حزن وغضب لوفاة عرفات بفلسطين ومخيمات لبنان وسوريا والاردن

تاريخ النشر: 11 نوفمبر 2004 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

عمت مشاعر الحزن والغضب لوفاة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، شوارع المدن الفلسطينية ومخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وسوريا والاردن. 

وبدت الصدمة كبيرة على الفلسطينيين في رام الله اثر تبلغهم نبأ وفاة زعيمهم التاريخي الذي يبكون فيه خصوصا "ابا الثورة".  

وكانت الوفاة متوقعة والتحضيرات جارية منذ اسبوعين. لكن عندما تبلغ رجل في الستين من عمره النبأ اغمي عليه ونقل الى مركز حراسة في المقاطعة المقر العام لياسر عرفات الذي امضى فيه محاصرا السنوات الثلاث الاخيرة من حياته.  

وبعد ساعتين على الاعلان الرسمي تجمع مئات الاشخاص في ساحة رام الله المركزية للتعبير عن حزنهم. وشكل هؤلاء وغالبيتهم من الشباب مجموعات صغيرة في ساحة المنارة وراحوا يتبادلون الحديث مقطبي الوجه وقد اغرورقت عيون بعضهم بالدموع.  

وامام المقاطعة راح مئتان الى ثلاثمئة شاب فلسطيني يرددون شعارات وطنية ويعبرون عن حزنهم.  

وكان المتظاهرون يهتفون "الله اكبر" و "لا لمفاوضي السي اي ايه" وهم يرفعون صورا لعرفات والاعلام الفلسطينية.  

واضرم شبان النار في اطارات في عدة شوارع من رام الله وتجمع المئات في ساحة المنارة في وسط المدينة. وقد لف بعضهم انفسهم بالعلم الفلسطيني او بالكوفيات.  

ويقول هشام احمد عمارة الموظف في وزارة الزراعة الفلسطينية "كنت اصلي صباحا في المسجد عندما اعلنوا النبأ ثلاث مرات متتالية. انا تحت وقع الصدمة نجن جميعا تحت وقع الصدمة".  

وفي الساحة كانت مكبرات صوت جهزت بها شاحنة صغيرة تبث الايات القرآنية دونما توقف. واغلق التجار ابواب محالهم حدادا وهيمن هدوء غريب على الاجواء.  

فالجموع وغالبيتها من الرجال تتنظر وتراقب. ويقول مصطفى حمدي ابو يوسف الطالب في جامعة بيرزيت "اظن انني سابقى هنا طوال اليوم لاشترك مع الاخرين في الحزن".  

وفجأة صعد شابان على النصب الحديدي المقام في وسط الساحة وعلقا صورة لعرفات. وراح احدهم الذي حمل غضن زيتون في يده يتلو اجزاء من خطاب عرفات الشهير في الامم المتحدة العام 1974.  

وقال الشاب مستشهدا بعرفات "اتيت حاملا غصن الزيتون بيد وبندقية المقاتل من اجل الحرية في الاخرى. لا تدعوا غصن الزيتون يسقط من يدي".  

وكان رائد عصفور المحامي يراقب ما يحدث ويبكي بهدوء.  

ويقول هذا الرجل البالغ الاربعين من عمره "ما اشعر به قوي جدا ولا يمكنني التعبير عنه. عرفات كان اكثر من اب بالنسبة لنا جميعا. منذ ولادتنا نعيش معه لا نعرف غيره. لا يمكن لاحد ان يحل مكانه ابدا".  

وتؤكد اسبيرانس كورت وهي مسيحية من رام الله "انه الاب".  

وتضيف ربى التي ولدت في العاصمة التونسية حيث "رأت الرئيس" خلال سنوات المنفى في تونس، "اشعر باني يتيمة". وتقول مبتسمة "لقد عدت معه بعد اتفاقات اوسلو".  

البعض يذكر عرفات "الذي كان يهب لنجدة المحتاجين". ويروي رائد الكبري وهو موظف في الثاني والثلاثين "اعرف عائلة كانت احدى بناتها مريضة. اتوا الى المقاطعة واستقبلهم الرئيس واعطاهم المال الضروري للعلاج".  

ويختم المحامي رائد عصفور بقوله "انه اتعس يوم في حياتنا. عرفات كان الوحيد الذي يفهمنا، الوحيد الذي لم يذعن للاسرائيليين. سيكون هناك زعماء اخرون هناك كميات منهم. لكننا سنعاني من الضياع من دونه".  

واقامت الفصائل الفلسطينية بيت عزاء بوفاة الرئيس ياسر عرفات الخميس في مقره المدمر بغزة وقد تعهدت بدفن جثمانه (لاحقا) في القدس "عاصمة دولة فلسطين" محملة اسرائيل المسؤولية عن تدهور حالته الصحية ووفاته بسبب حصاره.  

وتوافد الاف الفلسطينيين المعزين من كل الشرائح الى بيت العزاء في مقر عرفات السابق والذي كان تعرض اكثر من مرة لعمليات قصف جوي اسرائيلي ادت الى تدميره .  

