بدأت سوريا التي هزمتها اسرائيل في ثلاث حروب وتخشى من ان تكون عدوتها اللدودة امتلكت ترسانة نووية التحرك بجدية لبناء برنامج سري للاسلحة الكيماوية قبل ثلاثة عقود بدعم من جيرانها وحلفائها وشركات كيماوية اوروبية.
وقال خبراء عسكريون غربيون ان دمشق تفتقر الى التكنولوجيا والقدرة العلمية لانشاء برنامج بمفردها لكنها بمساندة من حلفاء اجانب راكمت ما يعتقد انه احد اكثر المخزونات فتكا لغاز الاعصاب في العالم.
وقالت آمي سميثسون خبيرة الاسلحة النووية والبيولوجية والكيماوية بمركز جيمس مارتن لدراسات منع الانتشار النووي في واشنطن "سوريا اعتمدت اعتمادا كبيرا على المساعدة الخارجية في بداية برنامجها للاسلحة الكيماوية لكن المفهوم الان ان لديهم قدرة محلية على انتاج اسلحة كيماوية."
وفي حين تدخل الحرب الاهلية السورية عامها الثالث وقد قتل فيها 80 الف شخص افادت تقارير ان حكومة الرئيس بشار الاسد استخدمت اسلحة كيماوية وتثور مخاوف ايضا من انها قد تسقط في ايدي متشددين يسعون الى زعزعة استقرار المنطقة.
ونتيجة لحروب اعوام 1967 و1973 و1982 سعت سوريا الى مواجهة التفوق العسكري الاسرائيلي.
واستخدمت اسلحة غير تقليدية في المنطقة بالفعل. واستخدم الرئيس العراقي الراحل صدام حسين الاسلحة الكيماوية مثل غاز الخردل وغازات الاعصاب الاخرى خلال الثمانينات -بما في ذلك قتل خمسة الاف كردي في حلبجة- خلال الحرب مع ايران.
ويتهم الغرب ايران حليفة سوريا بالسعي لتطوير قنبلة نووية وهو ما تنفيه طهران بينما ترفض اسرائيل تأكيد او نفي ما اذا كانت لديها اسلحة نووية.
وقالت سميثسون لرويترز "كان لزاما على سوريا ان تراكم شيئا ما ضد اسرائيل."
وقال محققو حقوق الانسان بالامم المتحدة يوم الثلاثاء ان لديهم "اسبابا معقولة" للاعتقاد بأن كميات محدودة من الاسلحة الكيماوية استخدمت في سوريا. وكانت قد وصلتهم مزاعم بأن القوات الحكومية والمعارضة استخدموا الاسلحة المحظورة لكن اغلب الشهادات متعلقة باستخدامها من جانب الحكومة.
وسوريا واحدة من سبع دول فقط لم تنضم الى معاهدة الاسلحة الكيماوية لعام 1997 والتي تلزم اعضاءها بتدمير مخزوناتهم تماما.
ولا تعلق سوريا عادة على اسلحتها الكيماوية لكنها في يوليو تموز من العام الماضي اقرت للمرة الاولى بامتلاكها هذا النوع من الاسلحة. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية جهاد مقدسي في مؤتمر صحفي ان الجيش لن يستخدم الاسلحة الكيماوية لسحق المسلحين المعارضين لكنه قد يستخدمها ضد اي قوات من خارج البلاد.
ومن السهل نسبيا انتاج كميات صغيرة من المواد الكيماوية لكن رفع الانتاج الى كميات كبيرة من المواد اللازمة لاسلحة الدمار الشامل يتطلب وقتا اطول ومنشآت معالجة بها اجهزة متطورة.
ويعتقد خبراء عسكريون ان سوريا حصلت في الاغلب على التكنولوجيا وانظمة الاطلاق للمرة الاولى من الاتحاد السوفيتي ومصر قبل الثورة بينما حصلت على المواد الكيماوية من شركات اوروبية.
ولتعزيز قدراتها انشأت دمشق مركز الدراسات والبحوث العلمية وهو وكالة يرأسها مدني وتديرها المخابرات الحربية.
وكتبت مبادرة التهديد النووي وهي مجموعة رائدة في منع الانتشار النووي الشهر الماضي انه "افضل مركز ابحاث تجهيزا في سوريا وانه يمتلك قدرة فنية ومعدات افضل من الجامعات السورية الاربع."
ويقول المركز الامريكي للدراسات الاستراتيجية والدولية ان مركز الدراسات والبحوث العلمية الذي هاجمته قوات المعارضة في وقت سابق هذا العام يشرف على منشآت الاسلحة الكيماوية في الضمير وخان ابو الشامات والفرقلس. وقال المركز الامريكي ان المركز السوري اقام منشآت لانتاج غازات تحدث بثورا في الجلد وغاز السارين والخردل وغاز الاعصاب في اكس.
وقال العميد مصطفى الشيخ المنشق عن الجيش السوري ان المركز يرأسه الان احد كبار مستشاري الاسد وهو اللواء علي مملوك رئيس الامن الوطني.
