دراسة في شأن الاستفتاء العام

تاريخ النشر: 30 مايو 2006 - 04:21 GMT
بقلم: رولا سرحان *

طرح الرئيس محمود عباس " أبو مازن " لأول مرة مسألة عرض القضايا السياسية على الاستفتاء، خلال حملته الانتخابية لرئاسة السلطة الفلسطينية، وذلك بإعلان التزامه إجراء " استفتاء عام" على أيّ حلّ لقضايا الوضع النهائي، وهي قضايا القدس واللاجئين والحدود والمياه. ثم عاد من جديد ليطرح فكرة الاستفتاء العام بتاريخ 5 أيار/ مايو 2005، عندما طرحت فكرة الدولة الفلسطينية المؤقتة وإمكانية التوصل إلى حل دائم مع الجانب الإسرائيلي. وقد قال الرئيس أبو مازن عندها أنه سوف يُقدم على إجراء استفتاء شعبي حول أي تسوية دائمة يتم التوصل إليها. ولم تثر هذه التصريحات جميعها أيّ ضجة حينها لا في شأن مدى دستوريتها أو في شأن الأهداف المرجوة منها. إلاّ أنه وبعد الانتخابات التشريعية، ظهر ثالث تصريح للرئيس محمود عباس في اعتماد الاستفتاء، وذلك في 10 أيار/ مايو 2006 عندما أعرب عن جهوزيته للتفاوض مع الحكومة الإسرائيلية والدخول في مفاوضات مع حكومة أولمرت بغض النظر عن الشكل الذي سوف تأخذه عملية التفاوض، متعهداً بأن ما سيتم الاتفاق عليه سيجري عرضه على الشعب الفلسطيني في استفتاء حر.(1)

وكان التصريح الأكثر جدلاً للرئيس محمود عباس عندما أعلن في خطابه الذي ألقاه في اليوم الأول من افتتاح مؤتمر الحوار الوطني الفلسطيني بتاريخ 25 أيار/ مايو 2006 عندما قال إنه سيلجأ إلى الاستفتاء الشعبي بشأن وثيقة الحوار الوطني المقدمة من الأسرى خلال أربعين يوماً ما لم يتم التوصل إلى اتفاق بين القوى والفصائل الفلسطينية خلال عشرة أيام.

ويتمحور الجدل حول قضية الاستفتاء في اتجاهين رئيسيين: الأول قانوني والثاني سياسي. على أساس أن هذين الجانبين يجب أن يتم أخذهما في عين الاعتبار ما دام موضوع الاستفتاء بات أكثر تداولاً وبات يأخذ شكلاً أكثر جدية، وارتفعت احتماليات اللجوء إليه كوسيلة وآلية لحل الخلاف بين مؤسستي الرئاسة ورئاسة الوزراء.

في الشأن القانوني

يُعرف الفقه الدستوري الاستفتاء العام ( Referendum ) على أنه أخذ رأي الشعب في مسألة معينة، بحيث يعرض هذا الأمر على جمهور المواطنين لأخذ الموافقة أو عدمها على تلك المسألة. وفي شأن تعريف الاستفتاء العام يقول جوليان لافرير Julian Laferrier إن الاستفتاء أداة ديموقراطية مباشرة يتم بموجبها دعوة " هيئة المواطنين إلى أن تعبّر عن طريق تصويت شعبي، عن رأيها وعن إرادتها تجاه تدبير اتخذته سلطة أخـرى أو تنوي اتخاذه " (2). وهذا يعطي للمواطنين حق الفصل في بعض أمور الحكم والمشاركة في صناعة القرار، بما يندرج في إطار الديموقراطية شبه المباشرة.