واصطف عند مدخل المقر الجديد للرئاسة المكسو بالرخام الابيض والذي اقيم بجانب المقر المدمر ممثلو الفصائل والقوى وبينهم قادة من فتح وحماس والجهاد الاسلامي والجبهتين الشعبية والديمقراطية .  

ولم يتمكن عرفات من دخول او رؤية مكتبه الجديد على ساحل بحر غزة بسبب حصاره في مقر المقاطعة برام الله بالضفة الغربية.  

وفي داخل المقر علقتت صور ضخمة للرئيس عرفات كتب عليها "القائد الرمز ابو عمار" فيما كان العشرات امام المقر من مرافقي عرفات من القوة 17 (امن الرئاسة) يبكونه.  

وفيما انشغل شبان برسم صورة للرئيس عرفات يعتمر الكوفية على جدران مكتبه المدمر كانت عشرات النسوة اللواتي جئن الى بيت العزاء بصحبة اطفالهن يرفعن صور "الختيار" وبعضهن انخرطن في البكاء.  

وقالت الفصائل الثلاثة عشر الممثلة في لجنة المتابعة العليا للفصائل الوطنية والاسلامية في بيان قرئ في مقر الرئاسة "نقسم بالوفاء بان تكون القدس عاصمة دولة فلسطين المثوى والمستقر لجثمانك الطاهر يا ابا عمار (عرفات)".  

وتابع البيان "ستدخل يا ابا عمار شهيدا كما هتفت دوما ..على القدس رايحين شهداء بالملايين" مضيفا ان لجنة المتابعة العليا "وهي تنعي ببالغ الحزن والاسى وبكل الفخر والاعتزاز هذا الفارس تؤكد وفاءها للشهيد القائد بتجسيد وتعزيز وترسيخ وحدتنا الوطنية".  

واشار البيان الى ان وفاة ابو عمار "جاءت في ظل الظروف اللاانسانية التي فرضها الاحتلال الاسرائيلي وتحت مراى ومسمع العالم كله لتؤكد مسؤولية الاحتلال المباشرة عن هذه الجريمة وتداعياتها".  

وقال سامي ابو زهري الناطق باسم حركة حماس ان حركته "تودع عنوانا اساسيا للنضال الفلسطيني في هذه المرحلة المصرية والتاريخية".  

واكد ان حركته "ستبذل كل جهد لتماسك البيت الفلسطيني" وتابع "سنجتاز جماعيا هذه المرحلة بالرغم من كل التحديات والعدوان واسقاط كل المراهنات الصهيونية على تفسيخ وحدة شعبنا".  

كما حمل ابو زهري "العدو الصهيونية مسؤولية موت عرفات من خلال حصاره على مدار اربعة اعوام في مقره برام الله ما ادى لتدهور صحته ثم وفاته".  

وشاركه في الراي خالد البطش القيادي في حركة الجهاد الاسلامي حيث قال ان وفاة عرفات "نتيجة الحصار عليه والعدو هو المسؤول رقم واحد بعد قضاء الله عن رحيل الرئيس ابو عمار".  

وشدد على الالتزام "بالثوابت الوطنية والاسلامية والتي في مقدمتها مواصلة المقاومة والانتفاضة" وتابع "نحن في الجهاد عهدنا مع ابو عمار و(مؤسس حركة الجهاد فتحي) الشقاقي بالحفاظ على وصية الشهداء :الوحدة ومواصلة المقاومة".  

وتعهد بان الفصائل "لن تدخل في مشاكل داخلية وستحافظ على وحدة شعبنا".  

وردد ممثلو كافة الفصائل هذه العبارة .  

 

وعمت مشاعر الحزن والغضب لوفاة الرئيس الفلسطيني مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان ومخيم اليرموك بدمشق، فيما اعلنت حركة فتح الحداد لمدة اربعين يوما في المخيمات المنتشرة من جنوب لبنان الى شماله.  

وقد ابكى الاعلان الرسمي عن وفاة ابو عمار الافا من اللاجئين الفلسطينيين في مخيم عين الحلوة اكبر مخيمات لبنان (60 الف نسمة). ولم يستطع احدا حبس دموعه من رجال ونساء واطفال.  

واطلق العشرات من مقاتلي حركة فتح، التي كان يتزعمها عرفات، قذائف ورشقات نارية في الهواء في تعبير عفوي عن حزنهم وغضبهم فيما قام اخرون بنزع اللافتات التي كانت تدعو له بالشفاء من طرقات المخيم وازقته واستبدلوها برايات الحداد السوداء التي رفرفت على مراكز الحركة واعمدة الكهرباء.  

وجاب الاف الفلسطينيين من مختلف الاتجهات السياسية طرقات المخيم وهم يرددون "ابو عمار ارتاح ارتاح نحن سنواصل الكفاح" و"ياجنة افتحي ابوابك ابو عمار من زوارك"، كما رفعوا لافتات كتب على بعضها "استشهد ياسر عرفات ابكي يا فلسطين على ياسر صلاح الدين".  

