يعتبر الأسبان الذين شهدت بلادهم حربا أهلية طويلة أن التلاسن الإعلامي وكيل الاتهامات بين الأطراف المختلفة كان بداية حربهم الأهلية, وهما كما يعتقدون بداية أية حرب أهلية أو مواجهة عسكرية بين أبناء الشعب الواحد, حتى وان جرى هذا التلاسن في إطار دولة ديموقراطية, فالديموقراطية برحابتها ومساحاتها الواسعة التي تعطي للفرد أو الجماعة حرية الرأي والتعبير قد لا تكون ضمانة كافية عندما يرتكز هذا الرأي على كيل الاتهامات للآخر وتحميله مسئولية الإخفاقات, نائيا عن نفسه تحمل أدنى مسئولية, على اعتبار أنه قد يكون صاحب حق, أو بلا خطيئة, أو منزه عن الخطأ, ولا يقول أو يعمل إلا الصواب.
ما يحدث في الأراضي الفلسطينية الآن تجاوز بين حركتي حماس وفتح حالة التلاسن الإعلامي وكيل الاتهامات ليصبح حالة من الاحتقان والتعبئة كل ضد الآخر, فحماس لا ترى في فتح إلا تنظيما أخرجته حماس من السلطة بالانتخابات فبات معارضة تريد الانقلاب على حكومة حماس, وفتح لا ترى في حماس إلا حكومة جلبت الخراب لشعبها نتيجة لتعنت مواقفها السياسية.
حماس نسيت أن فتح لها باع طويل في النضال والحكم والسياسة, وهي التي وقعت اتفاق أوسلوا الذي أقام هذه السلطة وجلب معها ديموقراطية أفرزت حماس بموجبها لتصبح صاحب الحق والأغلبية البرلمانية لتشكيل حكومة تقود الشعب الفلسطيني لمدة أربعة سنوات, فترة ولاية المجلس التشريعي.
فتح في ذات الوقت نسيت أيضا أن حماس حوصرت ظلما من قبل المجتمع الدولي, ليس لشيء سوى أنها وصلت إلى الحكم ديموقراطيا وحصلت على أغلبية جلبت لها المتاعب, ومن ثم جلبت هذه المتاعب الخراب للشعب الفلسطيني, الذي بات همه الأول البحث عن لقمة العيش بعد أن كانت قضايا وطنية مثل الجدار والقدس وإقامة الدولة ووقف اعتداءات الاحتلال والتصدي لها هاجس حياته اليومية.
ما يحدث في الأراضي الفلسطينية من حالة احتقان وتلاسن واتهمات تطالعنا بها وسائل الإعلام كل يوم أكثر من مرة بين حماس وفتح, أصبح نذير شؤم للشارع الفلسطيني الذي بات يتوقع صداما مسلحا قريبا بين الطرفين.
والواضح أيضا أن قضية تشكيل حكومة الوحدة الوطنية باتت ضربا من الخيال ودربا صعب الوصول إليه, لان الطرفان يتحاوران حوار الطرشان, إذ أن كل منهما يدور في دائرته المغلقة منطلقا من برنامجه السياسي, ولا يفكر في مجرد الانتقال ولو لمربع واحد داخل دائرة الآخر, لعل هذا الانتقال يقود الجميع إلى بداية طيبة لوضع فلسطيني يعيد الحياة البسيطة إلى الشعب الفلسطيني الذي باتت وجوه أبنائه متجهمة حتى في شهر الخير و الرحمة والمغفرة والعتق من النار.
قد يختلف بعض من الناس على قضية الحرب الأهلية الفلسطينية, إذ أن مقومات هذه الحرب " من الناحية النظرية " ليست موجودة على أرض الواقع, لكن الذي يجب على الجميع أن يتذكره أن المواجهة المسلحة بين الطرفين حصلت مرات ومرات وراح ضحيتها كثيرون, إضافة إلى أن المواجهة الجماهيرية حصلت أيضا بين جماهير الطرفين في فترة سابقة أعوام 92 / 93 / وكانت مواجهات دامية و استمرت لعدة أشهر. وباتت الأجواء المشحونة في هذه الأوقات تنذر بان الشعب الفلسطيني مقبل على مواجهة مسلحة قد تطول طويلا, وقد تكون هي الأعنف إذا ما حصلت " لا سمح الله ".
فهل تدرك فصائل الشعب الفلسطيني وقواه ما أدركه الأسبان, فيقلعون عن كيل الاتهامات كل إلى الآخر, ويسعون جادين إلى محاولة الاقتراب من بعضهما البعض, أم أن دوائر العمل السياسي قد أغلقت, ولم يعد هناك مجال من الاقتراب, الأمر الذي لن يحل إلا بالمواجهة المسلحة؟. هذا ما قد تجيب عليه الأيام المقبلة.