بيروت مدينة مقفرة واغتيال الحريري يعمق انقسام اللبنانيين حول الوجود السوري

تاريخ النشر: 15 فبراير 2005 - 10:50 GMT

خلت بيروت من المارة واقفرت من كل نشاط وانتشر الجيش اللبناني بكثافة في طرقاتها في اليوم التالي لاغتيال رمز اعادة اعمار المدينة رفيق الحريري وقد عمق هذا الاغتيال من انقسام اللبنانيين حول الوجود السوري.

بيروت مدينة مقفرة

بدت بيروت الثلاثاء غداة اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، مدينة مقفرة خلت شوارعها من المارة بينما انتشر الجيش اللبناني حول المباني الحكومية وعند تقاطعات الطرق في العاصمة اللبنانية.

وقد اقفلت المدارس والجامعات والمحلات التجارية والمصارف والمكاتب بعد ان اعلنت السلطات الحكومية الحداد ثلاثة ايام تغلق خلالها المؤسسات الحكومية بينما دعت المعارضة الى اضراب عام.

واعلن الجيش اللبناني "استنفارا عاما" لجميع وحداته و"رفع الجهوزية القتالية الى الحد الاقصى ووقف جميع الاجازات واستدعاء المأذونين"، مؤكدا انه اتخذ "تدابير احترازية في مختلف المناطق للحفاظ على الاستقرار العام".

وقد اغتيل الحريري (60 عاما) احد ابرز شخصيات المعارضة الاثنين في اعتداء في بيروت نفذ بسيارة مفخخة على ما يبدو واسفر عن سقوط تسعة قتلى آخرين وحوالي مئة جريح.

وحملت المعارضة المعارضة اللبنانية "السلطة اللبنانية والسلطة السورية لكونها سلطة الوصاية في لبنان (...) مسؤولية هذه الجريمة".

وطالبت في بيان اثر اجتماع عقدته الاثنين في منزل الحريري "برحيل السلطة الفاقدة شرعيتها الشعبية والدولية وقيام حكومة انتقالية وانسحاب القوات السورية الكامل قبل الاستحقاق الانتخابي"، اي الانتخابات التشريعية المقررة في الربيع المقبل.

كما دعت الى "تشكيل لجنة تحقيق دولية (...) في ظل انعدام ثقة اللبنانيين بهذه السلطة واجهزتها كافة"، داعية الى اضراب ثلاثة ايام "استنكارا للجريمة".

وكانت فرنسا طالبت "بتحقيق دولي" لكشف ملابسات اغتيال الحريري "من دون تأخير لتحديد المسؤوليات وكشف ملابسات هذه المأساة تمهيدا لمعاقبة المسؤولين" عنها.

كما اعلنت واشنطن انها تريد التعاون مع مجلس الامن ومع حلفائها "لمعاقبة المسؤولين" عن اغتيال الحريري.

وقال المتحدث باسم البيت الابيض سكوت ماكليلان "سنبحث مع مجلس الامن ومع آخرين كيفية معاقبة المسؤولين" عن هذا الاعتداء من دون ان يذكر سوريا.

من جهته، تحدث العماد اللبناني ميشال عون الذي يعيش في المنفى في فرنسا صراحة عن "مسؤولية سوريا" في "الجريمة الشنيعة" التي استهدفت رئيس الوزراء السابق.

وقال العماد عون "انهم مسؤولون. انهم هم الذين يمسكون بالامن والاجهزة المخابراتية (في بيروت)، مشيرا الى "دلائل عديدة" مثل "الوسائل المستخدمة لـ(تنفيذ) هذا الاعتداء في وسط المدينة".

واعلن وزير الخارجية اللبناني محمود حمود انه ابلغ سفراء الدول الاعضاء في مجلس الامن الدولي الاثنين الاهمية التي يعلقها لبنان على "استقراره" بعد اغتيال الحريري.

وقال حمود بعد اجتماع عقده مع السفراء "للتنويه والاستنكار والادانة للحادث الاجرامي" الذي استهدف الحريري"، ان "لبنان يعلق اهمية كبرى على المحافظة على استقراره".

واضاف انه طلب من السفراء ابلاغ حكوماتهم ان استقرار لبنان "يؤمن للمنطقة كلها الاستقرار وان اي مس به ينعكس سلبا على استقرار" المنطقة، وانه "في حال دعوة مجلس الامن لبحث هذا الموضوع فيجب ان يؤكد على تمسكه بسيادة لبنان واستقلاله ووحدة اراضيه وحرصه على هذا الاستقرار".

واكد حمود ان "لبنان يعلق على ما سيصدر من المجلس في حال صدوره اهمية بالغة".