وتتنوع أشكال الاستفتاء بين استفتاء دستوري وتشريعي وسياسي(3)، وما يهمنا هنا هو الاستفتاء السياسي الذي يُطلب فيه من المواطنين الفصل في أمر مهم يثير الخلاف ولا ينطوي على قاعدة عامة مجردة، ويستخدم كأداة لتحكيم الشعب فيما يقوم بين سلطات الدولة أو بين الحكومة والمعارضة من نزاع، ويسمى الاستفتاء في هذه الحالة باستفتاء التحكيم (4). ويتم إجراء الاستفتاء في هذه الحالة بين الرئيس والحكومة أو بين الحكومة والبرلمان أو بين البرلمان والرئيس، وذلك بحسب النظام السياسي المتبع.

وعادة ما يستند إجراء الاستفتاء إلى نص دستوري يشكل الأساس الذي تنطلق منه القاعدة القانونية في تنظيم العملية الإجرائية للاستفتاء، وتوضح شكله وطبيعته، والمسائل التي تُطرح للاستفتاء، والجهـة المخولة بالدعوة لإجرائه، والجهة المخولة بإجرائه، والآثار المترتبة عليه.

وعلى هذا النحو جرت العادة في فرنسا، إذ تنص المادة (11) من الدستور الفرنسي الحالي على أن: (( لرئيس الجمهورية، بناء على اقتراح من الحكومة خلال فترة أدوار انعقاد البرلمان أو بناء على اقتراح مشترك من المجلسين، يتم نشره في الجريدة الرسمية، أن يطرح للاستفتاء كل مشروع قانون يكون متعلقاً بتنظيم السلطات العامة أو بإصلاحات خاصة بالسياسة الاقتصادية أو الاجتماعية للأمة أو بالمرافق العامة التي تسهم في هذه السياسة، أو يهدف إلى إذن بالتصديق على معاهدة قد يكون لها، دون أن تكون مخالفة للدستور، تأثير على عمل المؤسسات. عندما يجري تنظيم الاستفتاء بناء على اقتراح الحكومة، فعليها تقديم بيان أمام كل مجلس تعقبه مناقشة. إذا ما أسفر الاستفتاء عن إقرار مشروع القانون يقوم رئيس الجمهورية بإصداره خلال خمسة عشرة يوماً التالية على إعلان نتيجة الاستفتاء )).

أمّا في مصر، فإن نصوص الدستور أكثر وضوحاً في شأن الاستفتاء فقد نصت المـادة (62) من الدستور المصري على أن: (( للمواطن حق الانتخاب والترشيح وإبداء الرأي في الاستفتاء وفقاً لأحكام القانون، ومساهمته في الحياة العامة واجب وطني )). كما جاءت المادة (152) على النحو التالي: (( لرئيس الجمهورية أن يستفتي الشعب في المسائل الهامة التي تتصل بمصالح البلاد العليا )). أمّا المادة (74) فقد جـاءت علـى النحو التالي: (( لرئيس الجمهورية إذا قام خطر يهدد الوحدة الوطنية أو سلامة الوطن أو يعوق مؤسسات الدولة عن أداء دورها الدستوري أن يتخذ الإجراءات السريعة لمواجهة هذا الخطر، ويوجه بيانا إلى الشعب، ويجري الاستفتاء على ما اتخذه من إجراءات خلال ستين يومـاً مـن اتخاذها )). وتنص المادة (88) على أن: (( يُبين القانون أحكام الاستفتاء والانتخاب، على أن يتم الاقتراع تحت إشراف هيئة من القضاة )). أمّا المادة (127) فقد منحت لرئيس الجمهورية صلاحية عرض مواضيع الخلاف بين الحكومة ومجلس الشعب على الاستفتاء. فقد جاء نص المادة على النحو التالي: (( جاز لرئيس الجمهورية أن يعرض موضوع النزاع بين المجلس والحكومة على الاستفتاء الشعبي. ويجب أن يجري الاستفتاء خلال ثلاثين يوماً من تاريخ الإقرار الأخير للمجلس، وتقف جلسات المجلس في هذه الحالة. فإذا جاءت نتيجـة الاستفتاء مؤيـدة للحكومة اعتبر المجلس منحلاً، و إلاّ قبـل رئيس الجمهوريـة استقالـة الوزارة )).

