حشود كبيرة تشيع بوتو

تاريخ النشر: 28 ديسمبر 2007 - 02:02 GMT

تحرك الموكب الجنائزي لزعيمة المعارضة الباكستانية بينظير بوتو من قرية عائلتها يوم الجمعة بعد يوم من اغتيالها الذي هوى بباكستان في غمار واحدة من أسوأ الازمات التي شهدتها منذ قيام الدولة قبل 60 عاما.

وأثار مقتلها الذي جاء عقب تجمع انتخابي في مدينة روالبندي موجة من العنف لاسيما في اقليم السند مسقط رأسها وأذكى المخاوف من أن يؤدي الى تأجيل الانتخابات المقررة في الثامن من كانون الثاني/ يناير والتي كانت تهدف الى عودة باكستان الى الديمقراطية تحت قيادة مدنية.

لكن رئيس الوزراء الباكستاني المؤقت محمد ميان سومرو قال يوم الجمعة ان قرار اجراء الانتخابات العامة في الثامن من يناير كانون الثاني مازال قائما.

وقال للصحفيين حين سُئل عما اذا كان قد اتخذ قرار بشأن الانتخابات على ضوء اغتيال بوتو "لا شيء بعد. موعد الانتخابات كما أعلن."

وحث زعماء العالم باكستان على الا تنحرف عن المسار الديمقراطي في حين هزت المخاوف من مزيد من عدم الاستقرار في منطقة تعصف بها تيارات التشدد الاسلامي الاسواق اليوم الجمعة ودفعت المستثمرين الى الهروب الى الاوعية الاقل خطرا مثل السندات والذهب.

ومع تصاعد اعمال العنف بعد اغتيال بوتو قالت الشرطة الباكستانية ان قواتها فتحت النار يوم الجمعة على متظاهرين في مدينة حيدر اباد الجنوبية وأصابت خمسة اشخاص.

وقال ضابط الشرطة عبد القدير سومو "فتحنا النار حين أصبح المحتجون أكثر عنفا وفشلنا في تفريقهم. أصيب خمسة منهم بجروح من طلقات الرصاص."

وتدفق الاف المشيعين على موطن أجداد بوتو اليوم الجمعة قبل دفنها في مقبرة العائلة الى جوار والدها. وكان جثمان بوتو قد وصل في طائرة عسكرية من طراز سي-130 برفقة زوجها اصف على زرداري واولادها الثلاثة الى موطنها اقليم السند بجنوب باكستان بعد ساعات من اغتيالها في روالبندي.

وأخذ الناس ينتحبون ويصرخون بينما نقل النعش الذي يحوي جثمان بوتو في سيارة اسعاف الى بيت عائلتها. وحث زرداري المشيعين اثناء نقل النعش الى المنزل قائلا "تحلوا بالصبر. شجعونا على تحمل هذا المصاب."

وفي وقت لاحق تحرك نعش بوتو من بيت عائلتها مع بدء الموكب الجنائزي. ورافق زوج بوتو نعشها الملفوف في علم حزب الشعب الباكستاني الذي تتزعمه الثلاثي الالوان الاخضر والاحمر والاسود في سيارة اسعاف في رحلة طولها سبعة كيلومترات وحتى مدافن الاسرة في قرية جارهي خودا بخش.

وكانت بوتو (54 عاما) تأمل أن يسهم التأييد الشعبي الكبير الذي تتمتع به بين فقراء باكستان في وصولها الى السلطة للمرة الثالثة رئيسة للوزراء خلال انتخابات كانت تهدف الى تحقيق الاستقرار في بلد يعصف به عنف المتشددين.

ولكن حينما غادرت التجمع الانتخابي الذي تحدثت فيه عن المخاطر التي تعرضت لها حياتها وقفت لتحية انصارها من فتحة سقف سيارتها المضادة للرصاص. وقالت الشرطة وشهود عيان ان المهاجم اطلق عليها أعيرة نارية قبل ان يفجر نفسه.

