تقرير: بسام العنتري
"نجاحي كان متوقفا على بضع علامات. رجوتهُ طويلا إلا أنه لم يقبل..خرجت من مكتبه باكية وعاودت الاتصال به لاحقا..فأخبرني أن علامتي في هذه المادة وأي مادة أخرى لديه لن تقل عن 90% شريطة أن أخرج معه في رحلة ليوم كامل إلى مكان هادئ"!.
قد تبدو قصة نوال، وهي طالبة في احدى الجامعات الاردنية، مماثلة في معظم تفاصيلها لقصص طالبات اخريات يقعن بشكل يومي فريسة لاساتذة متحرشين يفلتون دائما من العقاب مستفيدين من تكتم الضحايا خشية الفضيحة او رميهن بتهمة الابتزاز.
وعلى ان حجم الظاهرة لم يتم رصده، او بالاحرى لا يمكن رصده بشكل علمي دقيق بسبب طبيعة المجتمع المحافظة التي تحول دون تحدث الطالبات علانية حول تجاربهن في هذا الاطار، الا ان صحيفة "الغد" الاردنية حاولت استشراف الظاهرة عبر استطلاع اجرته قبل نحو عامين وخرج بنتائج مقلقة.
فقد بين الاستطلاع الذي شمل 100 من الطالبات تم اختيارهن بشكل عشوائي، في ثلاث جامعات خاصة وحكومية، أن 57% من المستطلعات تعرضن للمضايقة من قبل أحد أساتذة المواد مرة أو أكثر خلال دراستهن الجامعية.
واظهر الاستطلاع كذلك أن نحو 20% من هذه الحالات كانت مصاحبة للتهديد إما بالرسوب أو بالعلامات المنخفضة.
وحول طبيعة التحرشات، بين الاستطلاع أن 33% منها كانت لفظية، بينما اشارت 24% من الفتيات اللواتي شملهن الاستطلاع الى انهن تعرضن لتحرش جسدي و8% لتحرش جسدي مباشر.
ويبين الاستطلاع كذلك ان 18% من هؤلاء الطالبات فكرن برفع شكوى، بينما قامت 2% فقط منهن برفع الشكوى بالفعل.. وفي المحصلة لم يثبت فعل التحرش.
هكذا يتحرشون
لا يوجد تعريف محدد للتحرش بخاصة إذا عرفنا أن مفهومه التحرش لا يعني بالضرورة ممارسة فعل مناف للحياء.
لكن التحرش بالضرورة، كما يورد تقرير في موقع "اسلام اون لاين"، يشمل كل قول أو فعل أو إيحاء يحمل مفهوما جنسيا، وقد يختلط على البعض مفهوم التحرش والمضايقات الجنسية بمفهوم المعاكسة في الشارع، لكن الأمرين مختلفان تماما، وإن كانا في المحصلة يسببان نفس الأذى للفتيات.
وفي مسعى لتقريب الصورة وتوضيح الطبيعة المتداخلة للتحرش، نسوق امثلة اوردتها احدى الصحف الأردنية لنماذج تحرش تجري احداثها في أروقة ومكاتب ومرافق الجامعات.
فهذه (ع) الطالبة في كلية الآداب بالسنة الثالثة في إحدى الجامعات الخاصة تتحدث عن قصتها مع مدرس شاب يتقرب إلى جميع الفتيات من طالباته، ويستغل أحيانا حاجتهن إلى النجاح والتفوق.
وتقول "شاءت الأقدار أن يضبطني هذا الأستاذ وأنا أمارس الغش مع زميلة لي في أحد الاختبارات، ومن يومها أصبح يتحرش بي ويبتزني بالكشف عن عملية الغش".
وتضيف انه صار يستدعيها إلى مكتبه بشكل يومي بحجة البحث في قضيتها.
لكنها تستدرك قائلة أن تحرشاته كلها كلامية لم تصل إلى حد اللمس، لكن القضية تطورت إلى إزعاجات هاتفية على الموبايل، وفي المنزل "يسمعني فيها أصواتا وألفاظا جنسية".
طالبة اخرى في السنة الأخيرة بكلية الاقتصاد تكشف عن تعرضها للتحرش الجنسي المباشر وغير المباشر من أحد أساتذتها بالجامعة.
وتقول "اقتصر الأمر في البداية على إيحاءات عبر الكلام وتلميحات جنسية، وانتقل الأمر بعد ذلك إلى تحرشات مباشرة باللمس، وبمجرد تقدمي بشكوى شفهية ضده إلى رئيس القسم انقلب ضدي".
وتعرب هذه الطالبة عن اعتقادها بأن الأمر لا يعود إلى ارتدائها لملابس "فاتنة أو مغرية" فقط، وأن القضية مجرد مسألة نفسية داخل الشخص نفسه.
