العراقيون في سوريا: شماعة الخطايا

تاريخ النشر: 06 أكتوبر 2006 - 09:59 GMT

دمشق: البوابة

يشكك (أيار) ، العراقي القادم الى سوريا من بغداد، بالأرقام التي تقدمها اللجنة العليا لشؤون اللاجئين التابعة لهيئة الأمم المتحدة، كما بالأرقام التي تقدمها الحكومة السورية، والتي تقدر عدد العراقيين المقيمين في سوريا اليوم بـ (700) ألف لاجئ، ليقول أنه يعتقد أن العدد يفوق مليوني عراقي، وهؤلاء يتوزعون بين مدينتي دمشق وحلب، والكثافة الفعلية في العاصمة دمشق.

أيار وهو من السنة العراقيين، يبدي تذمره من إلصاق المشاكل الاجتماعية المتفاقمة في سوريا بالتواجد العراقي، فهم حسب قوله :" لم يأتوا بالدعارة الى المدينة"،ويتابع :" قبل الحرب على العراق، كانت الدعارة منتشرة في سوريا وغيرها من البلدان العربية، أما بالنسبة الى الحياة الاقتصادية (يتساءل أيار) ما الذي يأخذه العراقيون من السوريين؟".

(أيار يجيب): أتينا بمدخراتنا المالية وصرفناها في دمشق، مؤجرو البيوت ربحوا، وسائقي التاكسي ربحوا وبائعي المواد الغذائية ربحوا، والسوق تحركت، أما بالنسبة لفرص العمل، فما هي فرص العمل التي انتزعناها من السوريين؟ لا شئ وإذا كان، فليس العراقيون هم من تسببوا بانتشار البطالة في سوريا".

أيار الذي يرفض أن يكون دليلنا الى العائلة العراقية في سوريا، كما يرفض أن يتحول الوجود العراقي في سوريا الى قضية كبرى يقول:" نحن جئنا هاربين من الحرب،والذي تعرفونه أنتم عن الحرب في العراق، والذي تأخذونه من وكالات الأنباء هو لا شيء... لا شيء فعلا إن مأساة العراقيين أكبر بكثير مما تنقله وكالات الأنباء" ، " وكالات الأنباء مسيطر عليها من القوات الأميركية".

يسرد أيار الحكاية التالية:" في ديالا المنطقة السنية العراقية خطف طفل اسمه عمر، وأعيد الى أهله ملفوفا بالسيلوفان وتحته طبقة من الأرز، وضع أمام بيت أهله مشويا، لأن اسمه عمر"، ويضيف أيضا:" أنا هربت بابني لأن اسمه عمر، فالإيرانيون يدفعون باتجاه حرب إبادة على السنة بالتوافق والتواطؤ مع قوات الاحتلال.. هل تسمعون بمثل هذه الحوادث؟".

أيار يدلنا على عناوين، على أحياء باتت برمتها من العراقيين، بعض هذه الأحياء في ضاحية جرمانا جنوب دمشق، ويشير الى أن هذه الأحياء قد تعرضت الى مشاكل أمنية قبل أشهر، في هذه الأحياء السوريون هم مالكو البيوت، وهم أصحاب المكاتب العقارية، كما أنهم مالكو المتاجر،باستثناء دكاكين صغيرة مملوكة لعراقيين، من بين السوريين، (أبو فاضل)، وهو يعتقد كما غيره من السوريين، أن التواجد العراقي لم يشكل مشكلة ولكنه حرك السوق، وسبب أرباحا للمنطقة التي يعيش فيها العراقي، عكس ما يعتقده سوري آخر يعتقد بأن التواجد العراقي في هذه المنطقة (جرمانا) قد فكك البنية الديمغرافية للمنطقة المؤلفة من مسيحيين ودروز ، ليطغي السنة على المنطقة، بفعل التواجد السني العراقي فيها، ويحيل العديد من المشاكل الى هذا التواجد، ويطالب باستعادة منطقته الى طائفته، ويرى بأن تقاليد طائفته قد تفككت، ليضيف بالحرف:" ثمة مؤامرة وراء إسكان العراقيين بهذه الكثافة في هذه المنطقة".

شباب من منطقة جرمانا يجمعهم نادي انترنيت (ميشيل)، وهو النادي الأكثر كثافة بالعراقيين، يرون الأمور على نحو آخر، (وسام) هو واحد منهم، وسام يقول كان يجب أن يتفكك البعد الطائفي في ديمغرافيا هذه المنطقة" ، ويستشهد وسام بالولايات المتحدة الأميركية نموذجه المفضل:" في أمريكا الصيني والهندي والزنجي والعربي والأبيض والأسود، مع ذلك هنالك المواطن الأميركي.. الأصل أن تكون مواطنا.. حين تكون مواطنا لا تلزمك الطائفة".

