بعد عام على أحداث سجن صيدنايا: النزلاء بين المصير المجهول ودموع الأهالي

تاريخ النشر: 06 يوليو 2009 - 11:29 GMT

خاص "سكايز"/مايا أحمد- دمشق

"لم يفرج عن نزار رستناوي على الرغم من انتهاء مدة حكمه، ويكثر الكلام في الأوساط الحقوقية السورية عن أنه ليس على ما يرام، بل يذهب بعض الناشطين إلى احتمال ان يكون قد قتل في الاضطرابات التي حدثت في السجن".

هذا ما قاله محام وناشط حقوقي بارز في دمشق عن مصير الناشط نزار رستناوي، عضو المنظمة العربية لحقوق الإنسان في سوريا، مشيراً إلى أنه "كان من المفترض إطلاق سراحه بتاريخ 18/4/2009 بعد أن أمضى حكماً بالسجن أربع سنوات حيث حكمت عليه محكمة أمن الدولة العليا بتهمة نشر أنباء كاذبة وذم رئيس الجمهورية".

في 5 تموز/يوليو 2008، استخدمت السلطات السورية الأسلحة النارية للسيطرة على الأحداث التي نشبت في سجن صيدنايا العسكري، حيث يُحتجز العديد من المعتقلين السياسيين ، وفيما سربت اللجنة السورية لحقوق الإنسان، ومقرها لندن، أسماء تسعة معتقلين قتلوا على يد سلطات السجن، تفيد مصادر حقوقية أخرى بأن عدد القتلى يفوق المائة سجين، في ظلّ تعتيم إعلامي تام.

محام وناشط حقوقي آخر من دمشق قال "بني سجن صيدنايا في عام 1981، وبدأ استخدامه للمعتقلين السياسيين عام 1987، ولا يوجد احصاء معروف لعدد السجناء، ولكن يقدر أن العدد يتراوح ما بين 2000 و3000 سجين".

خلفيات المعتقلين كثيرة، بحسب محمد العبد الله، سجين سابق ومقيم في أميركا، والده الناشط علي العبد الله يقضي عقوبة السجن لانتمائه إلى "إعلان دمشق"، وشقيقه عمر العبد الله يقضي عقوبة السجن خمس سنوات في سجن صيدنايا على خلفية نشاط شبابي.

يقول محمد "السجناء الإسلاميون، يتوزعون بين ما يعرف بالسلفية الجهادية، وحزب التحرير الاسلامي ومن حاول الذهاب الى العراق، إضافة إلى المتهمين بالانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين، كما أن هناك فلسطينيين موالين لمنظمة التحرير الفلسطينية وعددهم غير محدد، وعدداً من المنتمين إلى حزب البعث العراقي".

ويقول بعض المعتقلين السابقين "إن السجن يتكون من ثلاثة طوابق على شكل ثلاثة أجنحة تلتقي في المركز على شكل ماركة المرسيدس، ويتكون كل جناح في كل طابق من عشرين مهجعاً جماعياً بقياس 8 أمتار طولاً وستة أمتار عرضاً، ويضم مكاتب للتحقيق مجهزة بأحدث أدوات التعذيب وأكثرها تطوراً، ويتم توزيع المعتقلين على الطوابق الثلاثة التي يقسم كل منها إلى جناحين، يمين ويسار، ويقسم كل جناح إلى (أ، ب، ج)".

بتاريخ 22 تموز/يوليو 2008 أصدرت منظمة "هيومن رايتس ووتش" بياناً دعت فيه الحكومة السورية إلى إجراء تحقيق مستقل في واقعة إطلاق الشرطة العسكرية النار عمداً على نزلاء سجن صيدنايا، وأن تعلن على الملأ نتائج التحقيقات، كما دعت السلطات إلى الإعلان فوراً عن أسماء القتلى والمصابين في الحادث.