حقيقة مغيبة
ولا تدرج المؤسسات المعنية بالتحرش الجنسي مثل مؤسسة حماية الأسرة أو الأمن العام أو حتى منظمات الدفاع عن المرأة نسبا أو أرقاما حول ظاهرة تحرش الأساتذة بالطالبات.
ويقتصر الأمر لدى هذه المؤسسات على دراسة التحرش الجنسي بالأطفال وفي إطار العائلة والاعتداءات الجنسية والاغتصاب.
ويزيد من تعقيد المسألة عدم وجود قوانين أردنية صريحة تجرم التحرش الجنسي بالنساء، وهو ما يبدو انه يدفع عديدا من النساء والفتيات الى الامتناع عن تقديم شكوى في المراكز الأمنية ضد المتحرشين بهن بسبب عقبات اجتماعية وعائلية.
ونادرا ما تسجل ملفات المحاكم الأردنية قضايا تحرش جنسي، بينما سجلت العديد من قضايا هتك العرض أو محاولات الاغتصاب، على الرغم مما تتركه ظاهرة التحرش بالنساء عموما وبالطالبات على وجه التحديد من آثار سلبية على صحتهن النفسية وحياتهن العاطفية والاجتماعية والعائلية والجسمية.
ويوضح أحد المحامين إن المتحرش بهن ممن يلجأن للقضاء، يصدمن بعقبات كبيرة، من بينها وسائل الإثبات كالشهود، التي لا يمكن الاعتماد عليها في هذا المجال، لأن التحرش الجنسي غالبا ما يتم في فضاءات مغلقة.
ويضيف أن ما يزيد من صعوبة الموضوع كون المقدمين على التحرش الجنسي غالبا ما يعمدون إلى اتخاذ الاحتياطات اللازمة من أجل محو أي آثار للجرم المقبلين على ارتكابه.
في كل مكان
ولا يقتصر التحرش على الطالبات بل يمتد ليشمل النساء الموظفات، سواء في القطاع الحكومي أو في القطاع الخاص.
وفي هذا السياق، أشارت دراسة لوزارة العمل الأردنية أجريت عام 2001 الى أن العديد من الموظفات يتعرضن لمضايقات وتحرشات جنسية في محيط العمل من قبل زملائهن ومرؤوسيهن بسبب الضعف الذي توجد عليه الفتاة أو المرأة العاملة أو الموظفة في علاقتها بالمسؤول أو الرئيس، وفي علاقتها بالرجال عامة في الشارع، من أجل ابتزازها جنسيا والاعتداء عليها لفظيا أو جسديا.
وقدرت الدراسة نسبة الموظفات اللاتي يتعرضن للتحرش في محيط العمل بنحو 30%.
للضحايا دور
تقول إخصائية اجتماعية في مكتب عمادة شؤون الطلبة في الجامعة الأردنية إن دراسات خلصت في بعض نتائجها إلى جعل مدى تجاوب الفتاة أو رفضها للسلوك الصادر عن المتحرش عنصرا محددا في اعتبار ذلك السلوك تحرشا جنسيا.
وتوضح في تصريحات اوردها موقع "اسلام اون لاين" ان "استجابة المرأة أو الفتاة إيجابيا ومسايرتها يخرج الفعل عن مفهوم التحرش، كما أن التحرش يرتبط في العادة بسلوك صادر عن شخص يملك سلطة إدارية أو مهنية تجاه شخص آخر يكون في الغالب امرأة".
وتقول خبيرة اجتماعية ان بعض المجتمعات تؤكد على ان المرأة في جميع الأحوال هي الظالمة، وما وقع عليها من التحرش ليس مسؤولية الرجل وحده، ولكن مسؤوليتها هي بالدرجة الأولى، فلو لم تسلك سلوكاً يجعلها تتعرض لهذا التحرش لما وقع.
وهذه النظرة، كما تقول الخبيرة، ليست دائماً عادلة أو منصفة، ولكن لأن المرأة في بعض المجتمعات لها مكانة أدنى من مكانة الرجل، فيظن دائماً فيها أنها مصدر الخطأ، وأن الرجل في كل فعل مهما كان هو محق، لأن الطرف الأضعف وهو المرأة هو المذنب، ولأنه بسلوكياته دفع الرجل إلى هذا الفعل الشائن.
لماذا تتكتم
وتقول خبيرة اجتماعية اخرى ان ظاهرة التحرش الجنسي هي قضية مسكوت عنها في مجتمعاتنا لأن الكثيرات من ضحايا التحرش تخاف من الفضيحة، وتلويث السمعة، لأن أصابع الاتهام ستشير إليها بالدرجة الأولى، لذلك فهي تفتقد الجرأة والشجاعة في التحدث عن معاناتها.
