د. مُحَمَّد عِناد سُليمان
لا تخفى على مَنْ لَهُ أدْنى نَظَرٍ المسؤوليَّةُ الكبيرةُ التي تتحمَّلها المؤسَّسة التَّعليميَّةَ بشقِّيها الإداري والتَّعليمي؛ لأنَّها معنيَّة بالتَّواصلِ المباشَرِ مع المتعلِّمِ الذي هو فردٌ من أفراد المجتمع، ومكوِّنٌ من مكوناته المختلفة؛ أسهمَ في بنائِهِ الفكري المؤثِّراتُ الثَّلاثةُ المَعروفةُ: المؤثِّرُ الاجتماعي، والدِّيني، والسّياسي، فنرى في المؤسَّسَةِ اتِّجاهاتٍ فكريَّةً مختلفةً، وآراءَ متباينةً، وتوجُّهاتٍ متعدِّدَةً، يجبُ على المؤسَّسَةِ التَّعامُلُ معها جميعًا، ومحاولة التَّأليفِ بينها، إضافةً إلى المهمَّة الأساسيَّة المنوطَةِ بها، وهي: التَّعليمُ وبناءُ الإنسانِ.
لذلكَ تُعَدُّ هذه المؤسَّسَةُ في أيِّ بَلَدٍ من المُؤسَّسات السِّياديَّة التي تؤثِّرُ سًلبًا أو إيجابًا على بناءِ المُجْتَمَعِ والدَّولَة؛ فتُولِها كثيرٌ من الدُّوَلِ العنايَةَ الفائِقَةَ؛ إدْراكًا منها لأهميَّتها، وما يمكنُ أنْ تنتجهُ من آثارٍ عليها، ممَّا يَعني بالضَّرورةِ نَجاح هذه المؤسَّسَة، وإنجازِ ما ينبغي أنَّها وجِدَتْ من أجْلِهِ، وهو: بناءُ الفكرُ والوَعي الإنسانيِّ.
لكنَّ الواقعَ في بعض البلاد العربيَّة بخلاف ذلك، إذ نُفاجئُ بِغيابِ الجانبِ الإنسانيِّ، سواء أكان من جهةِ المتعلِّم أم من جهة المُعلِّمِ؛ لأنَّ كليهما يحتاجان إلى أمرٍ أكثر أهميَّة من كون أحدهما مرسلًا والآخر متلقِّيًا، وربَّما يصحُّ في هذا المقام قولُ الكاتبة السُّويديَّة سلمى لا غرلوف: (لا يحتاجُ النَّاسُ دائمًا إلى النَّصيحة، في بعض الأحيان، يحتاجون إلى يدٍ لتدعمَهم، وأُذُنٍ لتسمَعَهُمْ، وقَلْبٍ ليفهَمَهُمْ).
بلْ إنَّ الواقعَ في حقيقته أخطَرُ من ذلك بكثير، إذ تحوَّلتِ المَدْرسَةُ في كثيرٍ من هذه البِلادِ إلى بيئة طاردَةٍ للمتعلِّمِ والمُعلِّمِ معًا؛ لأسباب كثيرةٍ، يطولُ المقامُ في شرحها، ولعلَّهُ يأتي في مقدِّمتها: تراجعُ دورُ المُعلِّمِ في ظلِّ التَّطوّرات التَّقنيَّة الحديثة، ووجود بدائلَ (إلكترونيَّة) تحلُّ محلَّه؛ وربَّما تفوق قدراتِهِ، وما أنتجته من قُدراتٍ فكريَّة وعلميَّة لدى المتعلِّمِ الذي صار يرى نفسه أعلى درجةً، وأكثر علمًا من المُعلِّمِ، ومجرَّدُ نظَرَةٍ واحدَةٍ إلى حالِ المتعلِّمين في نهاية الدَّوام الدِّراسي، ومراقبَة شدَّةِ فرحهِم وسُرورهم بنهايَةِ الدَّوامِ الذي هو مأساة بالنَّسبَةِ إِلَيْهِم كفيلةٌ بوصفِ الواقعِ الأليمِ الذي تعانيِهِ هذهِ المؤسَّساتِ.
