استغلت الولايات المتحدة مجاعة هزت الضمير العالمي حدثت قبل ثمانية عقود بالتآمر مع اكرانيا لتدخل عبر هذه المأساة الانسانية الى القوقاز ولتستغلها سياسيا من اجل تحقيق مصالحها الخاصة
ففي عام 1932 ضربت عدة من دول الاتحاد السوفييتي سابقا مجاعة اودت بحياة الالاف من الضحايا وعرفت حينها باسم هولودومور
كانت المجاعة شديدة جدا عانى منها الملايين ذلك الوقت حيث انتشرت بمناطق واسعة ووصفت بأنها صفحة تراجيديا في تاريخ الاتحاد السوفييتي ذلك أنها لم تجتاح المناطق الاوكرنية فحسب بل وصل مداها نحو بيلاروسيا الجنوبية ومنطقة نهر الفولكا وكازاخستان ومنطقة الدون وشمال القوقاز وجنوب منطقة الاورال وسيبيريا الغربية.كذلك الروس والبلاروسيين والكازاخستانيين والبشكيريين وشعب الفولغا
وبالرغم من عمومية المأساة الانسانية الا ان اكرانيا فتحت هذا الملف بدعم اميركي وبدأت بقلب الحقائق بهدف تحقيق مكاسب دولية سياسية واقتصادية ومادية ومعنوية
فقد اقدمت اكرانيا بدعم وتوجيه اميركي على محاولة نزع اعتراف دولي بشأن حقيقة المجاعة والتعامل معها على انها حرب ابادة ضد الشعب الاكراني قام بها الاتحاد السوفييتي ضد اكرانيا علما بان الاخيرة كانت ضمن جمهورياته الـ 15 وكان الاتحاد السوفييتي مسؤلا عن امنها العسكري والاقتصادي والغذائي.
الا ان (كييف) تسعى الان من وراء أعمال كهذه لتشويه وتلفيق الأحداث التاريخية.
لكن على ما يبدو فان هولودومور ماكانت لتضرب اكرانيا الضربة القاضية في ذلك الوقت الا بمساهمة من ادارة كييف التي ضيقت الخناق اكثر على الشعب الاكراني مستغلة انشغال القيادة الرئيسية للاتحاد السوفييتي في ادارة الازمة التي ضربت عدد كبير من جمهورياته والواضح انها كانت تسعى في ذلك الوقت (ادارة كييف) للحصول على بعض الاموال والمساعدات الخارجية على حساب ارواح المئات من الضحايا سقطوا في الشوارع نتيجة المجاعة
ووفق التقارير التاريخية فقد اقدمت الحكومة الاكرانية بمصادرة الاغذية ومنع الاستيراد كما اوقفت حركة السير تماما ومنع اي شخص من الخروج من منزله لغرض الحصول على قوت اطفاله واسرته وحاولت أوكرانيا إظهار السوفييت بأنهم تسببوا بأزمة زراعية لتجويع الناس علما ان الوثائق تفند هذا الادعاء بل ان الاتحاد السوفييتي قام بعملية تحويل سريعة لمصانعه التي تنتج مواد غير غذائية الى مصانع انتاج مواد غذائية حيث ان حالة الطوارئ فرضت عليه التعامل على هذا النحو بهدف ايصال المواد المنتجة في المصانع الى الجمهوريات التي ضربتها المجاعة
ومع فشل (النضال الاكراني) الذي يتم حاليا لادانة روسيا كونها وريثة الاتحاد السوفييتي فقد بدأت بتلطيف موقفها مع انعدام الوثائق التاريخية محاولة تحوير كلمة مذبحة وابادة بلفظة الهولدمور أي اكبر من مجاعة واصغر من ابادة
كان الموقف السوفييتي في ذلك الوقت غير مبال بالادعاءات الاكرانية والسبب ان اكرانيا جزء من الاتحاد الذي اعتقد انه من غير المعقول ان يكون هناك جمهورية تدور في الفلك الثقافي والسياسي وتسعى الى تشويه سمعته دوليا
الا ان اوكرانيا تحاول إبراز تراجيديا لعام 33 على أنها مذبحة ونشرها دوليا وهي لا تسعى لفرض العدالة إنما فقط لإثارة قضية دولية للضغط على روسيا والضحايا ليسوا بالحسبان إنما جزء من دعاية رسمت سيناريوهاتها في الغرب
