دعت الدنمارك والنروج رعاياهما لمغادرة سوريا بعدما احرق متظاهرون سفارتيهما في دمشق في غمرة الغضب المتصاعد في العالم الاسلامي من نشر الرسوم المسيئة للنبي، فيما ندد الفاتيكان بالرسوم معتبرا ان حرية التعبير لا تعني الاساءة للاديان.
وطالبت الحكومتان الدنماركية والنروجية في بيانين رعاياهما في سوريا الى المغادرة فورا، معتبرة ان هناك مخاطر تحدق بهم في هذا البلد بعد احراق متظاهرين سفارتيهما للتعبير عن غضبهم من نشر الرسوم المسيئة للنبي.
ونشرت الرسوم للمرة الاولى في ايلول/سبتمبر 2005 في صحيفة "يلاندس بوستن" الدنماركية ثم اعادت صحيفة "مغازينت" النروجية نشرها، وتلتها عدة صحف اوروبية اخيرا.
وجاء في بيان اصدرته وزارة الخارجية الدنماركية "يطلب من جميع الدنماركيين مغادرة البلاد ان وضع الدنماركيين في سوريا ازداد خطورة اخيرا". وقال اويستاين بو المسؤول في وزارة الخارجية النروجية "استطيع التاكيد اننا ندعو النروجيين الى مغادرة" سوريا.
وقالت تقارير ان الاف المتظاهرين هاجموا مبنى السفارة الدنماركية في دمشق واضرموا فيه النيران، ثم توجهوا بعد ذلك الى مبنى السفارة النروجية واحرقوه.
وقام المتظاهرون برشق عناصر مكافحة الشغب بالحجارة لمنعهم من حماية المبنيين اللذين يضمان السيارتين كما حاولوا ابعاد سيارات الاطفاء لمنعها من اطفاء النيران.
وكان خطباء المساجد في دمشق نددوا بقوة الجمعة بنشر الرسوم الكاريكاتورية عن النبي محمد في العديد من الصحف الاوروبية.
كما يتم منذ الجمعة تناقل رسالة قصيرة عبر الهواتف النقالة في العاصمة السورية تتهم متظاهرين دنماركيين بالرغبة في احراق نسخ من المصحف الكريم في كبرى ساحات كوبنهاغن وتدعو الى التظاهر السبت امام السفارة الدنماركية في دمشق تعبيرا عن احتجاجهم على الامر.
وكانت "الجبهة الدنماركية" (يمين متطرف) دعت الى التظاهر السبت في كوبنهاغن احتجاجا على "تساهل النخبة في الدنمارك في مواجهة الاعتداءات الاخيرة للمسلمين على بلدنا وعلمنا" حسب ما جاء على موقع تابع لها على الانترنت.
تظاهرات الغضب مستمرةوفي هذه الاثناء، فقد تواصلت التظاهرات الغاضبة في اوساط المسلمين في العالم من نشر الرسوم. ففي مدينة الناصرة العربية في اسرائيل، حشدت الحركة الاسلامية اكثر من عشرة الاف شخص للتعبير عن الاحتجاج على الرسوم. ولوحظ غياب كامل لعناصر الشرطة الاسرائيلية في مكان التظاهرة التي تفرقت من دون وقوع اي حادث يذكر.
وفي القدس الشرقية وضع عشرات التجار الفلسطينيين في شارع صلاح الدين اعلاما دنماركية عند مدخل محلاتهم لتستخدم كممسحات اقدام. كما وضعت العديد من الاعلام الدنماركية على رصيف شارع صلاح الدين وهو الشارع الرئيسي في القدس الشرقية لكي يدوسها المارة.
وفي غزة حاول شبان فلسطينيون السبت اقتحام مكتب الاتحاد الاوروبي في المدينة. وألقى محتجون الحجارة على مكتب الاتحاد الاوروبي واحرقوا اطارات السيارات خارج المبنى وحاولوا دخول المجمع الذي يضمه. واشتبكوا لاحقا مع قوات الامن التي تدخلت واعتقلت شابين.
وأنزل الشبان علم الاتحاد الاوروبي من على المبنى ورفعوا بدلا منه العلم الفلسطيني. ورددوا هتافات ضد الدنمرك وقالوا "بالروح والدم نفديك يا رسول".
وهاجم الشبان ايضا مكتب تمثيل المانيا القريب وحطموا النوافذ بالمطارق والحقوا اضرارا بساحة المبنى. وعثر على الارض على علم المانيا محروقا. ولا يعتقد ان ايا من العاملين كان موجودا في اي من المبنيين
وفي انقرة نظم محتجون مظاهرة خارج السفارة الدنماركية ووضعوا باقة سوداء من الزهور وتعهدوا بمقاطعة المنتجات الدنمركية.
وفي العاصمة البريطانية احتج نحو 400 شخص امام سفارة الدنمارك في لندن السبت ودعوا كل الدول الاوروبية الى "ممارسة الضغط" على وسائل اعلامها.