صحافي رصد حادثة السجن منذ البداية قال "امتنعت السلطات السورية عن الإدلاء بأي معلومات عن الحادثة، وتكتمت على أسماء الضحايا وأعدادهم، وفرضت عزلاً كاملاً على السجن، وقطعت شبكة الهاتف النقال في منقطة صيدنايا لمنع استخدام الموبايل الذي كان بحوزة بعض السجناء".

وأضاف "اكتفت السلطات السورية بنشر بيان مقتضب في اليوم التالي على بداية الأحداث، نشر عبر الوكالة العربية السورية للأنباء "سانا"، وجاء فيه أن "عدداً من السجناء المحكومين بجرائم التطرف والإرهاب أقدموا على إثارة الفوضى والاخلال بالنظام العام في سجن صيدنايا واعتدوا على زملائهم، فقمنا بالتعامل معهم بالتدخل المباشر من وحدة حفظ النظام لإعادة الهدوء داخل السجن".

وتابع الصحافي المقيم في دمشق، والذي يعمل مع وكالة أنباء دولية "في كانون الأول (ديسمبر) 2009، تواترت الأنباء عن تجدد الأحداث في سجن صيدنايا واستخدام الأسلحة النارية من قبل سلطات السجن لمواجهتها، وحتى الآن لم تتمكن أسر السجناء من معرفة أي معلومات عن أقاربهم من أي مصدر رسمي، بما في ذلك الشرطة العسكرية ومحكمة أمن الدولة ووزارة العدل".

عائلات المجموعة الطلابية المعتقلة على خلفية نشاط شبابي في ربيع 2006 (سبعة طلاب اعتقلوا من قبل المخابرات الجوية وحكموا من قبل محكمة أمن الدولة بأحكام تراوحت بين 5 و7 سنوات) أكدت أنها لا تعرف أي شيء عن أبنائها، منذ تموز/يوليو 2008، وأضافت والدة أحدهم "نريد أن نعرف إذا كانوا أحياء أم لا".

وتضم المجموعة كلاً من حسام ملحم، وطارق الغوراني، وماهر اسبر، وأيهم صقر، وعلام فاخور، وعمر العبد الله، ودياب سرية، وكان قد حُكم عليها بتاريخ 17/ 6/ 2007من قبل محكمة أمن الدولة العليا بالسجن خمس سنوات باستثناء ماهر اسبر وطارق الغوراني اللذين حكما بالسجن سبع سنوات بتهمتي النيل من هيبة الدولة وتعريضها لأعمال عدائية.

محام كردي من القامشلي قال "معظم المعتقلين في سجن صيدنايا يحاكمون أمام محكمة أمن الدولة العليا، وهي محكمة غير شرعية دستورياً"، وأضاف "لدينا الآن أعداد كبيرة من المعتقلين من أنصار حزب العمال الكردستاني، إضافة إلى أن هناك مجموعة من حزب يكيتي الكردي في سوريا، ولكن ليست لدينا أي معلومات عنهم منذ بدء الشغب في السجن".

عائلة رياض درار، الناشط في لجان إحياء المجتمع المدني في سوريا، والذي اعتقل بتاريخ 4/ 6/2005 وحكم من قبل محكمة أمن الدولة العليا بالسجن خمس سنوات، ذهبت مراراً إلى أمام السجن لكنها لم تفلح في لقائه وجوبهت بالطرد من قبل حراس السجن.

وقال الصحافي نفسه "من المعتقلين في سجن صيدنايا أيضاً الشاعر فراس سعد، الذي اعتقل بتاريخ 30/7/2006 بسبب مقالة نشرها على الإنترنت بعنوان "أين الجيش السوري من الحرب الإسرائيلية على لبنان؟"، انتقد فيها عدم تدخل الجيش السوري لمساعدة لبنان أثناء حرب تموز/يوليو 2006، فحكمت عليه محكمة أمن الدولة العليا، في نيسان/ابريل 2008، بالسجن أربع سنوات بتهمة نشر أخبار كاذبة من شأنها وهن نفسية الأمة"، وأضاف "نحن لا نعرف أي معلومات عن فراس منذ 5/7/2008".

