أكتوبر: إسرائيل ترفع قيادة فلسطينية وتهوي بالأخرى

تاريخ النشر: 06 أكتوبر 2009 - 08:35 GMT
أيمن عبوشي

تفرض المسلمة في مسألة سحب تقرير غولدستون من التصويت في مجلس حقوق الإنسان الدولي، حقيقة أن قرارا من هذا الشأن يجعل من السلطة الوطنية الفلسطينية، فاقدة للأهلية، وغير قادرة على التفاوض باسم الشعب الفلسطيني، بعد أن اقترفت خطأ فادحا، وأجهضت قضية مصيرية دفع فيها الفلسطينيون ثمنا باهظا.

ومهما كانت المبررات التي طرحت أمام الإعلام، فإن تشكيل لجنة للتحقيق في هذه القضية من قبل الرئيس محمود عباس، يعكس إدانة واضحة للطرف الفلسطيني، وترسيخا للتهم التي وجهت له. وإن كان السيناريو الأول يقول بأن إبراهيم خريشة، المندوب الفلسطيني لدى مجلس حقوق الإنسان في جنيف، قد تصرف مرتجلا في إطار صفقة فلسطينية ـ أمريكية، أو قدم صورة مغلوطة للقيادة الفلسطينية أفضت إلى حجب التقرير عن عملية التصويت، فإن القيادة الفلسطينية مطالبة بمعالجة هذه المعضلة من جذورها، وتقديم الحقيقة كاملة أمام الشعب الفلسطيني الذي سيوكلها في مفاوضات مصيرية على الأرض والدولة والعودة والمقدسات.

أما السيناريو الآخر، فيقول إن ضغوطا إما أمريكية أو إسرائيلية، قد مورست على السلطة التي خضعت لها، وقررت الهروب من وطأتها إلى مارس 2010، موعد الدورة الثانية لمجلس حقوق الإنسان الدولي، أو التضحية بالتقرير نهائيا مقابل مكتسبات مجهولة في العملية السلمية المفترضة التي يحضر لها الرئيس الأمريكي باراك أوباما.

وبالتأكيد لا يمكن التسليم بأن القيادة الفلسطينية قد عمدت إلى سحب القرار منحازة لنفسها ضد حركة حماس، فيما تمثل فرضيتا، (إغراء) السلطة، أو (ترهيبها)، هما الأقرب للتصديق في شبهة سحب التقرير من الواجهة.

بيد أن المفارقة تكمن في التوقيت. والسؤال الذي يفرض نفسه، هو هل جاءت صفقة الأسرى مع حركة حماس قبل أسبوع فقط من فضيحة السلطة عبثا؟ وهل كانت إسرائيل غير مدركة بأن إنجاحها للصفقة التمهيدية، والتلميح بإمكانية إنجاح الصفقة الأكبر في غضون أسابيع قد يشكل انتصارا لحماس، وأن جز السلطة في مؤامرة ضد الشعب الفلسطيني قد يودي بشعبيتها إلى الحضيض..؟

لا نستطيع أن نفصل بين نجاح باهر يعد انتصارا، وإخفاق سياسي مريع، يعد أقرب إلى الخيانة العظمى، ولا نستطيع كذلك أن نتغاضى عن أن صنّاع القرار الإسرائيلي المتوارين وراء الكواليس، لم يعرفوا بالجدول الزمني للأحداث، الذي يمثل خريطة مستقبلية تستخدمها الدولة العبرية كأداة ناجعة لتحريك رقع الشطرنج، وأن نهاية بداية أكتوبر الحالي ستشهد هدية لحماس، ونكسة لفتح.

ما من شك أن صفقة جلعاد شاليط هي إنجاز حمساوي باقتدار، وأن سحب تقرير غولدستون هو انعكاس لانهيار منظومة السلطة في رام الله، إلا أن الواضح أن إسرائيل انتظرت تقاربا زمنيا لترفع طرفا فلسطينيا، وتهوي بالآخر، وهو ما سيرسخ للانقسام الفلسطيني، ليس على الصعيد الثنائي بين فتح وحماس، بل وعلى صعيد ذهنية الشارع الذي بات يرى البون شاسعا بين الاثنين، مع الاعتقاد بانتهاء صلاحية قيادة، وولادة أخرى، فضلا عن تعرية السلطة، وتجريدها من ثقة الشارع إلى فترة طويلة من جهة، وتقديمها في صورة المتواطئ، وإعطاء فرصة التفوق بالنقاط لحماس، من جهة ثانية، وربما التحضير لتقديمها بديلا للقيادة السياسية الفلسطينية.

وبالنتيجة، نجد أن إسرائيل لا تبالي كثيرا بماهية نظيرها الفلسطيني، طالما خط تحركاته معلوم سلفا لصانع القرار الإسرائيلي الذي يسبق الفلسطينيين دائما بخطوات إلى الأمام، وطالما أن مساحة اللعبة السياسية لا تمنح الفلسطينيين أية مناورة أو مبادرة، يقايضون بها مكتسبات ميدانية على أرض الواقع، وتجعل من صفقاتهم معلقة بقبول أو رفض إسرائيل لا أكثر.