وكان ملايين المسلمين في الدول العربية والإسلامية والعديد من الدول الأوروبية قد أحالوا يوم الجمعة الى يوم "غضب لله والرسول".وطالب المتظاهرون حكومات بلادهم بقطع العلاقات الدبلوماسية مع الدانمارك والدول الأوروبية المعنية، ودعوا لمواصلة المقاطعة الاقتصادية للمنتجات الدانماركية.
ايران تفسخ العقود
وبرر احمدي نجاد قراره منددا "بالاهانة التي وجهتها بعض وسائل الاعلام الغربية للنبي والتي تظهر الحقد ازاء الاسلام والمسلمين الذي يكنه الصهاينة الذين يحكمون هذه الدول وعدم وجود تحرك جدي من قبل مسؤولي هذه الدول".
وفي أول رد له على الرسوم التي أثارت جدلا واسعا في العالم أعلن الفاتيكان السبت أن الحق في حرية التعبير لا يشمل الحق في إهانة المعتقدات الدينية.
وقال الفاتيكان ان "حرية الفكر والتعبير المنصوص عليها في اعلان حقوق الانسان لا يمكن ان تتضمن الحق في الاساءة للمشاعر الدينية للمؤمنين. وهذا المبدأ ينطبق بشكل واضح على اي دين."
وذكر في بيان اصدره ردا على مطالبة وسائل الاعلام بمعرفة رأي الكنيسة ان "اي شكل من النقد المبالغ فيه او السخرية من اخرين ينم عن الافتقار للحساسية الانسانية ويمكن في بعض الحالات ان يشكل استفزازا غير مقبول."
وقال الفاتيكان انه يأسف لردود الفعل العنيفة على الرسوم. وقال "عدم التسامح الحقيقي او اللفظي من اي مكان وسواء كان فعلا او رد فعل يمثل على الدوام تهديدا خطيرا للسلام."
وقال الفاتيكان انه لا يجب تحميل مؤسسات الدولة المسؤولية عما تفعله الصحف لكنه قال ان الحكومات "تستطيع ويجب ان تتدخل وفقا لما تمثله تشريعاتها القومية."
من جانبها واصلت العديد من الدول الأوروبية الاصرار على رفض الاعتذار رغم إقرار العديد من حكومات هذه الدول بحجم الإساءة التي لحقت بالمسلمين جراء نشر الرسوم.
وذهبت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إلى حد الطلب من أوروبا عدم ترك الدانمارك تشعر بالعزلة في مواجهة المقاطعة ومشاعر الغضب التي تواجهها من قبل المسلمين.
كما عبرت عن رفضها لما أسمته الأعمال العنيفة للمسلمين الغاضبين من نشر الرسوم المسيئة.
ودعا زعماء أوروبيون الى ضبط النفس وعبروا عن القلق بخصوص عاصفة الانتقادات التي ثارت خلال الايام الماضية.
وفي مقابلة مع صحيفة لا ريبوبليكا اليومية الايطالية قال فرانكو فراتيني مفوض العدل بالاتحاد الاوروبي ان الاتحاد لا يمكنه أن يعتذر عن الاساءة التي نتجت عن نشر الرسوم.
وجاء رد فعل الولايات المتحدة على النقيض من رد فعل الحكومات الاوروبية. وقال كيرتس كوبر المتحدث باسم وزارة الخارجية الاميركية "هذه الرسوم تسيء حقا لمعتقدات المسلمين."
واضاف "كلنا نقر ونحترم تماما حرية الصحافة والتعبير ولكنها يجب ان تقترن بالمسؤولية الصحفية. اثارة الكراهية الدينية او العرقية بهذه الطريقة امر غير مقبول."
وحاولت الولايات التي واجهت انتقادات قبل هجمات 11 ايلول/سبتمبر اتهمتها بعدم مراعاة الثقافة الاسلامية أن تكون أكثر توافقا مع المشاعر الاسلامية. واثارت اتهامات العام الماضي بان مسؤولين أميركيين دنسوا المصحف أعمال شغب دموية في اسيا.
دعوات لضبط النفس
وفي بعض الدول الاسلامية، تعالت الدعوات الحكومية الى ضبط النفس.
ودعا الرئيس الاندونيسي سوسيلو بامبانغ يودويونو ورئيس الوزراء الماليزي عبد الله أحمد بدوي المسلمين في بلديهما الى التحلي بضبط النفس.
وقال يودويونو الذي يرأس أكبر بلد اسلامي من حيث عدد السكان في مؤتمر صحفي "تدين حكومة اندونيسيا نشر رسوم كاريكاتورية للرسول محمد. ان اهانة الرموز الدينية اذت مشاعر المسلم."
ووصف رئيس الوزراء الماليزي في بيان نشر الرسوم بانه "تجاهل صارخ لمشاعر المسلمين."
وجدد عبد الله غول وزير الخارجية تركيا وهي دولة اسلامية ولكن علمانية ومرشحة لعضوية الاتحاد الاوروبي دعوة بلاده الى الهدوء والاحترام المتبادل بين المسلمين وغير المسلمين.
وقال في تعليقات نقلها التلفزيون "بالطبع ينبغي أن تكون هناك حرية للصحافة في كل مكان. غير أنه بلا شك.. يجب ألا نتخلى عن احترامنا لقيمنا من أجل الحرية."