وطبقاً لشهادة عسكري مجند خدم في السجن اثناء اندلاع الشغب، فإن العديد من السجناء قضوا بعد أن قامت الشرطة العسكرية بفتح النار عليهم واستعمال الغاز المسيل للدموع. وأضاف المجند "قمنا بنقل أعداد كبيرة جداً من السجناء إلى مشفى تشرين العسكري، ومشفى 601 العسكري في المزة، وقضى بعضهم قبل أن يصل إلى المشفى".

ملازم طبيب من ريف دمشق كان يخدم في مشفى تشرين العسكري في الوقت نفسه قال "تلقينا تعليمات من قيادتنا بألا نقوم بتسريب أي معلومة إلى خارج السجن عن عدد القتلى أو الجرحى، وإلا سنتعرض جميعاً للعقوبة".

بدا أحد أصدقاء طارق البياسي حزيناً وقلقاً على صديقه، وقال "طارق مدون سوري من مواليد 1985، اعتقل بتاريخ 7 تموز (يوليو) 2007 من قبل المخابرات العسكرية بسبب انتقاده لسلوك الأجهزة الأمنية، عبر تعليقات أرسلها لمنتديات الكترونية".

وأضاف "حكمت عليه محكمة أمن الدولة بالسجن ثلاث سنوات، بتهمتي إضعاف الشعور القومي ووهن نفسية الأمة. لقد ظلمت المحكمة طارق، والآن نحن قلقون على حياته". وتساءل "هل هو حي أم ميت؟ نريد الحقيقة كيفما كانت".

كريم أنطوان عربجي ، مواليد دمشق 1989 ومجاز من كلية الاقتصاد – قسم المحاسبة، اعتقله فرع فلسطين للمخابرات العسكرية بتاريخ 7/6/2007 ونقله بتاريخ 18/9/2007 إلى سجن صيدنايا، ليصار إلى محاكمته أمام محكمة أمن الدولة العليا بتهمة نشر أنباء كاذبة من شأنها إضعاف الشعور القومي، وذلك على خلفية كتابة مقالات انتقد فيها السلطات السورية ونشرها في منتدى أخوية الإلكتروني.

مثل عربجي للمرة الأولى أمام محكمة أمن الدولة العليا بدمشق، بتاريخ 20 نيسان/ابريل 2008، وتأجلت الجلسة إلى 8/7/ 2008، ومن ثم تأجلت إلى تموز/يوليو من العام ذاته بناء على طلب النيابة العامة. ولم تنعقد الجلسة بسبب اندلاع الأحداث الدامية في سجن صيدنايا، وما زال مصيره مجهولاً منذ ذلك الوقت.

وفي حين تتمنى العائلات سماع خبر فقط عن مصير أبنائها المعتقلين داخل السجن، يرى الناشطون أنه لا يجوز الاستمرار في التعتيم على ما حدث، وأنه من حق المعتقلين وعائلاتهم أن تنتهي العزلة المفروضة وأن يتمكن نزلاء صيدنايا من التواصل مع العالم الخارجي عبر الزيارات الدورية، ومن حق أهالي الضحايا معرفة مصير أبنائهم وتسليمهم الجثث في حال قتلوا بالفعل. وتطالب العائلات بفتح باب الزيارة للاطمئنان على أبنائها، كما يطالب الناشطون الحقوقيون والسياسيون بفتح تحقيق شفاف وعلني فيما حصل، ومساءلة المسؤولين عن استخدام العنف ووقوع ضحايا، إضافة إلى المطالبة بتحسين ظروف السجن السيئة التي تؤدي في العادة إلى وقوع مثل هذه "الاستعصاءات"، ولكن في المقدمة وقبل كل شيء، يطالبون بفتح باب الزيارات وطمأنة الأهالي.