تتزايد قوة الدفع الدبلوماسية لجلب الاطراف المتحاربة في سوريا الى محادثات السلام لكن مع عدم استعداد الرئيس بشار الاسد لتقديم تنازلات والانقسام الحاد بين خصومه لا يوجد احتمال يذكر لنهاية مبكرة للحرب الاهلية الكارثية.
وتعززت الامال في ان المحادثات التي تأخرت طويلا في جنيف قد تمضي قدما الشهر القادم بعد تعاون واشنطن وموسكو النادر لتفكيك الاسلحة الكيماوية لدى سوريا وتلميحات بتحسن العلاقات بين الولايات المتحدة وايران حليفة الاسد.
وقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يوم الثلاثاء ان بلاده والولايات المتحدة بينهما تفاهم مشترك بشأن تفكيك ترسانة الاسلحة الكيماوية لدى سوريا في تغير كبير في لهجة موسكو بشأن الصراع المستمر منذ أكثر من عامين ونصف العام الذي أعاد عداوات الحرب الباردة.
وللاستفادة من هذا التوافق يقول البلدان انهما سيسعيان بقوة لعقد محادثات أطلق عليها (جنيف 2) لانها تأتي بعد اجتماع دولي في المدينة السويسرية العام الماضي.
لكن الدفع من أجل بدء المحادثات يقلق بعض الدول التي تخشى من ان الانجاز الرئيسي لاتفاق جنيف الاصلي - وهو اتفاق لتشكيل حكومة انتقالية سورية لها سلطات كاملة - قد يضيع وسط المساومات.
وتقول السلطات السورية التي دعمتها مكاسب أخيرة في المعارك انها مستعدة لحضور جنيف بدون شروط مسبقة لكن في نفس الوقت تؤكد انه ليس لديها النية لتسليم أي سلطة للمعارضين الذين تصفهم بأنهم ارهابيون.
ويقول الاسد ان السبيل الوحيد لتقليص سلطاته الرئاسية ومنها انه قائد القوات التي تحارب مقاتلي المعارضة هو من خلال استفتاء وان القرار بشأن خوضه انتخابات الرئاسة لتولي فترة اخرى العام القادم ليس متروكا لاطراف خارجية لكي تحدده.
ويقول الاسد ايضا انه لا يمكن اجراء محادثات مع مقاتلي المعارضة اذا لم يسلموا اسلحتهم وأعلن ان كل من دعا في المعارضة لتدخل عسكري أو سياسي أجنبي في سوريا يجب ابعاده عن العملية. كما استبعد وقف اطلاق النار مع معارضيه.
وقال للتلفزيون الصيني الشهر الماضي "نحن لا نقبل بمفاوضة كل من يحمل السلاح .. نحن نتفاوض مع المعارضة.. والمعارضة هي عمل سياسي .. لا يمكن ان تكون المعارضة عملا ارهابيا يقوم بقتل الناس ... لا توجد دولة في العالم تقبل بأن تفاوض الارهابيين .. فلذلك نحن نفاوض من هؤلاء من يتخلى عن السلاح .. كل من يلقي السلاح نتفاوض معه."
وأضاف "نحن لا نقبل بمفاوضة كل من يقبل بالتدخل الاجنبي .. سواء كان هذا التدخل عسكريا أو كان تدخلا سياسيا."
وتابع "لا يمكن أن يكون هناك وقف اطلاق نار بين دولة وارهابيين."
وقال مسؤول فرنسي هذا الاسبوع ان التصريحات التي تخرج من دمشق تبين ان السلطات ترفض الفرضية الرئيسية للمفاوضات المقترحة وهو موقف سيجرد جنيف 2 من أي فحوى.
وقال المسؤول "المسألة هي هل نريد صورة جميلة بجوار بحيرة جنيف أم عملية سياسية."
ويوم الاحد قال مبعوث الامم المتحدة للسلام الاخضر الإبراهيمي الذي فكر أكثر من مرة في الاستقالة لاحساسه بالاحباط من الجمود الدولي ان محادثات جنيف ستمضي قدما كما هو مخطط لها.
واشتدت العداوة بين الأسد ومعارضيه مع استمرار الحرب وصعدت قواته قوة نيرانها من الرصاص عندما بدأت الانتفاضة ضده في مارس اذار عام 2011 الى الدبابات ثم الهجمات الجوية والصواريخ.
وقتل هجوم بالاسلحة الكيماوية قرب دمشق مئات الاشخاص في اغسطس اب ووجهت اتهامات الى الجانبين بارتكاب جرائم حرب. وهرب مليونا شخص من اراقة الدماء كلاجئين بينما نزح ملايين آخرون داخل سوريا بسبب اعمال العنف.
وعقد الصورة الانقسامات المزمنة بين مقاتلي المعارضة والمعارضة السياسية وبين المقاتلين والناشطين على الارض وائتلاف المعارضة في المنفى (الائتلاف الوطني السوري).
كما ان التحالفات العسكرية بين المئات من ألوية المعارضة المحلية داخل سوريا دائمة التغير مع تزايد نفوذ العناصر الجهادية والاسلامية.
