تقرير: عاطف أبو الرب*
ينساب من بين الصخور صافياً من رحم الطبيعة، تقترب لترتشف شربة منه، فتجد أنه عذب، وكأنك لم تذق طعماً للماء من قبل. كيف لا ويد الإنسان لم تطله بعد. هذا شأن الماء في جبال الأغوار حتى وقت قريب. أما اليوم فكل شيء مختلف، وذلك بفعل الاحتلال.
عين الحلوة لم تعد تفتخر بمائها:
هناك عشرات الينابيع والعيون التي يعرفها الناس في الأغوار عن ظهر قلب. كانت حتى وقت قريب مصدر المياه للأهالي الذين عاشوا برغد ونعيم يحسدون عليه. عين الحلوة واحدة من بين العيون التي طالما تغنى الأهالي بعذوبة مياهها. وقد كان على مقربة منها عين المالح، وهي مياه مالحة شكلت مصدراً للعلاج بمياه مالحة غنية بالمعادن المفيدة للجسم، من هنا كان اسم عين الحلوة ليميزها عن عين المالح. وكان الأهالي يقتسمون مياه الحلوة على مدار العام، ولم يفكر أحد منهم يوماً بنفاذ المياه التي كانت تتدفق لتروي البشر، وتسقي الماشية، ولكل مشربه.
اليوم لم تكد تلك العين حلوة كما كانت، اليوم لم تعد تسقي الناس إلا أيام الشتاء، حيث تفيض المياه من ينابيع صغيرة في المكان، وما أن يتوقف المطر حتى تتلاشى هذه الينابيع، ولا يرى إلا خيوطاً من المياه تتسلل على خجل من بين الحجارة. ونظراً لصعوبة الأحوال فإن البعض ينتظر ساعات ليحصل على القليل من هذه المياه يخصصها للشرب. وتقول إحدى النسوة في خربة عين المالح القريبة، إن المياه بطعم الحنظل، ولم تعد كما كانت قبل عشرين عاماً. فالواحد منا ينتظر ساعات حتى يملأ أوعية مياه الشرب، وهذا يجعل الماء بطعم الحنظل.
الاحتلال يمنع الأهالي من استخدام مياه الينابيع:
في مكان قريب عين لا زالت تجود على الناس بالمياه، وصارت تشكل بديلاً عن عشرات العيون التي جفت بفعل سحب المياه من قبل الاحتلال. اعتاد الأهالي في المضارب المنتشرة في الأغوار أن يحصلوا على ما يحتاجون من المياه من تلك العين. ورغم أن هذه العين بعيدة عن بعض البيوت، إلا أن الناس برمجوا أنفسهم بصورة يمكنهم من الحصول على احتياجهم من المياه من هذه العين.
عشرات المستوطنين من مدمني المخدرات، يقيمون في موقع استيطاني " يعرف باسم مسكيوت" أقامته سلطات الاحتلال بالقرب من هذه العين. لم يرق لهذه المجموعة من المستوطنين أن يشرب الناس في المنطقة المياه. فبدأ عدد من المستوطنين مهاجمة الناس وترهيبهم بهدف منعهم من الحصول على المياه. ومع ذلك أصر الأهالي على الحصول على المياه، وتحملوا أذى المستوطنين.
وكما هي سياسة الاحتلال، فإنه يسخر القوانين لقمع الفلسطيني وتمكين المستوطنين. فقد داهمت قوات الاحتلال عدداً من منازل المواطنين في المضارب، يرافقهم ما يطلقون عليه مسؤول حماية الطبيعة. حيث أخطروا الأهالي بعدم الاقتراب من العين، وذلك بدعوى أن استمرار سحب المياه يتعارض مع الطبيعة، والسؤال هنا إذا كان الاحتلال مهتم باستمرار تدفق المياه الطبيعية من هذه العيون، لماذا قام بحفر آبار عميقة أتت على كل الينابيع؟ أم أن هذا الإجراء يأتي في إطار التنغيص على حياة المواطنين؟
في عين البيضاء رئيس المجلس ة يجمع الماء في دلو للشرب:
حاله كحال بقية الناس في القرية، يعاني مختار قرية عين البيضا من نقص مياه الشرب في القرية. منذ زمن طويل لم تعد المياه تصل القرية بانتظام. صحيح أن الوضع لم يكن مثالياً في القرية، إلا أن الأهالي كانوا حتى وقت قريب قد تأقلموا مع واقعهم. لكن مع قرب صيف هذا العام، فإن المؤشرات تحمل الكثير من المخاطر التي تهدد بعطش قد يصيب القرية، والقرى المجاورة.
فقبل أيام قليلة أخطرت دائرة مياه إسرائيل أهالي الأغوار بأنها قررت تخفيض كميات المياه التي تضخها للقرية والقرى المجاورة. لم يطل انتظار تنفيذ القرار، فقد باشرت دائرة مياه إسرائيل تخفيض الكميات التي تضخها للقرى في الأغوار مباشرة.
عند مدخل بيته حنفية للمياه مفتوحة طوال الوقت، أسفل منها دلو أبيض، وحسبما أفاد به رئيس المجلس فإن هذا الدلو مخصص للشرب، حيث أن المياه تنقط من الحنفية كما لو أنها تعمل بنظام التنقيط، ومع مرور الوقت يمتلئ الدلو، فيستبدل بآخر وهكذا تستمر الحياة في منزل رئيس المجلس، الذي يشكل نموذجاَ لواقع المياه عين البيضا وعدد من القرى الصغيرة القريبة منها.
صهاريج المياه يلاحقها الاحتلال:
لأن الاحتلال يدرك استحالة الحياة بدون مياه، فإن صهاريج المياه التي تنقل المياه للمضارب صارت هدفاً لشرطته. حيث ما يكاد صهريج يسير على الشارع حتى تستوقفه شرطة الاحتلال، وحتى لا يقال أن الاحتلال يحاول حرمان الناس من الشرب، فإن أفراد الشرطة لا يقولون للناس هناك ممنوع أن تنقلوا المياه، ولكن يتفننون بتحرير المخالفات بحق السائقين، فتارة الحجة عدم ترخيص الجرارات الزراعية، وتارة أخرى وجود خلل في أنظمة الأمان، وأخرى المساس بالطبيعة. هكذا أصبحت الجرارات الزراعية تهمة يعاقب عليها قانون الاحتلال. وبالمحصلة فإن كل إجراءات الاحتلال تهدف لحرمان الناس من الشرب.
الناس متمسكون بأرضهم وسيشربون الحنظل إن عزت المياه"
الأهالي في الأغوار يصرون على البقاء في أرضهم، صحيح يتجرعون كؤوس المر، لكنهم يرفضون التفكير بأي خيار يبعدهم عن أرضهم. فهم إن حرمهم الاحتلال من الحصول على المياه فسيجمعون ما تيسر لهم مما تجود به السماء، ويخزنونه ليشربوا القليل مما يمكنهم من العيش.
* عاطف ابو الرب صحفي فلسطيني مقيم في جنين.