أقليات سورية في الخارج تبتعد عن مخيمات اللاجئين خوفا من الانتقام

تاريخ النشر: 23 أكتوبر 2013 - 04:41 GMT
لاجئة سورية تحمل طفلها في وسط انقرة
لاجئة سورية تحمل طفلها في وسط انقرة

في حديقة صغيرة على مشارف ساحة ايمينونو في اسطنبول تجلس نساء يتسولن ويظهرن جوازات سفرهن السورية بينما كتبن عبارة "بالله عليكم ساعدونا" على ورق أمامهن.

وفي هذه المدينة الصاخبة التي يصطف الصيادون فيها على شاطئ القرن الذهبي ويختلط السائحون بالتجار في أزقة سوق التوابل تبدو الحرب على الجانب الاخر من حدود تركيا الجنوبية بعيدة للغاية.

لكن الصراع في سوريا يأخذ بعدا طائفيا على نحو متزايد لان عددا متناميا من اللاجئين الفارين إلى تركيا يتجنبون مخيمات اللاجئين على الحدود الجنوبية ويتوجهون بدلا من ذلك إلى المدن الكبيرة ليبتعدوا عن الحرب قدر الإمكان.

وقال طارق (27 عاما) وهو يهدهد ابنه الصغير وزوجته إلى جواره "لا يمكننا أن نشعر بالراحة في المخيمات. نعم يعطونا الطعام بانتظام وقد تكون الظروف أفضل لكننا نسمع أنهم يرسلون كل الرجال للقتال أثناء الليل."

وأضاف طارق الذي جلس في نزل يتجمع فيه أبناء الطائفة العلوية أكبر أقلية دينية في تركيا في حي جازي باسطنبول "لا نريد أن نحارب. فررت من القتال فلم أعود إليه مجددا؟"

وينتمي طارق ونحو 40 لاجئا سوريا آخر يأويهم إلى الطائفة العلوية والتي ينتمي إليها أيضا الرئيس السوري بشار الأسد.

لكن طارق وأمثاله غير مستعدين للكشف عن هوية مثل هذه.

ويخشى العلويون الذين كثيرا ما يعتقد خطأ أو صوابا أنهم موالون للأسد الانتقام منهم في مخيمات اللاجئين في تركيا التي تعج بأنصار المعارضة من السنة ومن بينهم مقاتلو المعارضة وعائلاتهم.

وقال ميران (29 عاما) وهو يدخن سيجارة في خيمة في باحة يتجمع فيها العلويون "أفضل أن أذهب وأموت في الحرب في سوريا على أن أبقى في مخيم.. لا يحبون العلويين في المخيمات ويعلمون أننا علويون. لسنا من المعارضة ولا من أنصار الأسد. نحن مواطنون فحسب."

وقتل أكثر من مئة ألف شخص في الحرب الأهلية في سوريا وفر الملايين من منازلهم وقسم الصراع الشرق الأوسط إلى فريق يضم الدول الخليجية السنية وتركيا التي تقدم الدعم الأكبر لمقاتلي المعارضة وفريق يدعم الأسد ويضم إيران وحزب الله.

وأبقت تركيا حدودها مفتوحة أمام اللاجئين منذ اندلاع الصراع في سوريا قبل 31 شهرا وتنفي وجود أي أجندة طائفية مؤكدة على أن مخيماتها مفتوحة للجميع. لكن دعم أنقرة الشديد للمعارضة وضع بعض اللاجئين في موقف لا يحسدون عليه.

وقال لاجئ سوري في امينونو طالبا عدم ذكر اسمه "تقول تركيا إنها لا تفرق بين العلويين والسنة لكن الناس يفرقون ويمكن أن نشعر بهذا حتى هنا."

وأضاف "نريد فقط الذهاب إلى العمل وكسب العيش لكنهم لا يوفرون عملا لنا."

توترات طائفية

يعيش أكثر من ربع اللاجئين السوريين البالغ عددهم مليوني شخص في تركيا بينهم 200 ألف في المخيمات الرسمية التي تنتشر على طول الحدود الممتدة لمسافة 900 كيلومتر بين سوريا وتركيا.

لكن مثلي هذا العدد يعيشون خارج المخيمات ومن بينهم كل اللاجئين الذين وصلوا خلال الشهور القليلة الماضية تقريبا. وعلى الرغم من أن كثيرا من اللاجئين السوريين يملكون المال الكافي أو الروابط العائلية التي تكفل لهم مكان العيش فإن أعداد من يجبرون على النوم في العراء تتزايد على ما يبدو في المدن بما في ذلك اسطنبول وأنقرة.