أمّا في الحالة الفلسطينية، فإن القانون الأساسي لا يتضمن أيّ نصٍ يتعلق بإمكانية إجراء، أو اللجوء لإجراء، استفتاء عام من قبل أي سلطة كانت. وعليه، فإن القانون الأساسي الفلسطيني لم ينظم عملية الاستفتاء، وبالتالي فليس لها أيّ سند دستوري. ومسألة السند الدستوري هي مسألة أساسية جوهرية، إذ إن عملية الاستفتاء هي شأن دستوري بحت، ذلك أنها تتعلق بأمر من أمور السيادة، أي أن الشعب صاحب السيادة الأصلية، يُمارس جزءاً من سيادته عبر إبداء رأيه في مسألة الاستفتاء. لذلك تنحو معظم الدول، التي تأخذ بالاستفتاء، باتجاه تضمين الدستور نصاً في شأنه، لأن الاستفتاء من الأمور الدستورية.

وعلى هذا الأساس، فإن دعوة الرئيس محمود عباس " أبو مازن " لإجراء استفتاء عام حول وثيقة الأسرى، تعد دعوة مخالفة للقانون الأساسي ( الدستور الفلسطيني المؤقت ) وتحديـداً نص المـادة (38) والتي أكدت على أن: (( يمارس رئيس السلطة الوطنية مهامه التنفيذية على الوجه المبين في هذا القانون )). وبخلو القانون الأساسي من نص يمنح الرئيس صلاحية إجراء الاستفتاء، فإن عملية إجراء الاستفتاء تُعد مخالفة دستورية واضحة وصريحة. ولحل هذه الإشكالية، فإن ذلك يقتضي تعديل القانون الأساسي بتضمينه مادة حول الاستفتاء، وتوسيع صلاحيات الرئيس، أو الجهة المخولة بالدعوة لإجراء الاستفتاء، بما يمكنه/ها من إجرائه، وإلا أصبحت مجمل العمليـة مطعونـاً فـي شرعيتهـا الدستوريـة، لأنهـا تضيف " صلاحيات جديـدة " للرئيس بخلاف صلاحياته " الحصرية " المنصوص عليها في القانون الأساسي المعدل.

في الشأن السياسي

من الضرورة بمكان، معرفة التأثيرات السياسية لإجراء الاستفتاء. فعلاوة على وجوب الالتزام بنتيجة الاستفتاء، إذا ما كان نوع الاستفتاء المتبع هو استفتاء إلزامي(5)، سواء أكانت بدعم أو عدم دعم القضية المطروحة، فإن ذلك يقتضي الالتزام بالتبعات الدستورية والسياسية المستقرة في تجارب الدول المقارنة التي تأخذ بهذا الإجراء الدستوري. وذلك، بأن يتحمل أحد طرفي الخلاف نتيجة الاستفتاء، على النحو التالي:

بما أن الاستفتاء السياسي ( التحكيمي ) يقوم على أساس أخذ رأي الشعب في النزاع الناشب بين سلطتين سياسيتين، فإن نتيجة الاستفتاء تعني أن المستفتين قد غلبوا رأي أحد الطرفين دون الآخر. فإذا ما كانت نتيجة الاستفتاء في القضية المختلف بشأنها، مؤيدة لوجهـة نظـر الرئيس – على سبيل المثال- فإن على الطرف المعارض لسياسته حينها أن يستقيل، والعكس صحيح.

وبسحب هذا الأمر على الوضع الفلسطيني، فإنه يقتضي أن يستقيل رئيس السلطة الفلسطينية فيما لو كانت نتيجة الاستفتاء مؤيدة لسياسة الحكومة، وأن تستقيل الحكومة ويتم حل البرلمان وإجراء انتخابات مبكرة فيما لو كانت نتيجة الاستفتاء مؤيدة للرئيس.

والسؤال الأهم، هل طرفا المعادلة السياسية الفلسطينية؛ الرئيس من جهة، والحكومة والمجلس التشريعي الفلسطيني من جهة ثانية، مستعدان لتحمل أمر مماثل؟ تلك هي المسألة.

باحثة فلسطينية- المجلس التشريعي