واضاف الشيخ الذي عمل اكثر من عشرين عاما في وحدات الاسلحة الكيماوية لرويترز من موقع مجهول في شمال سوريا "الرجل الذي يشرف على الاسلحة الكيماوية بشكل عام هو علي مملوك لكن السيطرة الفعلية على على الاسلحة اصبحت مجزأة. الاسد نفسه فقد التحكم والسيطرة الكلية."
وكان مملوك الموضوع على قائمة للسوريين المستهدفين بعقوبات الاتحاد الاوروبي منذ 2011 رقي العام الماضي ليرأس الامن الوطني بعد مقتل رئيسه في تفجير بدمشق. ومملوك الذي يعتبر من الدائرة القريبة من الاسد واحد من ضابطين سوريين وجهت لهما اتهامات في بيروت في اغسطس آب الماضي بالضلوع في مؤامرة مزعومة للتحريض على العنف الطائفي في لبنان. ولم تنجح محاولات الوصول الى مملوك للتعليق.
وقال الشيخ ان الترسانة الان في ايدي مؤيدين للطائفة العلوية التي ينتمي لها الاسد وهم مدربون على استخدام الاسلحة الكيماوية. واضاف انها تستخدم في هجمات محدودة اسفرت عن مقتل العشرات من قوات المعارضة.
وقال الشيخ "معظم الاسلحة الكيماوية نقلت الى المناطق العلوية في اللاذقية وقرب الساحل حيث يمتلك النظام القدرة على اطلاقها مستخدما صواريخ ارض ارض متوسطة المدى دقيقة الى حد كبير."
ولا تزال بعض الذخائر الكيماوية في قواعد حول دمشق ونشرت مع قذائف مدفعية. وقال "انها مسألة وقت قبل استخدام رؤوس كبيرة الى حد ما."
وابلغ مسؤول امريكي رويترز في تعليق على تصريحات الشيخ "هذا احد السيناريوهات التي تبعث على القلق التي ننظر اليها عن كثب."
واصبحت التقارير عن استخدام اسلحة كيماوية في ميدان المعركة اكثر تواترا في الاسابيع القليلة الماضية. ومنع فريق من محققي الامم المتحدة من الوصول الى مواقع هذه الهجمات ولم يتمكن من التحقق من هذه المزاعم.
وقال منظمة جلوبال سيكيورتي المتخصصة في المعلومات الامنية ان معظم تكنولوجيا انتاج الاسلحة الكيماوية والبيولوجية جاءت من "شركات سمسرة كبيرة في المواد الكيماوية بهولندا وسويسرا وفرنسا والنمسا والمانيا."
واضافت ان سوريا استوردت في اوائل الثمانينات معظم احتياجاتها من الادوية من فرنسا وبعضها يعرف بالمواد الكيماوية "ذات الاستخدام المزدوج" والتي يمكن استخدامها ايضا في الاسلحة الكيماوية.
كما ان نطاقا عريضا من المواد الكيماوية التي تستخدم في الصناعة لاغراض مشروعة مثل الزراعة يمكن استخدامها ايضا في الاسلحة الكيماوية. ويعتقد ان اهم المواد التي ينتج منها السارين وهو غاز للاعصاب استخدم في القتال الذي دار حديثا في سوريا هي ميثيلفو دايفلورايد وايزوبروبانول.
ولم يذكر اي من التقارير شركات بعينها على انها التي وردت هذه المواد. وتقول سوريا انها تعتزم استخدام المواد الكيماوية في الزراعة.
وبات الحصول على مواد كيماوية خام من السوق الدولية اكثر صعوبة عام 1985 عندما قامت مجموعة استراليا وهي هيئة تضم 40 دولة تسعى للحد من استخدام الاسلحة الكيماوية والبيولوجية عن طريق فرض قيود على الصادرات.
ويقول بعض الخبراء ان دمشق حصلت على امدادات من روسيا وايران بدلا من ذلك لكن سوريا ربما تكون قد تحولت ايضا الى شبكة من التجار غير الشرعيين الذين يستخدمون شركات صورية للبيع لايران والعراق.
وتقول جلوبال سيكيوريتي ان الجنرال الروسي السابق اناتولي كونتسيفيتش كان يشتبه بأنه يهرب المواد الكيماوية التي ينتج منها غاز الاعصاب الى سوريا. وتوفي في 2002.
وبينما لا تزال هناك اسئلة بشأن منشأ مخزونات الاسلحة الكيماوية السورية لم يدع تقييم للحكومة الامريكية في مارس آذار شكا يذكر بشان التهديد الذي تمثله.
وكتب مدير المخابرات الوطنية "برنامج الاسلحة الكيماوية السورية كبير ومعقد وموزع جغرافيا حيث توجد مواقع للتخزين والانتاج والاعداد.
واضاف "لديه امكانية ايقاع عدد كبير من الضحايا ونقدر ان نظاما محاصرا بصورة متزايدة قد يكون مستعدا لاستخدام الاسلحة الكيماوية ضد الشعب السوري بعد ان وجد ان تصعيد العنف عن طريق السبل التقليدية غير كاف."