وجاء اغتيال الحريري احد اركان المعارضة وسط توتر شديد اثر تمديد ولاية الرئيس اميل لحود ثلاث سنوات في ايلول/سبتمبر.

وكان الحريري قد استقال في تشرين الاول/اكتوبر بعد التمديد للحود بضغط من سوريا.

ودانت سوريا على اعلى مستوى اغتيال الحريري الذي رأى الرئيس السوري بشار الاسد انه "عمل اجرامي رهيب"، داعيا الشعب اللبناني الى "تعزيز وحدته الوطنية ونبذ اولئك الساعين للفتنة وزرع الشقاق بين ابناء الشعب الواحد".

واعلنت جماعة اسلامية مجهولة تطلق على نفسها اسم "جماعة النصرة والجهاد في بلاد الشام" مسؤوليتها عن اغتيال الحريري.

وقالت هذه الجماعة في بيان بثته قناة "الجزيرة" القطرية الفضائية انها قتل الحريري جاء "نصرة لاخواننا المجاهدين في بلاد الحرمين وثأرا لشهدائنا الابرار الذين قتلتهم قوات الامن التابعة للنظام السعودي في بلاد الحرمين".

واكدت "انزال القصاص العادل بعميل هذا النظام واداته الرخيصة في بلاد الشام (...) رفيق الحريري عبر تنفيذنا لعملية استشهادية مدوية".

وذكر البيان اسم "منفذ الهجوم الاستشهادي" احمد ابو عدس وهو فلسطيني قامت الشرطة اللبنانية بتفتيش منزل عائلته في حي الطريق الجديدة.

وقد صادرت قوى الامن جهاز الكومبيوتر الذي عثرت عليه في المنزل وبعض الوثائق لمقتضيات التحقيق الذي كشفت نتائجه الاولية ان ابو عدس ينتمي الى التيار الوهابي.

وستجري مراسم تشييع رئيس الوزراء اللبناني السابق الاربعاء في مسجد محمد الامين بوسط العاصمة بيروت.

وقال مصدر قريب من عائلة الحريري ان الاسرة "ترغب في عدم مشاركة السلطة في التشييع"، بينما اعلن المجلس الاعلى للدفاع، اعلى هيئة امنية في لبنان، الحداد الرسمي ثلاثة ايام واقامة مأتم وطني بالتنسيق مع عائلة الحريري.

واعلن مصدر رسمي ان نازك الحريري ارملة الحريري عادت الاثنين الى بيروت مع نجلها فهد وسفير لبنان السابق في فرنسا جوني عبدو.

ويأتي اغتيال الحريري بينما يستعد لبنان لانتخابات تشريعية في الربيع.

والحريري جمع ثروته في السعودية قبل ان يتملكه شغف الحياة السياسية ويشكل خمس حكومات اعتبارا من العام 1992.

وشغل الحريري منصب رئيس الوزراء في لبنان من 1992 الى 1998 ومن 2000 الى 2004. وقد استقال في تشرين الاول/اكتوبر 2004 وانتقل الى صفوف المعارضة.

وكان الفائز الاكبر مع حلفائه في الانتخابات التشريعية الاخيرة التي شهدها لبنان العام 2000 حيث حصد نسبة كبيرة من المقاعد.

والحريري عرف كيف يتكيف نسبيا مع قواعد اللعبة التي تفرضها دمشق التي تمارس نفوذا كبيرا جدا على جارها الصغير ولا تزال تنشر فيه اكثر من 14 الف جندي.

ومنذ منع اي تجمع وجرت اعمال عنف بينما منعت قوات الامن متظاهرين من تخريب واحراق مقر الفرع اللبناني لحزب البعث الحاكم في سوريا.

وفي مدينة صيدا (40 كلم جنوب بيروت) مسقط رأس الحريري نزل مئات الاشخاص الى الشارع الاثنين واغلقوا باطارات السيارات المشتعلة الطريق الساحلية التي تربط هذه المدينة الجنوبية بالعاصمة.

تعميق الانقسام حول سوريا

وربما يكون اغتيال الحريري حرم المعارضة اللبنانية من عضو رئيسي ولكنه قد يدعم في نهاية الامر الدعوة لانهاء الهيمنة السورية في بلادهم.

وجاء اغتيال الحريري الذي خطط لاعادة اعمار لبنان بعد الحرب الاهلية من عام 1975 الى 1990 في وقت بالغ الحساسية في لبنان قبل نحو شهرين من الانتخابات البرلمانية التي ينظر اليها الى حد كبير على انها استفتاء على النفوذ العسكري والسياسي السوري.

