المَكْذَبة العظيمة في مرآة جمهور و ”صحافة” قاصريْن

تاريخ النشر: 27 يونيو 2008 - 01:38 GMT

كذبة إدلاء أحد مستشاري الرئاسة الأمريكيّين بتصريحات مدارها على "الوطن البديل"، التي روّج لها حكواتيّون بالفصحى (يسمّون "صحفيّين")، الكذبة هذه، وقعت على جمهور ليس بجمهور؛ ليس على معنى أنّه أصمّ وأعمى ومذعن وحسب، إنّما على معنى العجز عن استعمال العقل والقصور عن إعماله. والأمران (العجز و القصور) هما نقيض التنوير أو بلوغ الرشد، والمكوث في "الطفليّة". والقصور عن استعمال العقل، في هذا المعرض (والأرجح في كلّ المعارض)، لا يردّ إلى عيب متأصّل في المرء (أو المرأة)؛ إنّما لرفضه أو رفضها القيام بذلك.

ولعلّ الباعث على رفض إعمال العقل في المَكْذَبة إيّاها هو أنّ مَنْ روّجوا لها كانوا ينتظرون ويتوقون إلى ما حصل، بل ويتمنّونّه. فهو، مِنْ وجه أوّل يثبت "صدق" "سياساتهم" (أي دعاوتهم) التي أقاموا عليها وعلى بعثها ونشورها. فجهروا، بانتشاء ظاهر: "ألم نقل لكم؟". وسبب رفض إعمال العقل، واشتياق الكذبة وانتظارها مِنْ وجه ثانٍ، هو أنّ الجلبة التي صاحبتها ونجمت عنها، غطّت وتستّرّت على أفعال وأقوال وسياسات كانت تجري في الأثناء. وقد يكون الأمر، مِنْ وجهٍ ثالث، عوداً على بدء لعب دور الضحيّة؛ فلعب دور الضحيّة، على ما دلّت وقائع كثيرة، يخاطب وعياً حسّاساً لدى "نخبة" و"جمهور" يحسَبون البكاء والعويل "سياسة" و"ثقافة". فيعطي (اللعب) الضحيّةَ المزعومة، مِنْ طريق شعورها بـ"الظلم"، إحساساً كاذباً ومتوهَّماً بالحقّ والأحقيّة. فإذا أتاها "الظلم"، تلذّذت به وحقّقّت ذاتها وتحقّقّ "حقّها"؛ فهي مظلومة لأنّها على حقّ، وهي على حقّ لأنّها مظلومة. ووفّرت الكذبة، مِنْ وجه رابع، لفئة تكابد بطالةً سياسيّة مزمنة، فرصةَ الظهور على المسرح. والفئة هذه، التي تسمّي نفسَها "معارضة"، استقرّ في حسبانها أنّ ردّة فعلها هي السياسة.

وفي عداد هؤلاء "أحزاب" و"حركات" وقبائل وعصبيّات جرت العادة على تسميتها "المجتمع الأهليّ". والسياسة، في زعم هؤلاء، مدارها ليس على الموارد والمصالح والإجراء والتدبير والإدارة والتعليم والتنوير والتجارة والريع والتوزيع والصحّة؛ إنّما على القضايا العظيمة والجليلة والملحميّة، مثل "الهويّة" و"الوطن" و"العدوّ". فتُسلَخ المعضلات الاجتماعيّة والثقافيّة والاقتصاديّة عن المشكلات السياسيّة، وتُفَكّ هذه وتلك بعضها مِنْ بعض. والحقّ أنّ "المجتمع الأهليّ" هذا لم يزعم يوماً لنفسه مهمّة التصدّي للمعضلات التي مرّت للتوّ؛ فهي (المعضلات) ليست فقط منفكّة مِنَ المشكلات السياسيّة، ولكنّها، إلى ذلك، غير قائمة وغير موجودة.