كما أن بعض الضحايا تخاف من فقد عملها، فإحدى السيدات تذكر أنها كانت تكره الذهاب إلى عملها في وزارة الزراعة لأن رئيسها كان يتحرش بها جنسيا كل يوم. وتقول إنها شعرت بكونها أسيرة الحاجة لكسب عيشها وبالعجز عن مقاومة إساءاته وتحرشاته المباشرة.
وتضيف ان الخوف من تعثر الدراسة جعل بعض الضحايا يلتزمن الصمت.
وقد يكون صمت المرأة التي يمارس ضدها التحرش مرده إلى شعورها بأن المتحرش بها لن يجد العقاب الرادع له، وأن رئيسها المباشر لن يسمع لها خوفا على وضعه في العمل.
كما لا ينبغي التقليل من أن إثبات حدوث التحرش من أصعب الأمور على المرأة، فالتحرش في معظمه يتم حينما يكون المتحرش في وضع آمن أو شبه آمن ولا يراه غيره، ولا شاهد عليه.
انعكاسات على الضحية
في ظل غياب دراسات حول اثار هذه الظاهرة في مجتمعنا، نورد ما جاء في تقرير للجمعية الأميركية للنساء الجامعيات، والذي اشار الى أن الطالبات أكثر شعورا بالخجل والغضب والخوف والتشوش، وأقل ثقة وأكثر شعورا بخيبة الأمل تجاه تجربتهن الجامعية بعد تعرضهن للتحرش الجنسي.
وتقول الطالبات إنهن يتفادين المتحرش بهن أو أماكن معينة في الحرم الجامعي، وأنهن يعانين من صعوبات في النوم أو التركيز.
كما أن الطالبات أكثر لجوءً للاستعانة بشخص يقدم لهن الحماية، أو إلى تغيير مجموعات الأصدقاء، أو الامتناع عن المشاركة في الفصل، أو الانسحاب من المساق، أو التغيب عن نشاط ما. علماً بأنهن نادرا ما يبلغن المسئولين الجامعيين عن تعرضهن للتحرش.
وفي دراسة صادرة عن معهد المرأة في العاصمة الاسبانية مدريد أن أغلب هؤلاء العاملات يعانين من أمراض نفسية مثل القلق، والسهر، واللامبالاة، والخوف، والتعرض للكوابيس.
وعندما لا تكون المرأة المتحرش بها جنسيا راضية بالأمر، فإن الأمر يصبح مطاردة، والإحساس بالمطاردة قد يسبب الانهيار العصبي، خاصة إذا كانت ظروف المرأة لا تسمح لها بمغادرة مكان العمل أو الدراسة، فإن بقيت تحت الضغط قد تصاب بانهيار، و إذا كان بإمكان المرأة المغادرة أو الهروب فإنها تصبح حذرة في علاقاتها، حيث ستظل التجربة السلبية راسخة بذهنها وبداخلها.
وفي حال كانت المرأة الطالبة أو العاملة ذات شخصية هشة غير متماسكة أو ضعيفة فسيؤثر ذلك كثيرا عليها في المستقبل فقد يصل بها الأمر لرفض الارتباط بزوج، لأنها سترى في كل الرجال صورة عن الرجل الذي تحرش بها جنسيا والذي بسببه كونت صورة سلبية عن الرجل.
وإن وصلت لتكوين أسرة فقد لا ينفع معها تغيير المكان أي أن تغيير الوضعية لن يؤِدي بها لتغيير فكرتها وانطباعها لهذه الأسباب و غيرها.
وإذا وقعت المرأة في شباك المتحرش بها، واستطاع التلاعب بها فقد يتعدى الأثر إلى المنزل، فقد تزهد المرأة في زوجها نتيجة العلاقة الجديدة، فتتغير المعاملة مع الزوج، وقد تتفاقم لتصل إلى طلبها الفراق والطلاق، لتعيش مع من قوض حياتها الهانئة سعياً وراء السراب.
وترك المرأة للعمل وعودتها للمنزل من أبرز آثار التحرش، حيث تفضل الكثيرات من النساء العودة لمنازلهن بعد تعرضهن للتحرش.
وهناك أثر بالغ على سير العمل وقوته، فالقبول لن يكون على أساس الكفاءة والمؤهلات، بل سيكون هناك عناصر جديدة في أولوية التوظيف، فالجمال وحسن المظهر، هما أهم الصفات المطلوبة في المتقدمة عند من نفسه مريضة بهذا المسلك المشين، فضلا عن المحسوبية في الأداء الوظيفي فيما بعد، وهذان الأثران على حساب العمل.