نقل جثمان زعيمة المعارضة الباكستانية بينظير بوتو الى قرية عائلتها لدفنه يوم الجمعة بعد يوم من اغتيالها الذي هوى بباكستان في غمار اسوأ أزمة لها خلال تاريخها المستمر منذ 60 عاما.
وأثار مقتلها الذي جاء عقب تجمع انتخابي في مدينة روالبندي موجة من العنف لاسيما في اقليم السند مسقط رأسها وأذكى المخاوف من أن يؤدي الى تأجيل الانتخابات المقررة في الثامن من يناير كانون الثاني والتي كانت تهدف الى عودة باكستان الى الديمقراطية تحت قيادة مدنية.
وحث زعماء العالم باكستان على الا تنحرف عن المسار نحو الديمقراطية في حين هزت المخاوف من مزيد من عدم الاستقرار في منطقة تعصف بها تيارات التشدد الاسلامي الاسواق يوم الجمعة ودفعت المستثمرين الى الهروب الى الاوعية الاقل خطرا مثل السندات والذهب.
وتدفق الاف المشيعين على موطن أجداد بوتو يوم الجمعة قبل دفتها في مقبرة العائلة الى جوار والدها. ونقل جثمان بوتو في طائرة عسكرية من طراز سي-130 يرافقه زوجها اصف على زرداري واطفالها الثلاثة الى موطنها اقليم السند بجنوب باكستان بعد ساعات من اغتيالها.
وأخذ الناس يبكون ويصرخون بينما نقل التابوت الذي يحوي جثمان بوتو في سيارة اسعاف الى بيت عائلتها. وحث زرداري المشيعين اثناء نقل التابوت الى المنزل قائلا "تحلوا بالصبر. شجعونا على تحمل هذا المصاب."
وكانت بوتو (54 عاما) تأمل أن يسهم التأييد الشعبي الكبير الذي تتمتع به بين الفقراء الباكستانيين في وصولها الى السلطة للمرة الثالثة رئيسة للوزراء خلال انتخابات كانت تهدف الى تحقيق الاستقرار في بلد يعصف به عنف المتشددين.
ولكن حينما غادرت التجمع الانتخابي الذي تحدثت فيه عن المخاطر التي تعرضت لها حياتها وقفت لتحية انصارها من فتحة سقف مركبتها المضادة للرصاص. وقالت الشرطة وشهود عيان ان المهاجم اطلق عليها أعيرة نارية قبل ان يفجر نفسه.
وأعلنت وفاتها في مستشفى في روالبندي التي يوجد بها مقر الجيش الباكستاني وهي نفس المدينة التي أعدم فيها والدها رئيس الوزارء السابق ذو الفقار علي بوتو شنقا عام 1979 بعد الاطاحة به في انقلاب عسكري.
وقال فرزانا راجا -وهو مسؤول كبير بحزب الشعب الباكستاني- " انه من عمل من يريدون تفكيك باكستان ... لقد قضوا على عائلة بوتو."
وفي انحاء باكستان ذلك البلد الذي اعتاد على العنف السياسي وحكمه الجيش اكثر من نصف سنوات تاريخه اصيب الاعداء والاصدقاء على السواء بالذهول لوفاة امرأة انتقدها كثيرون في وقت من الاوقات بانها زعيمة اقطاعية مدعومة من تأييد شعبي بينما تتمتع بثروات عائلتها.
وقال مولا بكش وهو صحفي مقره في لاركانا "الناس غضبوا غضبا شديدا. وهاجموا البنوك والمكاتب الحكومية. ولم يكن هناك شرطة في اي مكان. ونهب ايضا متجران يبيعان الاسلحة."
وقتل اربعة اشخاص على الاقل في كراتشي خلال ساعات من العنف تفجر باديء الامر في اعقاب مقتلها ويوم الجمعة قتل مسلحون مجهولون شرطيا بالرصاص في المدينة.
وقال نواز شريف رئيس الوزراء الباكستاني الاسبق والمنافس السياسي القديم لبوتو ان حزبه سيقاطع الانتخابات.
وانحى باللائمة في خلق عدم الاستقرار في البلاد على الرئيس برويز مشرف الذي استولى على السلطة في انقلاب عسكري عام 1999 لكنه تنحى في الاونة الاخيرة عن قيادة الجيش. وقال شريف "الانتخابات الحرة غير ممكنة في وجود مشرف. مشرف هو السبب الاساسي لكل المشاكل."
وفرض مشرف حالة الطواريء في نوفمبر تشرين الثاني فيما اعتبره البعض محاولة لمنع القضاة من الاعتراض على اعادة انتخابه رئيسا للبلاد. ورفع حالة الطواريء هذا الشهر.
وفي كراتشي عاصمة اقليم السند والتي تشتهر بالعنف خرج الاف من الناس مساء الجمعة الى الشوارع للتعبير عن غضبهم. وتراجعت حدة العنف عند منتصف الليل بعد اضرام النيران في عشرات المركبات وعدة ابنية. مهما يكن من أمر فان مراسلا لرويترز سافر في انحاء اقليم السند قال انه شهد مئات من المركبات المحترقة وان الناس يخرجون صباح يوم الجمعة ويحرقون المزيد من السيارات ويحاولون سد الطرق.
