سحب الجنسية يثير سؤال : من هو الاردني؟

تاريخ النشر: 28 يونيو 2009 - 05:32 GMT
البوابة- محمد الفضيلات من عمان/الأردن 

تمضي دائرة المتابعة والتفتيش التابعة لوزارة الداخلية الأردنية قدما بسحب الجنسية من الأردنيين من ذوي الأصول الفلسطينية، تطبيقا لما يعرف بـ"قرار فك الارتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية".

وشهدت السنوات الأخيرة تزايدا كبيرا في أعداد المواطنين الذين سحبت منهم الجنسية ليصل عددهم خلال السنوات الخمسة الأخيرة إلى 2732 شخصا، وفقا للإحصائيات الرسمية الصادرة عن دائرة المتابعة والتفتيش.

ووفقا للإحصائيات فقد شهد العام 2007 العدد الأكبر من حالات سحب الجنسيات حيث شهد 897 حالة.

قرار فك الارتباط هو القرار الذي اتخذه العاهل الأردني الملك حسين عام 1988 بإنهاء ارتباط الضفة الغربية إدارياً وقانونياً مع المملكة الأردنية الهاشمية حيث بقيت الضفة الغربية تخضع للسلطة الأردنية منذ "مؤتمر أريحا" عام 1950 الذي اقر "وحدة الضفتين".

وفي أعقاب قرار فك الارتباط بدأت وزارة الداخلية بتطبيق إجراءات تطلق عليها "إجراءات تصويب الأوضاع للمواطنين"، فيما تعتبر واقعا وبحسب المنظمات الأهلية بـ"سحب الجنسية الأردنية" والرقم الوطني ومنحهم جوازات سفر مؤقته بدلا من الدائمة.

وترفض الحكومات الأردنية المتعاقبة الاعتراف بان ما تقوم به هو عملية سحب جنسية، معتبره ان ما تقوم به من "تصوب لأوضاع أبناء الضفة الغربية ينسجم وموقف الأردن الداعي للحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية في وجه المخططات الإسرائيلية الداعية الى تهجير الفلسطينيين من أراضيهم".

وخلافا للموقف الحكومي يذهب قانونيون وناشطون في مجال حقوق الإنسان تحدثت اليهم "البوابة" الى اعتبار ما تقوم به دائرة المتابعة والتفتيش يشكل مخالفة دستورية يجب وقفها، كما يرفضون ما تسوقه الحكومة من أسباب لعمليات سحب الجنسية تحت حجة الحفاظ على الهوية الفلسطينية.

وفي سياق ما وصف بالوقوف في وجه المخطط الإسرائيلي، رفض وزير الداخلية الأردني نايف القاضي، في تصريحات لصحيفة "العرب اليوم" ان يحول الفلسطيني إلى أردني على حساب أرضة وقضيته، نافيا في الوقت ذاته أن تكون وزارة الداخلية تقوم بتنفيذ حملة منظمة لسحب الجنسية والأرقام الوطنية من أردنيين من أصل فلسطيني.

كلام القاضي أعاد التأكيد عليه الناطق باسم الحكومة الدكتور نيبل الشريف بقوله :"عملية تصويب أوضاع أبناء الضفة الغربية تعكس تمسك الأردن بالحفاظ على الهوية الفلسطينية لأبناء فلسطين على أراضيهم، وصولا إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على ترابها الوطني وعاصمتها القدس".

كما نفى وزير الداخلية في تصريحات إعلامية أي تشدد في تطبيق تعليمات فك الارتباط، مشيرا إلى أن الوزارة تراعي الحالات الإنسانية في قرار سحب الجنسية.

مخالفة قانونية

نقيب المحامين الأردنيين السابق، صالح العرموطي، رفض ما ذهب إليه الشريف والقاضي في الدفاع عن عمليات سحب الجنسيات، وقال العرموطي لـ"البوابة" إن " قرار فك الارتباط قرار غير دستوري ولا يمكن للتعليمات ان تعدل الدستور او تلغية"، مضيفا " أوجدت الوحدة بين الضفتين مركزا قانونيا استقر بموجب دستور الوحدة، وإنهاء المركز القانوني يستوجب اجتماع مجلس النواب بالضفتين لإصدار قرار بالأكثرية لتعديل الدستور".

ويتابع العرموطي بناء على عدم دستورية قرار فك الارتباط فان عمليات سحب الجنسية من الأردنيين من ذوي الأصول الفلسطينية يشكل مخالفة للدستور.

موقف العرموطي من عدم دستورية قرار فك الارتباط يؤكده "مهندس القرار" وزير الداخلية الأسبق رجائي الدجاني، وهو من أصول فلسطينية، بقوله" لم يستند قرار فك الارتباط القانوني مع الضفة الغربية إلى قرار من مجلس الوزراء ولا إلى إرادة ملكية حسب الأصول القانونية والدستورية الرعية".

الدجاني أكد خلال محاضرة ألقاها في العاصمة عمان على "أن القرار لم يمر عبر المراحل الدستورية ولم يعرض على البرلمان للموافقة والتصديق عليه لذلك فهو ليس قرار دستوري".

ويصف العرموطي إجراءات سحب الجنسية بالارتجالية.