الولايات المتحدة كانت دائما تقف الى جانب نشر ما سمي بـ الهولودومور وقامت الادارة الاميركية بنشر معلومات عن فرار الالاف من الاكرانيين الى الولايات المتحدة وصورتهم على انهم فروا من المذبحة وانها حركة هجرة وفرار جماعي من مذابح الا ان الحقيقة ان الهجرة عرفت بانها هجرة بين الحربين وكان الفرار من هتلر الذي كان يشن الحروب على الاتحاد السوفييتي
وفي عام 1984 عقد الكونغرس جلسة لدراسة حقائق المجاعة في اوكرانيا من ضمن الأفكار التي نوقشت ثم النتائج التي توصلوا لها أن القيادة الستالينية تقف وراء المجاعة
الجسلة افتتحت من طرف جيمس ماكاي وهو احد الكتاب الذين نشروا (المذبحة) وتبناها وكان محور الجلسة التحريات حول الهلدمور وتضمنت شهادات حية قام جيمس بجمعها وتدوينها ونشرها والحقيقة أن هذه الشهادات كانت فبركات لجعلها وثائق ومستندات في الكونغرس
هناك برنامج دراسة حول المجاعة الاوكرانية عام 1981 في جامعة هارفارد رعته السي أي ايه نتج عنه كتب لجيمس مكاي وبريتون روبرت قالو انه ليس من الحقيقي أن كل إنسان هو إنسان الروس ليسوا بشر بل غرباء عن الإنسانية ومن هذه المقولة يتضح موقف هؤلاء من الاتحاد السوفييتي وشعبه.
خلال الحرب الباردة كانت فكرة مجاعة الثلاثينيات تبرير لانعدام كفاءة الاقتصاد الاشتراكي وتم ربطها بقضية الهوية وذلك بدعم أميركي والخطة كانت بسيطة: وهي إقصاء الشعوب والبلدان المرتبطة ثقافيا وتاريخيا ودينيا أبعد ما يمكن لتحقيق الهدف الأساسي والذي يكمن بتحويل روسيا لمحور شر وعزلها عن جيرانها وعن الدول الأوروبية .
نفذت الخطة ضمن أيديولوجية أساسها تطريف الهوية الوطنية الاوكرانية ورفض كل ما هو روسي بل وأيضا تفسير وانساب كل العوائق والمشاكل في اوكرانيا بروسيا و جعلها مخططة ومنفذة روسيا".
وبالتالي فان الهولودومور كفكرة هي الورقة الحاسمة بيد كل الأوكرانيين المعادين لروسيا والذين بدون أدنى وازع من ضمير يعملون سوية ولا يتورعون عن الادعاء بأكبر رقم ممكن لعدد الضحايا ليزعموا بأنه يتجاوز ال 15 مليون ضحية.
بعد أن اعتلى "فيكتور يوشينكو" سدة الرئاسة وضع نصيب عينيه إثارة قضية الهولودومر و جعل تفاصيلها حاضرة في أذهان الشعب الاوكراني .
وأصدر عدد من المراسيم الرئاسية تثير القضية واتخذ إجراءات منها إدخال الهولودومور في المناهج الدراسية كما أصدر قانون يجعل من يوم 28 نوفمبر يوما لذكرى الهولودومور ليتذكر الأوكرانيون "المذبحة " التي حصلت بحقهم وتطبيق عقوبة على من لا يتعامل مع هذا اليوم كيوم ذكرى مذبحة.
ووصف "يوشينكو" هذه القرارات الرئاسية بأنها "قرارات تعيد العدالة التاريخية"
وفي نطاق تدويل قضية الهولودومور فإنها الآن من الأولويات التي تبذل فيها جهود الخارجية الأوكرانية وحتى أنها تحت رعاية الرئيس شخصيا.
وقد أفرد مجلس خاص في الحكومة الأوكرانية ليعنى بشؤون قضية الهولودومور ونشرها على مستوى أوكرانيا والدول الأخرى وأيضا في المحافل الدولية والمنظمات الدولية والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ومنظمة الأونيسكو ومنظمات أخرى ... إذا فكل ذلك سيناريو وبروبغاندا دولية لإظهار روسية "كعدو" تاريخي خارجي وتأليب المجتمع الدولي ضدها.
