كشف تقرير صحافي بريطاني المساعي الحثيثة التي يمارسها المستوطنون الاسرائيليون في اقامة مواقعهم الاستعمارية على ارض المدينة المقدسة وباقي الاراضي الفلسطينية المحتلة. واتخذ الصحافي البريطاني روي مكارثي من تجربة احدى المستوطنات التي تقود مجموعة من المستوطنين تحدوا قرار حكومة نبيامين نتنياهو بازالة المستوطنات العشوائية ليقيموا واحدة في محيط بلدة بيت ساحور الفلسطينية.
وقال مكارثي في مقاله الذي نشرته صحيفة "ذي غارديان" الاثنين ان مايجري هو مفارقة سياسية و"نظرة نادرة الى الكيفية التي تبنى فيها المواقع الاستيطانية: مستوطنون عاقدون العزم وسلطات اسرائيلية متواطئة في النهاية". وكتب مكارثي: "في الصباح الباكر، قادت ناديا ماتار سيارتها الى التلال جنوب القدس بالقرب من بلدة بيت ساحور الفلسطينية وانعطفت الى طريق ترابية خالية من الاشارات. وهناك قامت بغرس لافتة كتب عليها: "مرحبا بكم الى شديماه". واستمرت بسيرها، وكانت تتوقف كل بضعة امتار على طول الطريق لتلصق على الأرض الوعرة سلسلة من الاعلام الاسرائيلية البيضاء والزرقاء المرفرفة. وتركها الجنود تمر من دون عراقيل وهي تقود سيارتها صعودا نحو الانقاض الاسمنتية، التي كانت قبل سنوات قليلة قاعدة "شديماه" العسكرية الاسرائيلية.
هنا، على مرمى حجر من منازل فلسطينية، وعلى بعد دقائق قليلة فقط من مدينة بيت لحم، تعتزم ماتار واصدقاؤها بناء تجمع يهودي، الموقع الاستيطاني المقبل في الضفة الغربية المحتلة".
واعتبر ت "ذي غارديان" ان ما يجري هو تحد صارخ لادارة اوباما، التي تحاول وقف كل النمو الاستيطاني الاسرائيلي تمهيدا لاستئناف محادثات السلام. ولكن التاريخ القريب يقترح ان مستوطنين ذوي دوافع قوية مثل ماتار (43 عاما) وهي ام لستة اطفال، ولدت في بلجيكا وتعيش حاليا في مستوطنة افرات، هم الذين يمكن ان ينتهي بهم الحال منتصرين في قطعة الأرض الترابية هذه على وجه الخصوص. في وقت يصل فيه رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو الى لندن غدا لعقد سلسلة من الاجتماعات الهامة، ومن بينها اربع ساعات من المحادثات يوم الاربعاء مع المبعوث الخاص للبيت الأبيض جورج ميتشيل ومحادثات مع (نظيره البريطاني) غوردون براون.
وسيسيطر موضوع الاستيطان المتواصل للضفة الغربية على جدول الاعمال، وهو المشروع الناجح الى حد استثنائي على مدى 40 عاما. وبينما تعتبر بقية المجتمع الدولي الاستيطان في الأرض المحتلة غير شرعي، ومع ذلك هناك نحو نصف مليون مستوطن يهودي يعيشون في القدس الشرقية والضفة الغربية.
وتقع "شديماه" خلف الجدار الاسرائيلي الفاصل بالضفة الغربية، الممتد في عمق الاراضي الفلسطينية والذي يعتقد الكثيرون انه سيصبح يوما ما الحدود النهائية لاسرائيل".
ويشير الصحافي مكارثي الى ان هدف ماتار هو "تخليص الارض". وفي زعمها ان الأرض التي تقوم عليها منازل الفلسطينيين تعود حسب حق توراتي وتاريخي للشعب اليهودي وانها تقع في الوقت الحاضر "مؤقتا تحت احتلال عربي". وهي تحاول بناء "شديماه يهودية" ومنع بقاء الأرض تحت سيطرة فلسطينية.
وبعد اخلاء الجيش للقاعدة كانت هناك خطط، وضعت على الرف، لاقامة مستشفى للفلسطينيين. و نقلت الصحيفة عن ماتار قولها الذي يكشف عن يمينيتها وتطرفها وعنصريتها: "انهم يريدون مزيدا من الاراضي التي تعود لليهود. وهم يريدون اخذها منا. ان ارض اسرائيل اعطاها الله لشعب اسرائيل. البعض سيقولون لك ان الله اعطاها لنا، وآخرون سيقولون ان تاريخا يهوديا منذ 4000 عام هو حقنا التاريخي...ليس عليك ان تكون انكليزيا متدينا لترى ان لندن تخص البريطانيين".