وعلى نحو ما انطوت المَكْذَبة العظيمة على تهافت وتنازع واضّطراب، لم تمتنع ردود مصدّقيها (أو المذعنين لها) مِنَ التهافت والتنازع والاضّطراب. فهؤلاء، يزعمون في كلّ يوم وليلة، أنّ الوطن عظيم ومنيع وراسخ رسوخ الجبال الرواسي وعصيّ على العدوّ. فإذا كانت الحال كذلك، وجب أنْ لا يهزّ تصريح مواطن أميركيّ بلداً بأهله وصحافته و"مثقّفيه". ولا يقتصر الأمر على هذا؛ فالمقالة "الوطنيّة" (أي مَنْ يكنّي عنها) لا تني تندّد بالعدوّ وتخلع عليه صفة الكذب الفطريّ، فهو كذّاب مِنْ غير شكّ أو استدراك، والنقل والترجمة عن صحف العدوّ ليس إلّا ضرباً مِنَ التلبيس الإبليسيّ و"الغزوّ الثقافيّ"، فهو كذّاب حتّى لو قال إنّ الشمس تشرق مِنَ المشرق، وأقواله ينبغي أنْ لا تثير فينا سوى النفور أو النفرة والصدّ والإشاحة والازورار. وعلى رغم ذلك، لا يمتنع أنْ يصدق العدوّ أحياناً. فهو يصدق حين تتقاطع مقالته مع رأينا الجاهز والناجز فيه. و"رأيُنا" في العدوّ، قد لا يزيد كثيراً عن رأي الأطفال في "الغولة" و"الذئب" المتربّص والمتآمر أبداً ودوماً.

ولكنّ ما يرقى مرقى الفضيحة، هو أنّ الصحافة وقعت في مصيدة المَكْذَبة مِنْ غير "مقاومة" كبيرة. هذا على رغم وهن هذه المصيدة وهشاشتها، مِنْ وجه أوّل، وعلى رغم أنّ قوام الصحافة هو التشكّك والتحفّظ، مِنْ وجه ثانٍ: التشكّكّ في الراوي، والتحفّظ عن إبداء الرأي في الرواية. ولمّا كانت الرواية، هنا، خرافيّة ولم تحدث أصلاً وابتداءً؛ ألفى أصحابُ المَكْذَبة أنفسَهم في دغل ملتفّ الأغصان، فاستعصى عليهم الخروج أو التفادي منه، فحلّ "اللاخبر" محلّ الخبر وناب منابَه، فانعدم التعليل؛ بسبب انصرام روافد الرواية.

وليس الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه في الواقع (وهذا تعريف الكذب) هو منتهى مطاف الواقعة التي لم تحدث ولم تقع؛ فأهلُ المَكْذَبة، حين افتضاح سترهم، وجّهوا سمومهم شطر مَنْ تحفّظوا عن الرواية وشكّكّوا فيها. فالمتحفّظون والمتشكّكّون هؤلاء "أصدقاء شارون وكيغان". ولا ريب في أنّ "صداقة" شارون (شارون في غيبوبة!) تورد صاحبَها موارد التهلكة، وتُخرجه مِنْ "وطنيّة" تُنصّب الصداقة والعداوة تهمةً لا يغسلها إلّا الدم؛ وتُدخله في خانة "الخيانة"؛ وبساط الخيانة ممدود على الرحب والسعة.

وكلّ هذا لوجه "الوطن" وحبّاً وعشقاً وشغفاً به. ولكنّ عشّاق "الوطن" يغفلون عن أنّ "مِنَ الحبّ ما قتل". وتتعاظم الغفلة ويتعاظم "القتل" حين يكون "العاشق" حيّةً تسعى. فالأفعى، على زعم صاحب "الإمتاع والمؤانسة"، إذا "أتاها" الذَّكر، واسمه الأُفْعُوان، تحوّلّت إليه، فإنْ ظفرت به أكلت رأسه مِنْ شدّة عشقها له.

هشام غانم

[email protected]