وفي هذا السياق كلمات "لابومير هازار" رئيس الكنيسة الأوكرانية الكاثوليكية "الأميركي الأصل" التي وصفت الهولودومور بأنها "ذكرى لإحياء ضمير الأمم وأساس توحيد الأمم "
وأن ما يترتب على هذه البروباغاندا أنها من دواعي تبني رؤى أدارة "يوشينكو" حول نشر التشدد لروسيا وإخضاع مناطق شرق أوكرانيا التي هي اصلا خارج سيطرته لتأثير هذه البروباغاندا الجديدة وأيضا زرع الخصومة والشقاق بين الروس والأوكران بالإضافة إلى رغبته في الانضمام إلى حلف الناتو رغم هزالة الدعم الشعبي.
في المحافل الرسمية الدولية استخدمت جهة جهة الإدعاء الأوكرانية أساليب مفعمة بالتملص والمراوغة وعلى وجه الخصوص محاولتهم إثبات أنه بالرجوع لأرشيف المجاعة تبين لهم أن مجاعة عامي 1933/1932 ليست سوى فعل متعمد الغاية منه استخدامها كسلاح لتدمير الروح المعنوية للأوكران وإنهاكهم وما استخلصوه بأن المجاعة هي نتاجا متوقعا للتصرفات "الرعناء" للنظام الشمولي السوفييت آنذاك بحق الشعب الأوكراني الفقير ذلك الوقت .
ويذكر بأن وزير الخارجية "فولودايمر اوكريزكو" سعى لإثارة ذكرى الهولودومور الخامسة والسبعين في اجتماع الجمعية العمومية للأمم المتحدة الثالث والستين وفي معرضها أصر على ما سماه "رد الاعتبار" وإحياء ذكرى الملايين من ضحايا الهولودومور" وأنهم "لن يحتفظوا بالكرات في مرماهم". رغم عدم القدرة على تغيير الواقع في المنظور القريب .
الغاية من طرح قضية الهولودومور من قبل اوكرانيا وحلفاءها في المجتمع الدولي معروف.
ورغم أن مجاعة 1933 / 1932 ضربت مناطق عديدة في دول الاتحاد السوفيتي فقد جعلت أوكرانيا القصة في أجندة المنظمات غير الحكومية أو حتى ضمن مسودة المجلس الاممي لحقوق الإنسان وتعاملت معها على أنها مأساة خاصة بالاوكران محاولة أثبات أن المذبحة كما وصفت هي جريمة مدبرة من قبل قيادات سوفييتية سابقة.كما واقتنصوا الفرصة للحديث حول "جرائم ضد الإنسانية" ادعت أن الاتحاد لسوفييتي ارتكبها .
الادعاءات الاوكرانية لا تتطابق حول الهولودومور لا تتطابق مع توصيف قانون نورنبرغ للجرائم ولا حتى مع توصيف المحكمة الدولية لجرائم الحرب .
إن الاستراتيجية الآنية لسياسة "كييف" تقوم على غرز الثابت في قضية الهولودومور وهو التدمير الممنهج للبنية الأوكرانية وجعله من أساسيات التعامل الدولي لاوكرانيا.
كافة الوسائل استخدمت لتحقيق هذه الغاية بدءا من اعادة تركيب وتشويه الحقائق مرورا بجعلها من أجندات المنظمات الدولية انتهاءا بتطويع الحقائق لتأويلاتهم.
في المقلب الآخر نرى رفضا روسيا لمحاولات كهذه ووجهة نظرها تقوم على أن تبقى المنظمات الدولية والهيئات الأممية والأمم المتحدة بمنأى عن المناورات السياسية أو الرغبات بتشكيل تحالفات ولا للافتراضات التي لاتجد لها دليلا" قانونيا ولا هي مكان لطرح مفاهيم سياسية الغاية منها تشكيل رأي عام معادي تجاه دول أو مجموعات.
ويلفت الروس إلى ضرورة أن لا تكون الغاية من فتح ملفات ذات صفحات مأساوية في تاريخ الأمم والشعوب مجرد تحقيق منافع سياسية عابرة.