وصرح مسؤول امني بأن الرصاصات التي قتلت بوتو اصابتها في الرأس والعنق وقال "الذي أطلق الرصاص اما كان على درجة عالية من التدريب او كان قريبا جدا منها ليصيبها في الجبهة والرقبة."

وأعلنت وفاة بوتو في مستشفى بروالبندي التي يوجد بها مقر الجيش الباكستاني وهي نفس المدينة التي أعدم فيها والدها رئيس الوزراء الاسبق ذو الفقار علي بوتو شنقا عام 1979 بعد الاطاحة به في انقلاب عسكري.

وقالت فرزانا راجا وهي مسؤولة كبيرة بحزب الشعب الباكستاني الذي تتزعمه بوتو "انه من عمل من يريدون تفكيك باكستان... لقد قضوا على عائلة بوتو."

وفي انحاء باكستان ذلك البلد الذي اعتاد على العنف السياسي وحكمه الجيش اكثر من نصف سنوات تاريخه اصيب الاعداء والاصدقاء على السواء بالذهول لوفاة امرأة انتقدها كثيرون في وقت من الاوقات بانها زعيمة اقطاعية دعمها الشعب لكنها تتمتع بثروات عائلتها.

وقال نور أحمد خان وهو كهربائي في اقليم وزير ستان الشمالي المضطرب المتاخم لحدود أفغانستان "خسرنا زعيمة عظيمة. كنا نأمل ان تأتي بالسلام لمنطقتنا لكن الفرص الآن ضئيلة."

وكانت بوتو قد أعلنت معارضتها بقوة لاعمال العنف التي يقوم بها متشددون اسلاميون وتلقت تهديدات من قبل متشددين مؤيدين لحركة طالبان الافغانية.

وقتل اربعة اشخاص على الاقل في كراتشي عاصمة السند خلال ساعات من العنف الذي تفجر باديء الامر في اعقاب مقتلها. ويوم الجمعة قتل مسلحون مجهولون شرطيا بالرصاص في المدينة.

وأضرمت النيران في مئات السيارات والحافلات والشاحنات في اقليم السند وأقامت الحشود المتاريس في الطرق ورددت هتافات مناهضة للرئيس الباكستاني برويز مشرف.

وقال مراسل لرويترز تنقل بين أنحاء اقليم السند انه شهد مئات من المركبات المحترقة وان الناس خرجوا صباح يوم الجمعة وانهم يحرقون المزيد من السيارات ويحاولون سد الطرق.

وقال نواز شريف رئيس الوزراء الباكستاني الأسبق والمنافس السياسي القديم لبوتو ان حزبه سيقاطع الانتخابات.

وأنحى باللائمة في خلق عدم الاستقرار في البلاد على مشرف الذي استولى على السلطة في انقلاب عسكري عام 1999 لكنه تنحى في الآونة الأخيرة عن قيادة الجيش. وقال شريف "الانتخابات الحرة غير ممكنة في وجود مشرف. مشرف هو السبب الاساسي لكل المشاكل."

وفرض مشرف حالة الطواريء في نوفمبر تشرين الثاني فيما اعتبره البعض محاولة لمنع القضاة من الاعتراض على إعادة انتخابه رئيسا للبلاد. ورفع حالة الطواريء هذا الشهر.

وقررت السلطات إغلاق البنك المركزي وجميع المدارس لمدة ثلاثة أيام حدادا على مقتل بوتو.

وكانت الولايات المتحدة التي تعتمد على باكستان حليفا في محاربة القاعدة وطالبان في دولة افغانستان المجاورة قد ناصرت بوتو التي تلقت تعليمها في اوكسفورد وهارفارد ورأت انها افضل أمل لعودة باكستان الى الديمقراطية.

وقال الرئيس الامريكي جورج بوش في بيان "تدين الولايات المتحدة بقوة هذا العمل الجبان الذي ارتكبه متطرفون قتلة يحاولون تقويض الديمقراطية في باكستان."

واجرى بوش اتصالا هاتفيا بالرئيس الباكستاني وحث الباكستانيين على تكريم ذكراها بمواصلة العملية الديمقراطية.

