظهرتُ فيه خَلَلَها ومخالفتها للقرآن الكريم.
ولا تَعْجَبْ أخي القارئ من حالِي مِنْ قَبْلُ ومِنْ بَعْدُ، لأنَّ الطِّفَلَ الذي أراد أن يتعلَّمَ كتابَ الله وسنَّة نبيِّه قَدْ ذهبَ إلى المسجدِ الوحيدِ في الحيِّ، ثمَّ جرى الطِّفلُ والنَّاشئُ على الأصْلِ المُتعارَفِ عليه بين النَّاس وهو: أنَّ كلَّ ما يقولُهُ الشَّيخُ صحيحٌ، إذ لا يُعقَلُ أن يقولَ بخلاف شَرْعِ الله، وصدِّقْ إن قلتُ لكَ عزيزي القارئ أنَّني كنتُ أشارِكُ (الحضرةَ الإلهيَّة) عند قَبْرِ الشَّيخِ، ولا يبدأ شيخي درسَهُ الأسبوعيَّ حتَّى يستأذنَ من شيخه الذي في القَبَرِ!!! ومَنْ يُطالعُ كتابَ الإمام الشَّعراني يجدُ من أحوالِ القَوْمِ العجَبَ العُجاب.
وكنتُ أظنُّ أنَّ هذا الأصل، أعني: (لا تعترضْ فتنطَرِد) مختصًّا بالطُّرقِ الصَّوفيَّة وحدها، إلا أنَّ الأمر في حقيقتِهِ بخلاف ذلك، إذ يجري هذا الأصل على كثيرٍ من مؤسَّساتِ الدَّولة بقطَّاعيْها؛ العامِّ والخاصِّ، إذ يخشى الموظَّفون الأدنى رُتبةً من الذين هم أعلى منهم؛ خوفًا من فصْلِهم أو طرْدِهم من العملِ، وليست المؤسسَّة التَّعليميَّة بدْعًا من تلك المؤسَّسات، إذ يجري عليها ما يجري على غيرها، في الوقتِ الذي ينبغي أن تكونَ مركزًا للاعتراض والتَّفنيدِ الذي هو النَّقدُ في جَوهرِهِ، ذلك النَّقْدُ الذي أصبحَ الدُّرَّةُ المَفقودة، أوِ الكامنَةَ في صدورِ أَصحابِها خشيَّة انقطاع سَبيلِ رِزْقِهِم، فالمسؤول يخشى على منصبهِ، خاصَّة إذا كانتْ إِدارتُهُ فاشِلَةً، وبيتُهُ أوهَنَ مِنْ بَيْتِ العَنكبوتِ، ومن الأمثال الإيرانيَّة قولهم: (في بَيْتِ النَّمْلِةِ تُصْبِحُ قَطْرَةُ الماءِ طَوفانًا)، والموظَّف أيضًا يخشى على رِزْقِهِ، فيجْنَحُ إلى الصَّمْتِ، وما علمَ أنَّ الصَّمْتَ -كما يقول الفَيلسوفُ الإسباني ميجيل دي أونامونو- (هو الكَذب؛ لأنَّ الصَّمْتَ يُفْهَمُ على أنَّه موافقة)، ولمَّا فَعَلوا ذلك ضاعَتِ الحقيقةُ، واندثَرَ التَّصويب، وغابَ سبيلُ الرَّشادِ؛ لأنَّ النَّقْدَ في حقيقته يقوم على التَّفكير، ومتى غابَ التَّفكير اندثَرَ النَّقْدُ؛ بل إنَّ الشَّيءَ الأكثر غرابة، والأكثر إثارة للتَّفكير في زماننا -كما يقول الفَيلسوفُ الألماني مارتن هايدغر- (هو أنَّنا لا نُفَكِّرُ).