وقررت السلطات اغلاق البنك المركزي وجميع المدارس لمدة ثلاثة ايام حدادا على مقتل بوتو.
وكانت الولايات المتحدة التي تعتمد على باكستان حليفا في محاربة القاعدة وطالبان في افغانستان المجاورة قد ناصرت بوتو التي تلقت تعليمها في اوكسفورد وهارفارد حيث رأت انها افضل أمل لعودة باكستان الى الديمقراطية.
وقال الرئيس الامريكي جورج بوش في بيان "تدين الولايات المتحدة بقوة هذا العمل الجبان الذي ارتكبه متطرفون قتلة يحاولون تقويض الديمقراطية في باكستان."
واجرى بوش اتصالا هاتفيا بالرئيس الباكستاني وحث الباكستانيين على تكريم ذكراها بمواصلة العملية الديمقراطية.
وادان مجلس الامن الدولي اغتيال بوتو ووصفه بانه "عمل شنيع من اعمال الارهاب" ودعا كل الباكستانيين الى التحلى بضبط النفس والمحافظة على الاستقرار.
وقال محللون ان مقتل بوتو الذي جاء في اعقاب موجة من الهجمات الانتحارية في انحاء البلاد وتفاقم تمرد اسلامي على حدود باكستان مع افغانستان قد يجعل من المستحيل المضي قدما في اجراء الانتخابات.
وقال فرزانا شيخ من شاثام هاوس وهو مركز لابحاث العلاقات الدولية في لندن "اعتقد ان هناك احتمالا كبيرا للغاية ان يقرر مشرف ان الوضع خرج عن السيطرة وانه يحتاج الى فرض حالة الطواريء مرة اخرى."
وقال محللون من الحكومة الاميركية وآخرون مستقلون ان تنظيم القاعدة هو المشتبه به الرئيسي في الاغتيال اذ من المحتمل ان يستفيد من المحافظة على معقله النائي وتقويض سلطة مشرف وزعزعة استقرار البلاد.
وقال مسؤول امريكي "يوجد عدد من الجماعات المتطرفة داخل باكستان التي من المحتمل ان تكون قد نفذت الهجوم... والقاعدة من الجماعات التي تأتي على رأس هذه القائمة."
وقال محلل خاص ان انصار القاعدة في اجهزة الامن الباكستانية ربما يكونون قد لعبوا ايضا دورا لكن من غير المحتمل ان يكون مشرف نفسه متورطا.
وأدان مشرف "باقوى العبارات الممكنة الهجوم الارهابي الذي ادى الى مقتل بوتو المأساوي والكثير من الباكستانيين الابرياء الاخرين."
واضاف "هذه القسوة هي من عمل الارهابيين الذين نقاتلهم." وتابع "اطلب الوحدة والدعم من الامة...ولن يهدأ لنا بال حتى نتخلص من هؤلاء الإرهابيين." وأعلن الحداد ثلاثة ايام لكنه لم يذكر شيئا عن الانتخابات في كلمته القصيرة التي القاها عبر التلفزيون.
وقالت الشرطة ان 16 شخصا قتلوا في الهجوم.
وكان هذا هو الهجوم الثاني الذي استهدف بوتو في اقل من ثلاثة اشهر. ففي تشرين الأول /أكتوبر فجر مهاجم انتحاري نفسه فقتل قرابة 150 شخصا بينما كانت تمر بموكبها في شوارع كراتشي لدى عودتها بعد ثماني سنوات قضتها في منفى اختياري.
وفي كلمتها خلال الاجتماع الحاشد يوم الخميس تحدثت بوتو عن المخاطر التي تواجهها.
وقالت في التجمع في روالبندي "عرضت حياتي للخطر وجئت الى هنا لانني أشعر ان هذا البلد في خطر. الناس قلقون. سنخرج البلاد من هذه الازمة."
أصبحت بوتو أول امرأة تتولى رئاسة الوزراء في باكستان عندما انتخبت عام 1988 بينما كان عمرها 35 عاما. وخلعت في عام 1990 غير أنه أعيد انتخابها عام 1993 قبل الاطاحة بها مرة أخرى في عام 1996 وسط اتهامات بالفساد وسوء الادارة.
وقالت بوتو ان الاتهامات ذات دوافع سياسية.
وقال زوج بينظير بوتو انه يجب على الحكومة ان تستقيل.
وقال لرويترز هاتفيا "نحن نطالب بالاستقالة الفورية للحكومة. والمسؤولون عن هجوم 18 من اكتوبر هم ايضا مسؤولون عن هذا الهجوم."
ولم يسهب فيما يعنيه لكنه اشار الى رسالة بعثت بها بوتو الى مشرف قبل عودتها الى باكستان تقول فيها انها اذا تعرضت لاعتداء فان بعض حلفاء مشرف وجهاز امني سيكونون مسؤولين عنه.