إضافَةً إلى استمرارِ كثيرٍ من المدارسِ في اتِّباع الطُرُقِ التَّقليديَّة، سواء أكانَ في تصميمها، أم في إدارتها، فنرى (الحُرَّاسَ) على كلِّ بابٍ، يراقِبون حركةَ المتعلِّم ويتابعون خطواتِهِ، ممَّا يدفعُهُ دفعًا إلى التَّفكير المستمرِّ للتخلُّص منهم؛ ومحاولاته المتكرِّرَة لتحدِّيهم، وهنا يتبادَرُ إلى أذهاننا السؤال الأهَمُّ، وهو: لماذا لا تُفعَّلُ المراقَبَةُ الرَّقميَّة التي قد تُغني عن جميع هؤلاء، وتنمِّي لدى المتعلِّمِ المراقبَةَ الذَّاتيَّةَ التي ستصبح من مرورِ الزَّمنِ خُلُقًا وسلوكًا؟!! ألا يلتزِمُ المتعلِّمُ نَفسُهُ بالوقوف على الإشارة الحمراء، على الرَّغم من عدَمِ وجودِ شُرطيٍّ؟ ألا يمتنعُ من العَبَثِ بآلة (الصَّرَّافِ) البنكيَّة على الرَّغمِ من عَدَمِ وجودِ مُراقِبٍ؟!! والأمثِلَةُ على ذلك أكَثَرُ من أنْ تُحصى، والأمْرُ الأشَدُّ غَرابَةً هو صوتُ الجَرَسِ الذي لم يَعُدْ يُسْتَعمَلِ فيما أعلَمُ إلَّا في (السُّجونِ)، حيث يُقرَعُ إيذانًا بساعَةِ (التَّنَفُّسِ)، وما أشْبَهَ حالُ المتعلِّمِين بحالِ هؤلاءِ.
وأرى أنَّ المحاولات المتكرِّرَة من أجلِ تحسينِ صورةِ المؤسَّسَة في ذهن المتعلِّمِ تبوءُ بالفَشَلِ؛ لأنَّها تتجاوزُ المشكلة الحقيقيَّة، وهي الإجابةُ على السّؤال التَّالي: لماذا أصبحتِ المؤسّسَةُ التَّعليميَّة بيئةً طارِدَةً؟ وكيفَ يمكن أن نحوِّلها من (سجْنٍ) يسعى داخِلُهُ إلى الخروجِ منه بشتَّى الوسائل، إلى حدِيقَةٍ غنَّاءَ يسعى إلى الدُّخولِ إليها بشتَّى الوسائل؟! لماذا نُعالِجُ محاولة هروبِ المتعلِّمِ المُتَكَرِّرَةِ من (السِّجْنِ) بزيادَةِ عَدَدِ الحُرَّاسِ عَلَيْهِ؟ يقولُ ألبرت آنشتاين: (لن تحلّ مشكلَةً أبدًا إذا فكَّرَتَ بنفسِ الطَّريقة التي فكَّرِ بها أولئكَ الذين صنعوها)، وأدعو المسؤولين عن هذه المؤسَّساتِ أن يعيدوا النَّظَرَ في أساليبهم، وطرق تعاملهم، وأن تكون نظرتُهُم أوسع، وأكثر شموليَّة؛ لأنَّ الاكتشافَ الحقيقيَّ -كما يقول الروائي الفرنسي مارسيل بروست- (ليسَ بحثًا عن أراضٍ جديدة، وإنَّما هو النَّظَرُ إلى العالمِ بعيونٍ جديدةٍ)، وتقول الكاتِبَةُ الأمريكيَّة لويزا هاي: (أنا لا أحاولُ حلَّ المشكلة، أنا أُصَحِّحُ أفكاري، ثمَّ تنتهي المُشكلة من تلقاء نفسها).
باحثٌ وكاتِبٌ