وأقصدُ بالنَّقْدِ النَّقْدَ البنَّاءَ الذي يهدفُ إلى التَّقويمِ والتَّصحيح، ويدفعُ باتّجاه التّحسين والتَّطويرِ، وتغييرِ سلوكِ الإنسانِ من السَّلبيَّة إلى الإيجابيَّة، بخلاف النَّقْدِ الهدَّامِ الذي ينتقِصُ من قَدْرِه، ويسعى إلى إلغاء إِنجازاتِهِ، أوِ التَّقليل من شأنِها. يقولُ فرانك كلارك: (النَّقْدُ ينبغي أن يكونَ يَسيرًا بما يكفي ليغذِّيَ نموَّ الإنسانِ، دونَ أن يُدَمِّرَ جُذورَهُ)، ويجبُ أن نفرِّقَ بين النَّقْدِ والحِقْدِ، وبينَ النَّصيحةِ والفضيحة، فيجبُ أن يكونَ النَّقْدُ تَقويمًا وليسَ اتِّهامًا، وتصحيحًا وليسَ تجريحًا، وتَعزيزًا وليسَ تَثْبيطًا.
وقدْ جُبِلَتِ النَّفْسُ البشريَّة على نَبْذِ مَنْ ينقدُها، أو يُبيِّنُ موطِنَ خطئها؛ لذلكَ نَجِدُ النَّقْدَ مذمومًا صاحبُهُ، مدحورًا قائلُهُ؛ مَطرودًا معزولًا، يتجنبُّهُ النَّاسُ، فيجدُ النَّاقِدُ نفسهُ مضطرًّا للزومِ الصَّمْتِ، ليعيشَ بِمَعَزَلٍ عن كلَّ ذلك؛ لأنَّ البشريَّة -كما يقول الفَيلسوفُ الألماني فريدريك نيتشه- (منذُ القِدَمِ لا تُعاقِبُ إلا من يقولُ الحقيقة)، ويقول: (إذا أردتَ البقاءَ مع النَّاسِ شاركها أوهامها. الحقيقةُ يقولُها مَنْ يَرغبونَ في الرَّحيلِ)، ولا تخفى على القارئ المشابهة بين قولِهِ هذا وبين قولُ الصَّوفيَّة (لا تَعْتَرِضْ فتنطَرِد)، وفي المَثَلِ الإفريقي: (لا يوجدُ أصدقاءُ لهؤلاءِ الذين يقولونَ الحَقيقةَ).
فيجبُ عليكَ-بزعمهم- التَّسليمُ والانصياعُ من دون نقْدٍ أو اعتراضٍ لتسْلَمَ وتعيشَ بسِلامٍ، وأكثَرُ النَّاسِ فيما رأيتُ سائرون على هذا؛ يقودُهُم (المرْياعُ)، يَسرحونَ حيثُ يَسْرحُ، ويَقيلونَ حيثُ يقيلُ، وما علموا أنَّهم بذلك يُساهمون في تدمير الحضارة الإنسانيَّة، لأنَّه -كما يقول الرّوائي الأمريكي جيمس بالدوين-: (ليسَ من الضّروري أن يكونَ النَّاسُ أشرارًا ليُدَمَّروا الحضارة، وإنما يكفيهم فقط أن يكونوا ضُعفاء)، ولمَّا تقدَّمَ منفِّذُ حُكْمِ الإعدامِ ليقتلَ الكاتِبَ الإسبانيّ راميرو دي ما يثتو قالَ له: (أنتَ لا تعرفُ لماذا تَقتُلُني؛ لكنَّني أعرفُ ما أموتُ منْ أجْلِهِ: حتَّى يكونَ أطفالُكَ أَفْضَلَ مِنْكَ)، فالماسُ وإن سقَطَ في التُّرابِ يبقى ماسًا، والغُبارُ الذي يصعدُ في السَّماء يَبقى غُبارًا.
د. مُحَمَّد عِناد سُليمان
باحِثٌ وكاتِبٌ