لا يكترث "أبو محمد" كثيراً لطبيعة "غزة" المحافظة وهو يعصر العنب يدوياً داخل غرفة على سطح منزله ليصنع منه النبيذ الذي شح وجوده في القطاع منذ سيطرة "حركة حماس" الإسلامية عليه في 2007 وتشديد الحصار الإسرائيلي.
ويقول الرجل ذو الأربعين عاما إن صناعة النبيذ "خارجة" عن طبيعة مجتمعه المتدين، لكنه يعتبر أن "شرب الخمر حرية شخصية..أنا استخدم مواداً طبيعة لكن الكثير غيري من الشباب يلجأون إلى المخدرات وحبوب الهلوسة وغيرها بعد منع المشروبات الروحية".
ويشرح "أبو محمد" الطريقة التي يتبعها لتحضير النبيذ وهو يعصر العنب بيديه العاريتين داخل مصفاة كبيرة قائلاً :"بعد غسل العنب جيداً وفصل الأعواد الصغيرة عنه، أقوم بعصره في الوعاء، بهذه الطريقة تترسب البذور في القاع، ثم أقوم بتصفيته جيداً وأضع عليه كمية قليلة من الخميرة أو الجبن الأبيض لتسرع من تكاثر البكتيريا والتخمر".
ويتابع وهو يباشر المرحلة الثانية بسكب العصير في برميل بلاستيكي سعة 18 لتر متصل بغالون سعة 3 لتر يحتوي على الماء حتى نصفه :"أغلق البرميل جيدا والغالون أيضاً واتركه لمدة أربعين يوم على الأقل حتى تخرج الغازات من برميل العنب إلى الغالون".
ويؤكد الرجل وهو موظف في مؤسسة تابعة للسلطة الفلسطينية :"لجأت إلى صناعة النبيذ يدوياً بسبب الحصار الإسرائيلي وخصوصا بعد سيطرة حماس على غزة".
ولا يخفي "أبو محمد" خشيته من كشف أمره ويقول :"ارتعب حينما يخطر لي أن شرطة حماس يمكن أن تكشف أمري خصوصا وأنني موظف سلطة لذلك احرص على تحضير النبيذ وحدي في السر ولا أبيع منه".
وقد سيطرت "حركة المقاومة الإسلامية (حماس)" في حزيران /يونيو 2007 على "قطاع غزة" الذي كانت "إسرائيل" تفرض عليه حصاراً منذ خطف مجموعات فلسطينية مسلحة أبرزها "كتائب القسام"، الجناح العسكري لـ"حماس" الجندي الإسرائيلي "غلعاد شاليت" في حزيران/يونيو 2006.
ويتوقع "أبو محمد" أن تنتج الثمانية كيلوغرامات من العنب التي يعدها :"أكثر من أربعة ليترات من النبيذ".
ويصل سعر كيلو العنب في غزة حوالي دولارين، ويتم قطف أجود أنواع العنب (الخليلي) في هذه الأيام، الأمر الذي يدفع الرجل إلى "تخزين كمية كبيرة تكفي طيلة العام".
ويؤكد "جميل الدهشان"، المدير العام لمكافحة المخدرات في شرطة "حماس" في غزة: "حتى لو علمنا بأمره لن نتمكن من اعتقاله..القانون الفلسطيني لا ينص على أي مادة تدين الشخص الذي يشرب الخمر. نكتفي في هذه الحالات بمصادرة المشروب فقط من باب الواجب الاجتماعي".
لكن "الدهشان" شدد لوكالة "الصحافة الفرنسية"، بحسب ما جاء على موقع صحيفة "القدس" المقدسية، على أن: "الاتجار بالخمر فقط هي التي تعد جريمة في القانون الفلسطيني".
بدوره، قال "طاهر النونو"، الناطق باسم الحكومة المقالة في غزة، إن حكومته: "تتعامل مع أي حالة وفق القانون الفلسطيني، فإذا كانت الكميات تجارية للبيع، نتعامل وفق القانون، وإذا كانت للاستخدام الشخصي، أيضا نتعامل وفق القانون، نحن نحترم القانون".
ويكشف "حسين"، (56 عاما)، أيضاً، والذي لجأ هو الآخر لتحضير النبيذ منذ أكثر من عامين انه: "يخشى أن يكشفني الأمن الداخلي (التابع لحماس) الذي لن يرحمني"، كما يخشى :"نظرة الناس في المجتمع" إن كشف أمره.
ويعتمد "حسين" على الطريقة نفسها في التحضير إلا انه يخزن عصير العنب في صندوق خشبي "ليحافظ على النكهة الجيدة".
أما "زياد"، (30 عاما)، فيتبع طريقتين مختلفتين في صناعة النبيذ بحسب ظروفه المادية.
وقال هذا الشاب عن هذا العام :"بعد أن دمر منزلي في الحرب الأخيرة لم اعد مستقرا في مكان فلجأت لطريقة غير مكلفة وسريعة تعلمتها من عمال فرنسيين كنت اعمل معهم في إسرائيل منذ عشرة أعوام".
وشنت إسرائيل هجوما على قطاع غزة في 18 كانون الثاني /يناير استمر 22 يوما وأسفر عن مقتل أكثر من 1400 فلسطيني، حسب إحصائية فلسطينية.
ويلخص الشاب الطريقة :"أضع قطوف العنب دون غسلها في غالون، إذ يجب أن تكون جافة تماماً، واضع كمية بسيطة من الخميرة فوق كل كمية حتى يمتلئ الغالون بمسافة تبعد عن فوهته بمقدار ثلاثة سنتيمتر".
ويتابع :"ثم أغلق الغالون بقفاز طبي بإحكام، سينتفخ البالون بالهواء بعد شهر على الأقل، وحين يتحجر تماما يكون قد نضج فواخزه بدبوس حتى يخرج منه الهوا".
ويشير "زياد" إلى انه كان يقوم في المواسم السابقة بوضع :"أربعين كيلوغراما من قطوف العنب في برميل خشبي مبطن بالنايلون البلاستيكي دون غسلها مع فنجان من الخميرة ثم يغطيه بالنايلون ويدفنه في ارض رملية لعام أو أكثر".
ويستبعد "زياد" أن يتم كشفه من قبل شرطة حماس لأنه يعمل :"سراً، لو كان هذا الاحتمال مرجحاً، لما جازفت".
وكان بالإمكان شرب النبيذ في بعض المطاعم في "غزة" قبل سيطرة "حماس" على القطاع، الذي لا توجد في أي محال تبيع الخمور علنا.