واستقال الحريري من رئاسة الوزارة في تشرين الاول /اكتوبر ولكنه ظل محتفظا بنفوذه وشارك في الدعوات المتزايدة من جانب ساسة معارضين في لبنان لسحب سوريا قواتها وقوامها 14 الف جندي من لبنان. ويدعم هذه المطالب قرار من مجلس الامن التابع للامم المتحدة مما ترك دمشق في عزلة متزايدة.

وقال المحلل السياسي اللبناني فريد الخازن "سيترك غياب الحريري فراغا سياسيا هائلا في لبنان. انه ليس زعيما لبنانيا فحسب ولكنه ربما كان أشهر سياسي لبناني في الخارج."

واضاف "دوره محوري وضروري في المعارضة... اذا اجريت الانتخابات في بيروت في الاسبوع المقبل سيسجل انصار الحريري انتصارا ساحقا. من الاسلم ان تفكر الحكومة في امكانية تأجيل الانتخابات".

ويبقي تأجيل الانتخابات على الحكومة الموالية لسوريا التي خلفت الحريري في السلطة بعد ان صوت البرلمان اللبناني في نوفمبر تشرين الثاني على تمديد فترة ولاية الرئيس اميل لحود الذي تسانده سوريا.

ويقول ساسة معارضون ان البرلمان وافق على تمديد ولاية لحود تحت ضغط من دمشق. وعمق قرار تمديد ولاية لحود الانقسام بين المعسكرين الموالي لسوريا والمعارض لها في لبنان.

وحملت المعارضة سوريا والحكومة اللبنانية التي تدعمها سوريا مسؤولية اغتيال الحريري وطلبت حماية المجتمع الدولي وهي خطوة من شانها ان تعزز الضغوط الدولية المتزايدة على سوريا لمغادرة لبنان.

وقال سامي بارودي استاذ العلوم السياسية في الجامعة الامريكية في لبنان "هناك بعض الضغوط بالفعل وربما يزيد الضغط على سوريا. مهما قال السوريون فان المجتمع الدولي سيحاول ان يحملهم شيئا من المسؤولية".

"لا اعتقد ان السوريين يشعرون بارتياح اكبر الان عما كان عليه الحال في وجوده".

وفي الآونة الاخيرة فقط بدأ لبنان ينسى صور الحرب الاهلية التي مزقت البلاد وحاول استعادة مكانته السابقة كمركز سياحي ومالي عربي وكان الحريري رمزا لهذه الحملة.

واعادت اكبر عملية اغتيال منذ الحرب سيل الذكريات السيئة من جديد غير ان محللين قالوا انها لا تؤذن بانزلاق جديد تجاه اقتتال طائفي لان معارضة النفوذ السوري تجاوزت الانقسامات الدينية.

وقال المحلل السياسي اللبناني وليد مبارك "اذا كان من وراء الحادث يهدف لاشاعة الفوضى وزعزعة استقرار السياسة اللبنانية فلا طائل من وراء ذلك. لا اعتقد ان اللبنانيين مستعدون لحرب اخرى بعد 15 عاما من الحرب الاهلية".

وحث وزير الاعلام اللبناني ايلي فرزلي المواطنين على الاتحاد لاحباط كل محاولة تهدف لبث الفرقة.

ويقول موالون لسوريا ان تواجدها العسكري هو فقط الذي حال دون سقوط لبنان في حالة من الفوضى مرة اخرى.

وقال ماغنوس رانستورب محلل شؤون الارهاب في جامعة سانت اندروز البريطانية "انه اشارة لهؤلاء المعارضين... هذا يمكن ان يحدث لكم. انه يفتح الطريق امام تصاعد التوتر داخل لبنان ولكن من السابق لاوانه التنبؤ بانه سيزعزع استقرار البلاد".

واضاف "حجم ونطاق الهجوم يظهر مستوى الحرفية في عملية ضد شخصية محاطة بحماية مثل الحريري. من المستبعد ان يكون منفذوه من الهواة. كان حجمه هائلا لضمان عدم نجاته".

ولكن كثيرين في مجتمع الاعمال في لبنان الذين علقوا امالهم في انتعاش البلاد اقتصاديا الى حد كبير على وجود الحريري احد اباطرة قطاع المقاولات قد أذهلهم مقتله.

ولا يرغب معظمهم في التنبوء بتأثير وفاته على اقتصاد لبنان ولكن يتوقعون ان يغلق البنك المركزي والبنوك التجارية خلال فترة الحداد مما يتيح للمستثمرين فترة لتقييم التوقعات الاقتصادية في فترة ما بعد الحريري.

وقال مبارك "رأس المال جبان. حين يشهد مثل هذا الحدث فانه لا يبشر كثيرا بالخير بالنسبة للاعمار".