فلسطين – جنين- عاطف أبو الرب
العثور على جثة فتاة في العشرينات، بعد أن أصيبت بعدة طعنات. هكذا تناولت وسائل الإعلام الخبر، دون أية تفاصيل. هكذا يتعامل الإعلام مع حوادث قتل الفتيات، حتى تلك التي تتم على خلفيات جنائية، حيث يسيطر على الصحفيين هاجس الخوف من تداول مواضيع تتعلق بقتل النساء، ترى إلى متى ستبقى دماء بناتنا تراق بأيدينا؟ وعلى من تقع مسؤولية حماية المرأة الفلسطينية من بطش الرجل، وتقاليد المجتمع البالية؟
بالأمس كما في مناسبات أخرى نتناول نحن الإعلاميون أنباء الاعتداء على النساء، نشرت المواقع الالكترونية نبأ العثور على جثة فتاة، وأشارت المواقع إلى وجود آثار نهش الحيوانات للجثة. وقد ورد الخبر مجرداً دون التعرض لاسم الفتاة، أو الظروف التي أدت إلى الاعتداء عليها وقتلها. أإلى هذا الحد، صارت أرواح بناتنا تزهق، وصارت بناتنا نكرات؟
وورد في الخبر أن التقديرات تشير لمرور ما يقارب أربعة أيام على مقتل الفتاة، الأمر الذي يدعو للشعور بالاشمئزاز الغضب، فكيف لنا أن نترك جثة إنسان في العراء كل هذه المدة؟ وإن صدقت التقديرات بأنه مضى على حادث القتل أربعة أيام، ما سر عدم البحث عن الفتاة؟ وهل غيابها عن بيتها أمر طبيعي؟ ألا يوجد من يسأل عنها، ويقلق لغيابها؟ أسئلة كثيرة بحاجة لإجابات من قبل المجتمع، والمؤسسة الأمنية.
وأمام استمرار حوادث الاعتداء على النساء، لا بد من موقف يدين ويجرم كل من تسول له نفسه بقتل النفس التي حرم الله، إلا بالحق. وحتى لا يفهم أن من حقنا أن نقتل نحن، يجب أن لا يغيب عن بالنا أن مسؤولية عقوبة الإعدام، وتنفيذ الحدود أصلاً تقع على عاتق الحاكم المسلم، وليس علينا نحن الناس العاديون. وعليه لا بد من موقف واضح يؤدي لردع كل إنسان يقوم بقتل النساء، مهما كانت علاقته بالضحية، وعلينا أن نتخلص من دعوى غسل العار.
وهنا فإن الجريمة لم تقف عند حد القتل، الذي تهتز له السماء والأرض، بل هناك جريمة أخرى، وهي إلقاء الجثة في العراء دون مراعاة لحرمة الأموات. فكيف لنا أن نقبل أن نلقي جثث أمواتنا في العراء، وهل ترك الجثث يف العراء يتماشى مع الشريعة، وهل ارتكاب أحد منا جرم يحرمه من الحقوق التي نصت عليها الشريعة؟ ترى من الذي سمح لنفسه بأن يترك جثة إنسان كرمه الله في العراء لتتعفن وتنهشها الكلاب؟
على أية حال لن أقف عند حد من القاتل، ولن يغير في خطورة الجريمة الخلفية التي قتلت بسببها هذه الفتاة. فالأمر جد خطير، ويحتاج من سلطة القضاء أولاً ألا تراعي ي الله لومة لائم، وأن لا تنصت للمهاترات التي من شأنها أن تعطل القانون. فكثيرات هن من ذهبن ضحايا دون ذنب، وكثيرات من دفعن حياتهن ثمناً لتخلف المجتمع، وثمناً لقهر الرجال. ولا اعتقد أن أحد بإمكانه أن يقدم على قتل إنسان، لو شعر للحظة بأن حياته ستكون ثمناً لجريمته.
من هنا فإنني أرى أن تعطيل القانون، واستجابة القضاة للضغط الاجتماعي، وتخلي القضاة عن مسؤولياتهم، ومخالفتهم للعهد والقسم الذي قطعوه على أنفسهم يعتبر سبباً في استمرار جرائم القتل بشكل عام، وجرائم قتل النساء بشكل خاص. وأرى ويرى معي كثيرون، بأن القضاة مطالبون بموقف واضح من جرائم القتل، فهل يعقل أن يتخلى قاض عن مسؤوليته، ويستجيب لمهاترات نسميها عادات وتقاليد؟ أإلى هذا الحد وصل بنا الأمر؟ فكم من القتلة لم يمكثوا في السجن إلا أياماً، بدعوى أن القتل تم لغسل العار. وإنني أرى العار يجللنا، وأرى أن دماء بنتنا وصمة عار على جبين كل من تخلى عن مسؤوليته.
* صحفي فلسطيني يقيم في جنين...