البرابرة مروا من هنا

تاريخ النشر: 20 يناير 2009 - 06:19 GMT

دمار كلي كما لو أن زلزالا قويا قد ضرب المنطقة. لكن هذه لم تكن كارثة طبيعية.

ويقول سكان محليون انه كانت توجد هنا بساتين ليمون وزيتون ومنازل واسعة ذات أفنية وساحات يربى فيها الدجاج. والان فلا يوجد سوى مبان مدمرة نصف مدفونة في بحر من ارض مجرفة في مشهد دمار غريب.

انه الدمار الذي خلفه هجوم اسرائيلي استمر 22 يوما قالت اسرائيل انه يهدف لمنع نشطاء حركة المقاومة الاسلامية (حماس) من اطلاق صواريخ على بلدات ومدن اسرائيلية.

وعاين الفلسطينيون يوم الاثنين الدمار الذي لحق بحي شرق جباليا الذي ابتلي بكونه يشغل قمة مرتفع يطل على مدينة غزة.

وأرادت القوات الاسرائيلية السيطرة عليه فقصفته بالقنابل والدبابات ثم جرفت الاشجار والحدائق من أجل اعداد موقع صالح لاطلاق النار بدون عوائق يطل على الشوارع بالاسفل.

وتبدو بعض المناطق في قطاع غزة طبيعية على نحو غريب بعد قصف متواصل من البر والبحر والجو على مدى 22 يوما. فهناك شوارع لم تتأثر الى حد بعيد بأكثر من تحطم نوافذ وتعفن قمامة.

ولكن مع التحرك الى داخل الحي فيبدو الامر كما لو أن المرء قد دخل ستالينجراد ليرى أحد المشاهد المظلمة لمعركة الابادة في الحرب العالمية الثانية.

ويقول سكان بالمنطقة انها شهدت معارك عنيفة. لكن أغلب المدنيين كانوا قد فروا بالفعل ولجأوا الى مدارس تديرها الامم المتحدة بالمدينة.

والان وبعد أن باتوا بلا مأوى فانهم يقيمون وسط الكتل الخرسانية المدمرة لما كان في السابق منازلهم ويصنعون النذر اليسير من الطعام على مواقد في غرف معيشة يغطيها السواد وبلا جدران خارجية.

ويبحث الرجال بشكل محفوف بالمخاطر تحت قطع الخرسانة المحطمة عن أغطية أو اطارات أبواب أو قطع خشبية أو صور أو كتب أو أي شيء عزيز عليهم أو لا يزال صالحا للاستخدام يمكنهم انتشاله من تحت الانقاض.

وتقول امنة أبو عيد التي دمر منزلها الذي كان مكونا من ثلاثة طوابق وبات اشبه بكعكة من الاسمنت سحقت بمطرقة ثقيلة "لا توجد حديقة.. لا اشجار .. لا حجارة .. ولا منزل."

وكانت ابنتها فاطمة (29 عاما) تحدق في قط كانت ترعاه الاسرة وهو يتنقل فوق الحوائط المدمرة وهو يشم منزله السابق الذي تغير شكله.

وعلى مقربة كانت هناك شاة نافقة. لكن أحد الجيران وجد الجدي يثغو طلبا للطعام. وجمع محمد عابد (47 عاما) سبع دجاجات بيضاء في الهيكل الخرساني لمنزله في حين كانت عبوات قذائف اسرائيلية منفجرة من عيار 155 ملليمترا ملقاة بالخارج.

ويقول عابد "كان هذا ما جلب الفوسفور. كان شكله جميلا الى حد بعيد .. مثل الالعاب النارية. حاول الاطفال اطفاء النار .. لكن تلك المادة تشتعل حتى في الماء."

واتهمت اسرائيل باستخدام الفوسفور الابيض خلال هجومها وهو سلاح غير محظور لكن جماعة مدافعة عن حقوق الإنسان تقول انه استخدم بشكل عشوائي واتهمت اسرائيل بارتكاب جرائم حرب. لكن اسرائيل تقول ان جميع اسلحتها استخدمت بشكل قانوني.

ويستخدم عابد عبوة فارغة لقذيفة يغطيها السواد كثلاجة لحفظ الطعام. ويجري طهي احدى الدجاجات لصنع حساء.

وتقول فاطمة "سأقيم خيمة صغيرة وأعيش هنا مجددا. لكن من سيساعدني في اعادة بناء منزلنا..."

وتنبعث من تحت الانقاض رائحة نتنة هي على ما يبدو لبعض الجثث التي لم يتم انتشالها.

وتتنقل الاسر الفلسطينية العائدة بحذر شديد عبر الحي القديم الذي اختلطت معالمه.

ويقول أحد الرجال "لم نكن متأكدين في البداية من مكان المنزل .. لان الشوارع اختفت."

ولا يوجد الان سوى أرض مجرفة وعليها اثار جنازير الدبابات والجرافات وأشجار فاكهة سويت بالارض سلخت قشور فروعها.

وينسل كلب بمنطقة قريبة في خوف وارتباك.

ولا يتوقف صوت طنين طائرات الاستطلاع الاسرائيلية التي تحلق فوق المنطقة. ويقول صبي وهو يحدق في السماء بنظرات حادة "هذه الاشياء دمرت غزة".

ومع حلول الليل تتوهج نيران المواقد وسط الحطام.

وفي كهف مظلم مشكل من قطع خرسانية محطمة بمكان كان مطبخا بأحد المنازل هناك شيء حي تحت مقعد من البلاستيك. انه أرنب أبيض يرتعد بينما يغطي السخام أنفه. ينتفض باضطراب لكنه لا يهرب.