والثابت الوحيد بينهم هو الازدراء الذي يشعر به كثير من المقاتلين للمعارضة السياسية في الخارج.
ولعبت كل هذه العوامل دورا في دفع أكثر من عشر جماعات معارضة من بينها جبهة النصرة التي لها علاقة بتنظيم القاعدة الى شجب الائتلاف الوطني الشهر الماضي والتبرؤ منه وقالوا انه لا يمثلهم.
وكان ذلك انتكاسة لمؤيدي الائتلاف الغربيين الذين سعوا لدعمه اضافة الى الجيش السوري الحر الذي صوروه على انه حصن معتدل ضد الاسلاميين.
وبدلا من ذلك وجدت الدول الغربية - وهي تحاول اعداد الساحة الدبلوماسية لمحادثات السلام - نفسها مع حلفاء يزدادون ضعفا ونفوذ أقل في صراع قتل فيه أكثر من 100 ألف شخص.
وعلى العكس عزز الاسد وضعه العسكري في انحاء دمشق ومدينة حمص بوسط البلاد ويتمتع بدعم عسكري من ايران وميليشيا حزب الله اللبنانية وبغطاء دبلوماسي ومبيعات أسلحة من موسكو.
وهون دبلوماسيون غربيون من شأن رفض المعارضة للائتلاف الوطني قائلين ان ذلك ربما كان موقفا انتهازيا للحصول على تمويل من مانحين في الخليج ولا يمثل ابتعادا لا رجعة فيه عن الائتلاف الوطني السوري أو مقاتلي الجيش السوري الحر.
وقال جوليان بارنز ديسي من المجلس الاوروبي للعلاقات الخارجية "الغرب مرتبط بالائتلاف الوطني السوري لعدم وجود أي بديل وخوفا من ان يتحالف مع جماعات اسلامية."
وأضاف "الموقف الشجاع هو التغيير واقرار ان الائتلاف الوطني السوري غير قادر على تمثيل السوريين على الارض."
لكن استعداد الائتلاف الوطني السوري وبعض مقاتلي الجيش السوري الحر لاجراء شكل ما من المفاوضات مع السلطات في دمشق يجعل الاستغناء عنهم غير ممكن بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها.
وقال شاشانك جوشي من المعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن "أتوقع ان تمضي السياسة الغربية قدما مع الاقرار بان هذه الجماعات تمثل شريحة ضيقة من المعارضة وان أي اتفاق يتم التوصل اليه سيكون له تطبيق محدود على المعارضة السورية.
"لكن هذا أفضل من لا شيء."
وتعامل واشنطن على مضض مع الرئيس الايراني الجديد حسن روحاني سلط الضوء على دور القوى الاقليمية التي اتخذت مواقف ثابتة من طرفي الصراع السنة والشيعة - حيث ينتمي الاسد الى الطائفة العلوية بينما ينتمي افراد المعارضة الى الغالبية السنية.
وبينما دعمت ايران الشيعية الاسد عسكريا وماليا فان دول الخليج السنية وتركيا تدعم المعارضة بقوة.
وقال بارنز ديسي "هناك فرصة اذا كان بامكانهم بعد اتفاق الاسلحة الكيماوية والمحادثات الامريكية الايرانية تجميع قوة دفع ومارست روسيا وايران ضغطا عل الاسد."
وقالت الولايات المتحدة يوم الاثنين انها ستقبل مشاركة ايران في مؤتمر السلام اذا أيدت طهران علنا نداء العام الماضي بتشكيل حكومة انتقالية في سوريا.
وقال بارنز ديسي "الجانب الأكثر تحديا هو جعل المؤيدين المتشددين للمعارضة يتحركون في هذا الاتجاه. السعودية وتركيا ليس لديهما الاستعداد لقبول أي عملية تعطي الاسد شرعية."
وقال رئيس الائتلاف الوطني السوري أحمد الجربا هذا الاسبوع ان الائتلاف يريد موافقة أنقرة والرياض ومؤيدين اقليميين آخرين على حضور محادثات جنيف.
كما امتنع عن وصف الاجتماع المقترح مع "نظام الاجرام" للاسد بأنه حوار ووصفه بدلا من ذلك بأنه مفاوضات "مع عدو".
وقال في مؤتمر صحفي يوم الاثنين ان الهدف الوحيد هو تهيئة الأوضاع لتسليم السلطة وضمان تحقيق العدالة من خلال محاكمة كل من ارتكب جرائم حرب ضد الشعب السوري.
واذا جلس الجانبان للتفاوض في جنيف فان الهوة بين تلك المطالب وموقف الاسد الثابت لا يترك مجالا يذكر للتوصل الى حل وسط.
وقال جوشي من المعهد الملكي "لا أري القطع في مكانها لتسوية دبلوماسية ناجحة."
وأضاف "لا يعني هذا انك لن تجلب الناس الى الطاولة .. إنني فقط لا أعتقد انه سيتم حل كثير من المسائل."