ويقول الصحافي البريطاني: "هذه هي نظرة نادرة الى الكيفية التي تبنى فيها المواقع الاستيطانية: عبر مستوطنين عاقدين العزم وسلطات اسرائيلية متواطئة في النهاية. في البداية، وبعد انسحاب الجيش من القاعدة قبل ثلاث سنوات، اغلق الجنود المنطقة ومنعوا جميع المستوطنين من الاقتراب، ولكن المستوطنين تسللوا خلسة الى الداخل واستمروا في القدوم. وفي النهاية، اقنعت ماتار، وهي زعيمة مجموعة "نساء بالاخضر" وانصارها، الجيش بالسماح لهم بالدخول مرة واحدة في الأسبوع فقط، في ايام الجمعة. وقاموا بتنظيف المباني هناك وطلاء الرسومات الجدارية وترتيب الغرف وعقد ورشات عمل وحلقات نقاش. وفي بعض الأحيان كانوا يبقون طوال الليل واحيانا كان يسمح لهم بالمجيء مرتين في الاسبوع، وهم يعتقدون ان مستوطنين سيبدأون في النهاية في العيش هنا.
وتدور صراعات مشابهة كل اسبوع على تلال اخرى في انحاء الضفة الغربية. وكل هذا يحدث على الرغم من ان الحكومة الاسرائيلية تقول علنا انها "لن تسمح ببناء مستوطنات جديدة".
والآن في كل مرة يأتون، فيها فان الجيش الاسرائيلي بدلا من منعهم يقوم فعليا بتوفير الحماية لهم، وينشر عددا من الجنود والمركبات المدرعة ولكنه لا يتدخل في نشاطاتهم. وفي نيسان (ابريل) الماضي منع الجيش ايضا انشاء حديقة فلسطينية ممولة جزئيا من الحكومة الاميركية لأنها كانت ستقام عند سفح التلة التي يطالب بها المستوطنون في "شديماه".
ويذكر مكارثي ان المستوطنين طبعوا فعلا كتيبا لامعا تضمن خططا زراعية لـ"شديماه" التي يريدون رؤيتها: وتحتوي على مساحات عشبية وصفوف اشجار ومركز ثقافي وتجمع يهودي صغير ولكن مزدهر.
وفي هذا اليوم، احتشد حوالي 30 مستوطنا من اجيال مختلفة، من بينهم عدد من الاطفال وحاخام وامرأتان تحملان مسدسين في قرابيهما بشكل سري. وجلسوا في غرفة واحدة على مقاعد بلاستيكية في الوقت الذي ناقش فيه تومير كارازي (34 عاما) وهو حاخام لديه خمسة من الأبناء، نصا توراتيا وشدد على اهمية بناء تجمع جديد في هذه الأرض التوراتية.
وقال كارازي لاحقا انه مستعد هو وزوجته للانتقال من منزلهم في مستوطنة "نوكديم" الى "شديماه" في اسرع وقت ممكن. وقال ان: "واجبنا لا يتمثل في مرافقة عملية التخليص من الخارج وانما ان نشارك ونكون نشطين من الداخل. لسنا بحاجة لانتظار اشياء مثل المياه والكهرباء. ونحن فعلا نحب المكان. انه جميل".
ثم وصلت احواض كبيرة من الطلاء الأبيض وعدد من الفراشي وبدأت المجموعة بطلي الجدران الاسمنتية الرمادية، وكانوا يتوقفون احيانا لشرب اكواب الماء او تناول قطعا من البطيخ.
وشارك يوسف زيغيرمان (18 عاما)، وهو مستوطن من "افرات" في محاولات اخرى عدة، فاشلة في كثير من الاحيان، لاقامة مواقع استيطانية جديدة على تلال قريبة. ويقول: "انا اعتقد ان كل قطعة ارض تعود لنا، وانا لا ارى الكثير من قطع الأراضي الجميلة مثل هذه. نحن لا نقوم بشيء جنوني او متعصب. نحن نطلي ونجعل المكان يبدو جميلا".
وينقل تقرير "ذي غارديان" احاديث عدد من المستوطنين عن احباطهم من اسرائيليين آخرين يتمتعون بنمط حياة اكثر علمانية في مدن مثل تل ابيب وايلات ولكن لا يبدو بأنهم يفهمون او يوافقون على ايديولوجية المستوطنين، او جهودهم للمطالبة بان تكون الضفة الغربية لهم. ومنذ اجلاء اسرائيل لمستوطنيها من غزة، قبل اربع سنوات، يخشى الكثير من المستوطنين مزيدا من التسويات ويرغبون في اتخاذ موقف عمليا اكثر راديكالية لتوسيع الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية.
وهم يصفون انفسهم بأنهم خط امامي في صراع اوسع ضد ما يعتبرونه "اسلاما متطرفا"، ويؤكدون ان المواقع الاستيطانية تحمي الكتل الاستيطانية الكبرى، والتي بدورها تحمي تل ابيب والقدس، وهي تحمي بدورها العالم الغربي".