وأدان مجلس الأمن الدولي اغتيال بوتو ووصفه بانه "عمل شنيع من اعمال الارهاب" ودعا كل الباكستانيين الى التحلى بضبط النفس والمحافظة على الاستقرار.

وقال محللون ان مقتل بوتو الذي جاء في أعقاب موجة من الهجمات الانتحارية في انحاء البلاد وتفاقم تمرد الاسلاميين على حدود باكستان مع افغانستان قد يجعل من المستحيل المضي قدما في اجراء الانتخابات.

وقالت فرزانا شيخ من تشاتم هاوس وهو مركز لابحاث العلاقات الدولية في لندن "اعتقد ان هناك احتمالا كبيرا للغاية ان يقرر مشرف ان الوضع خرج عن السيطرة وانه يحتاج الى فرض حالة الطواريء مرة اخرى."

وقال محللون من الحكومة الامريكية واخرون مستقلون ان تنظيم القاعدة هو المشتبه به الرئيسي في الاغتيال اذ من المحتمل ان يستفيد من المحافظة على معقله النائي وتقويض سلطة مشرف وزعزعة استقرار البلاد.

وقال مسؤول أمريكي "يوجد عدد من الجماعات المتطرفة داخل باكستان التي من المحتمل ان تكون قد نفذت الهجوم... والقاعدة من الجماعات التي تأتي على رأس هذه القائمة."

وقال محلل خاص ان انصار القاعدة في أجهزة الامن الباكستانية ربما لعبوا ايضا دورا لكن من غير المحتمل ان يكون مشرف نفسه متورطا.

وأدان مشرف "باقوى العبارات الممكنة الهجوم الارهابي الذي أدى الى مقتل بوتو المأساوي" والذي قتل فيه 16 شخصا من "الباكستانيين الابرياء" ودعا للهدوء.

وأضاف "هذه القسوة هي من عمل الارهابيين الذين نقاتلهم." وتابع "اطلب الوحدة والدعم من الامة...ولن يهدأ لنا بال حتى نتخلص من هؤلاء الارهابيين." وأعلن الحداد ثلاثة ايام لكنه لم يذكر شيئا عن الانتخابات في كلمته القصيرة التي القاها عبر التلفزيون.

وكان هذا هو الهجوم الثاني الذي استهدف بوتو في اقل من ثلاثة اشهر. ففي اكتوبر تشرين الاول فجر مهاجم انتحاري نفسه فقتل قرابة 150 شخصا بينما كانت تمر بموكبها في شوارع كراتشي لدى عودتها بعد ثماني سنوات قضتها في منفى اختياري.

وفي كلمتها خلال الاجتماع الحاشد يوم الخميس تحدثت بوتو عن المخاطر التي تواجهها.

وقالت في تجمع روالبندي "عرضت حياتي للخطر وجئت الى هنا لانني أشعر ان هذا البلد في خطر. الناس قلقون. سنخرج البلاد من هذه الأزمة."

وأصبحت بوتو أول امرأة تتولى رئاسة الوزراء في باكستان عندما انتخبت عام 1988 بينما كان عمرها 35 عاما. لكنها نحيت عام 1990 غير أنه أعيد انتخابها عام 1993 قبل الاطاحة بها مرة أخرى في عام 1996 وسط اتهامات بالفساد وسوء الادارة. وقالت بوتو ان الاتهامات ذات دوافع سياسية.

وخلفت بوتو وراءها ابنا (19 عاما) وبنتين احداهما عمرها 17 عاما والاخرى 14 عاما.

وطالب زوج بوتو الحكومة بالاستقالة.

وقال لرويترز هاتفيا "نحن نطالب بالاستقالة الفورية للحكومة. والمسؤولون عن هجوم 18 من أكتوبر هم ايضا مسؤولون عن هذا الهجوم."

ولم يسهب فيما يعنيه لكنه اشار الى رسالة بعثت بها بوتو الى مشرف قبل عودتها الى باكستان تقول فيها انها اذا تعرضت لاعتداء فان بعض حلفاء مشرف وجهازا امنيا سيكونون مسؤولين عن ذلك.