وسام، الساعي الى تأشيرة خروج الى الولايات المتحدة ، لأنها بلد الفرص كما يقول، يصادق بنت عراقية تحمل جنسية هولندية، وهو يراها الحل الحقيقي والعظيم لكافة مشاكله، فإذا ماأقام عبر زواجه منها في هولندا، فان ذلك سيجعل الولايات المتحدة أقرب إليه مما لو بقي مواطنا سوريا، وفي هذا المناخ، سيرتفع مستوى الحوار ليلتقط الشباب المحيطين به مصطلح المواطنة، وأكثرهم ثقافة هو من يسمونه (الفصيح)، الفصيح إياه، يقول شرط المواطنية هو الديمقراطية، يعني العقد مابين الدولة والمجتمع ، فهل نحن مواطنون؟" ، الفصيح يطالب بالديمقراطية،ومطالباته بحضور (أيار)،العراقي الذي يصمت، وحين نخرج من نادي الانترنيت، يستجمع (أيار) قواه ليعود الى العراق، ويقول متسائلا:" هل سيحمل لكم رامسفيلد الديمقراطية؟ العراقيون يترحمون اليوم على أيام صدام حسين".

في مقهى الروضة ، أشهر مقاهي دمشق، يجلس الكاتب العراقي المعروف فاضل الربيعي، نسأله عن البنت العراقية التي تحمل الجنسية الهولندية.. فاضل الربيعي يجيب متذمرا وباختصار شديد :" إنها عجمية"، وبهذا الوصف فانه يطلق تعبيرا عن شتيمة مضمرة، وبعد إعادة السؤال، وشئ من الثقة، يحكي فاضل الربيعي شيئا عن البنت:" هذه ليست طبيبة كما تدعي، إنها تعمل في مركز التوثيق الإسرائيلي في أمستردام".

المعلومة إياها ستشكل صدمة للسوري الذي يتخوف من أية علاقة بأية إشارة الى اسرائيل ..شركة ، فردا، جيشا، عقيدة، فحتى اللحظة الراهنة،والتي تطبعت كلمة (إسرائيلي)في الكثير من البلدان العربية، ما زالت بالنسبة للسوري تثير محذورا وحساسية مفرطة، فكيف الحال إن حملتها بنت وصلت دمشق بجنسية هولندية ولقب طبيبة، من ثم تبين أنها تعمل في مركز كهذا؟

الطبيعي أن ينسى وسام الطريق الى الولايات المتحدة، وأن تحبطه معلومة ربما افتقدت الى الدقة، فالعراقيون في دمشق، وحصرا المثقفون العراقيون، يعيشون الكثير من التناقضات،والتشكيك والتشكيك المتبادل، ويحملون التعقيدات العراقية الى منافيهم، وهؤلاء في معظمهم يعيشون في المناطق الأقل ازدحاما بالعراقيين .. يعيشون خارج السيدة زينب وجرمانا، وغالبا ما يستقرون في ضاحية قدسيا، أو في مساكن برزة أو في منطقة ركن الدين، وفي كل الحالات فالعاملون في الإنتاج الثقافي من العراقيين، ليسوا في مناطق استيطان العراقيين الذين قدموا بعد الحرب،والذين ينتمون في معظمهم الى البيئات العراقية الأكثر تضررا من الحرب، وتحديدا من مثلث (ديالا – الرمادي – صلاح الدين) بالإضافة الى بغداد، وهي المناطق المستهدفة من الإرهاب، والتفجيرات والقلق الأمني، وهو مايسرده (أيار) باستحضار الكثير من حكاياه، مستبعدا (تنظيم القاعدة) عنه، ومعتبرا أن الإرهاب بفعل إيراني أو موال لإيران، ما سيرفضه مثقفون عراقيون، كما يرفضون الإرهاب الأصولي الآخر، فهذا (باسم قهار) المخرج المسرحي، الذي قدم للمسرح السوري، انجازات يمكن الالتفات إليها باحترام، خاض معركة دامية مع واحد من النقاد السوريين حين وصفه بـ ( الزرقاوي).

عراقيون وسوريون، وسؤال يتردد:" هل سيغير التواجد العراقي من البنية الديمغرافية في سوريا؟".

الكاتب كريم حسون، يعتبر أن السؤل في غير مكانه، فسوريا ليست لبنان القائمة على توازنات الطوائف، ليؤثر هذا التواجد سلبا أو إيجابا على سوريا.. كاتب آخر، يطلب وبالكثير من التشديد أن لا يذكر اسمه يقول:" لا .. كل الأسئلة يجب أن تطرح فالشرق الوسط الجديد هو شرق أوسط كانتونات وطوائف، وما لحق العراق ولبنان، سيلحق سوريا وسيصل الى المملكة السعودية، وستكون الأردن جزءا من مفاعيله، فلماذا لا نطرح السؤال؟".