يضيف، تخضع الإجراءات لمزاجية الإفراد إذ لا يوجد قانون ينظمها، ويشير الى واقعة قانونية حكمت فيها محكمة العدل الأردنية عام 1997 لشخص سحبت جنسيته بحقه في استعادتها.

واستنادا إلى قانون الجنسية الأردنية يقول العرموطي" يحق لكل فلسطيني مقيم في الأراضي الفلسطينية قبل عام 1948 الحصول على جواز سفر أردني".

العرموطي يؤكد على ضرورة التدخل السياسي لوقف ملف سحب الجنسيات، ويشير إلى أن العاهل الأردني أمر بإنشاء لجنة لدراسة الآثار التي ترتبت على فك الارتباط بهدف معالجة الاختلالات، الا ان اللجنة وبحسب العرموطي لم تجتمع ولم تنفذ الهدف التي وجدت لاجله.

كما يرفض العرموطي الربط بين الحفاظ على الهوية الفلسطينية وسحب الجنسيات قائلا ان عمليات السحب هي عمليات سياسية بحته، مضيفا "ان خطاب الملك الراحل الحسين بن طلال الذي تلا قرار فك الارتباط اكد على ضرورة الحفاظ على الجنسية الأردنية لأبناء الضفة الغربية".

المطالبة بإعادة تصويب الأوضاع عبر عنها "مهندس فك الارتباط" الدجاني بمحاضرته التي أكد فيها على إعادة النظر في كل ما يتعلق بمسالة بجوازات وتصويب أوضاع الأشخاص الذين لحقهم إجحاف بحقوقهم لرفع الضرر، بخاصة بعد ظهور السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة كحقيقة واقعة.

الناشط النقابي ورئيس لجنة الحريات في نقابة المهندسين سابقا ميسرة ملص يؤكد على اهمية الحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية، لكن ملص بفرق بين الحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية وسحب الجنسية من المواطنين الاردنيين.

وأكد على أن دائرة المتابعة والتفتيش توسعت مؤخرا في عملية سحب الجنسية دون رقيب، مرجعا تزايد عمليات سحب الجنسيات إلى ان القضاء يرد غالبية قضايا سحب الجنسيات على اعتبارها قضايا سيادية.

ويوضح ملص لـ" البوابة" التوسع في سحب الجنسيات بقوله " دائرة المتابعة والتفتيش قامت بسحب الجنسية من مواطنين أردنيين كانوا في الخليج لحظة صدور قرار فلك الارتباط ، بعد ان كان سحب الجنسية الأردنية يقتصر على العاملين في السلطة الفلسطينية وحاملي جوازات السفر الفلسطينية.

حرب إعلامية

الجدل الذي إثاره ملف سحب الجنسيات من الأردنيين من ذوي الأصول الفلسطينية لم ينحصر في الإطار القانوني، بل امتد ليدخل في إطار المناكفات السياسية وأعاد تغذية بعض التوجهات الداعية الى تجريد الأردنيين من أصول فلسطينية من الحقوق السياسية.

وارتفعت بعض الأصوات الأردنية مؤخرا للمطالبة بتجريد ذوي الأصول الفلسطينية من الجنسية الأردنية، وكحد أدنى تجريدهم من الحقوق السياسية بحجة مواجهة مخططات الوطن البديل والتوطين.

ويعبر عن هذا التوجه ما يعرف بالحركة الوطنية الأردنية التي يمثلها الكاتب ناهض حتر والذي شكلت مقالاته والبيانات التي يوزعها باسم الحركة شرارة الحرب الإعلامية التي دارت رحاها حول تعريف الأردني ومن له الحق بالتمتع بحقوق المواطنة الكاملة.

وإثارةت كتابات حتر حفيظة بعض الكتاب الأردنيين من أصول فلسطينية الذين انبروا للدفاع عن حق الفلسطيني بالتمتع بكامل حقوق المواطنة الأردنية، الرد على حتر والحركة الوطنية الأردنية لم يقتصر على الكتاب الأردنيين من أصول فلسطينية بل توسع ليشمل بعض الكتاب الأردنيين ( الشرق أردنيين) الذين رأوا في مطالب وأفكار الحركة وحتر محاولة لكسر اللحمة الوطنية وإثارة النعرات العنصرية ليصبح الأردن في مهب الفتن السياسية والطائفية.

وعلى رغم من التغني الدائم باللحمة الوطنية بين أفراد الشعب الأردني من شتى الأصول والمنابت واعتباره شعارا يحرم الاعتداء عليه، إلا أن الحرب الإعلامية كشفت من خلال التعليقات التي أفرجت عنها المواقع الأردنية ( عمون، سرايا، خبرني، المحرر..الخ) عن حالة الاحتقان التي يثيرها فتح ملف سحب الجنسيات أو تجريد الأردنيين من أصول فلسطينية من حقوقهم السياسية.

احتقان يصل بمكونات المجتمع الأردني إلى حد التراشق بالشتائم وتبادل التخوين والتغني بالأصول.

وأمام هذه الحالة يدعو العرموطي إلى إغلاق هذا الملف نهائيا مطالبا بتدخل سياسي يضع حدا للكتابات التي تثير النعرات العنصرية والإقليمية، قائلا إن الاستمرار في سحب الجنسيات وتقسيم المجتمع إلى أردني وغير أردني " لن يبقى مواطنا أردنيا على الأراضي الأردنية".