"لقد فقدنا الاب لقد اصبحنا ضائعين" تقول سميرة (23 عاما) وهي تنتحب. وتلوح رشا ابراهيم (15 عاما) بالكوفية الفلسطينية وهي تصرخ "لقد قتلوه لقد قتلوه".  

باسى واستسلام تردد فتحية خاطر (65 عاما) "سنضيع من بعده. لا بديل له. كان الامل الاول والاخير لعودتنا الى فلسطين".  

وقال ابو احمد الفضل مسؤول حركة المقاومة الاسلامية (حماس) في جنوب لبنان "سيترك غياب ابو عمار عن الساحة في ظل الهجمة الاميركية الشرسة فراغا كبيرا".  

في مخيم عين الحلوة، اسوة بمخيمات لبنان الاثني عشر التي اعلنت الحداد لمدة اربعين يوما، ترددت تلاوات القران الكريم من المآذن وسارت التظاهرات العفوية فيما اقفلت المدارس والمؤسسات والمحال التجارية ابوابها وانعدمت حركة السير وعمد الشبان الى حرق الاطارات المطاطية.  

في مخيمات مدينة صور الساحلية (83 كلم جنوب بيروت) في الرشيدية والبص والبرج الشمالي غصت الطرقات منذ الفجر بالنساء والرجال والاطفال الذين خرجوا من بيوتهم مع اعلان الوفاة.  

عند مدخل مخيم الرشيدية حيث يقيم امين سر حركة فتح في لبنان سلطان ابو العينين انتشر مسلحون بالزي العسكري المرقط يحملون بنادق الكلاشنكوف ويرفعون صورا ضخمة لعرفات ويافطات سوداء كبيرة كتب عليها "شهيدا شهيدا شهيدا هو خياركم وخيار اللاجئين في حنوب لبنان".  

ويستقبل ابو العينين المعزين الذين تقاطروا الى مقره من حيث اعلن الحداد لمدة اربعين يوما في المخيمات.  

ويعرب المسؤول الفلسطيني عن تخوفه من القضاء على حق عودة اللاجئين مع رحيل عرفات.  

تتساقط دموع علي فندي (64 عاما) وقد جلس على حافة رصيف مجاور يسند ذقنه على فوهة بندقيته. ويقول "كنت الى جانبه (ابو عمار) منذ ان تاسست حركة فتح. كنت معه في الاردن ولبنان وتونس".  

ويضيف "رحيله خسارة كبيرة لا تعوض لا بالمال ولا بالرجال".  

في مخيمي البارد والبداوي قرب طرابلس، كبرى مدن شمال لبنان، عم الوجوم التجمعات التي انتشرت امام المحلات المقفلة وعلى ملامحها علامات الضياع.  

وتقدمت صور ضخمة لعرفات مسيرات حاشدة خرجت بعد صلاة الظهر من المساجد شارك فيها الالاف.  

اما في بيروت فقد خرج الفلسطينيون في مسيرة ضمت عشرات السيارات من مخيم شاتيلا الى مخيم برج البراجنة.  

وردد المشاركون هتافات منها "لو حطوك بالتابوت غصن الزيتون ما بيموت".  

ويضم لبنان بحسب ارقام الامم المتحدة نحو 385 الف فلسطيني طردوا من اراضيهم في العام 1948 ولجأوا الى لبنان مع عائلاتهم خلال الحرب العربية الاسرائيلية الاولى.  

ويعيش نصف هؤلاء في المخيمات في ظروف صعبة.  

كما شهد مخيم اليرموك لللاجئين في العاصمة السورية دمشق تظاهرات حاشدة للاعراب عن مشاعر الغضب والحزن على وفاة عرفات. 

حداد في مخيم البقعة في الاردن 

وسيطرت اجواء الحداد صباح الخميس على البقعة اكبر مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في الاردن، حيث اقفلت المحال التجارية ابوابها ورفعت صور الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.  

وبدأ سكان المخيم الواقع في جنوب عمان يعلقون صور الرئيس الفلسطيني الراحل واللافتات السوداء الكبيرة في حين اقفلت جميع المحال التجارية ابوابها، حدادا على رحيل ياسر عرفات.  

وقال مسؤولون في المخيم ان تظاهرة حاشدة ستخرج في المخيم بعد صلاة الظهر من مسجد القدس باتجاه النادي الرياضي في المخيم في جنازة رمزية للرئيس الراحل، في حين بدأ الاهالي بالتوافد الى امام المسجد.  

واوضح رئيس نادي الرياضي في البقعة عمر الخميس ان "اهالي المخيم في حالة صدمة كبيرة، انها مصيبة جلل"، مضيفا انه يأمل ان تكون "التطورات اللاحقة في صالح القضية الفلسطينية ووحدة الشعب الفلسطيني".  

من جانب اخر، تنظم السفارة الفلسطينية في عمان مراسم عزاء الخميس بوفاة الرئيس الفلسطيني، كما اعلن مسؤولون في السفارة.—(البوابة)—(مصادر متعددة)