وقال زينال اوداباس المسؤول عن نزل بيرسلطان عبدال الذي يؤوي اللاجئين إن تركيا يجب أن تضع في الاعتبار تنوع السكان في سوريا وتنشئ مخيمات منفصلة للجماعات المختلفة.

وانتقد اوداباس الحكومة التركية لانها سمحت بإيواء مقاتلين من الجيش السوري الحر وفصائل مثل جبهة النصرة التي تربطها صلات بتنظيم القاعدة بالمخيمات.

وقال اوداباس مشيرا إلى أن وجود المقاتلين في المخيمات هو السبب الذي يدفع الكثير من اللاجئين إلى عدم التوجه إليها "بينما يقيم أعضاء النصرة والجيش السوري الحر في المخيمات يعيش هؤلاء الفقراء في الشارع."

وتدعو تركيا منذ وقت طويل الى تقديم المزيد من الدعم القوي للمعارضة السورية المنقسمة والمسلحة وتقول إن هذا سيعجل بسقوط الأسد وسيعطي القوى المعتدلة سلطة تحتاج إليها حتى يغلب صوتها على صوت العناصر الاسلامية الأكثر تشددا.

لكن منتقدي أنقرة يقولون إن سياستها سمحت في واقع الأمر بنفوذ أكبر للاسلاميين المتشددين الذين يتهم بعضهم بارتكاب فظائع ضد العلويين.

وتنفي تركيا تسليح مقاتلي المعارضة أو تسهيل مرور المقاتلين الأجانب الذين دخلوا في صفوف الجماعات المرتبطة بالقاعدة وتقول إن من الصعب مراقبة الحدود. ويعبر مقاتلو المعارضة واللاجئون والمهربون الحدود بصورة غير قانونية.

الاستعداد للشتاء

تقول مديرية إدارة الكوارث والطوارئ في تركيا إنها تدرك تدفق سوريين لا يقصدون المخيمات لكن لا يمكنها فعل الكثير لمن يرفضون المساعدة التي تقدمها.

وقال مصطفى ايدوجدو المتحدث باسم المديرية "نفعل ما بوسعنا في إطار قواعد دولة القانون لكن لا يمكننا ببساطة إجبار الناس." وأضاف أنه يوجد علويون يعيشون في المخيمات ونفى وجود تقارير بوجود نزاعات.

وقال "لم نتلق أي طلب محدد من السوريين الوافدين إلى تركيا بإنشاء أي مخيم منفصل لمجموعة بعينها. ولو كان هناك مثل هذا الطلب لوضع في الاعتبار."

وأشار إلى أن المديرية لا تسجل اللاجئين في المخيم وفقا لانتمائهم الديني.

ومع توقع الأمم المتحدة فرار مليوني سوري آخرين في عام 2014 ونزوح 2.25 مليون آخرين داخل سوريا فإن سياسة الباب المفتوح التي تنتهجها تركيا تعني أن أعداد السوريين في شوارعها ستزيد.

وقال أحمد (15 عاما) والذي يعيش منذ أربعة شهور في خيمة متنقلة قرب حي فقير في أنقرة بدون مياه ولا كهرباء ولا تدفئة "لا يمكننا العودة إلا عند انتهاء الحرب.. نحن مرتاحون أكثر هنا. نسمع أن هناك الكثير من النزاعات والخلافات في المخيمات. الناس يشتكون لذا لا نريد أن نذهب."

وأحمد من بين 150 لاجئا سوريا كرديا بينهم الكثير من الأطفال الحفاة الذين يعيشون في خيام على سفح تل بجوار منطقة تشيد فيها مبان شاهقة الارتفاع للأغنياء.

وتنخفض درجات الحرارة بالفعل وستصبح تحت الصفر قريبا. وعند مرور سيارة من وقت لآخر يهرع الأطفال وراءها يهللون ويأملون أن تكون سيارة أحد الأتراك الذين يجلبون لهم الطعام والملبس بانتظام.

وقال سامر (31 عاما) الذي كان عازفا لآلة الأورج في حلب قبل أن يترك سوريا "نحن صامدون حتى الان فقط. يقولون إن الثلوج ستبدأ في التساقط في غضون بضعة أشهر. فليساعدنا الله حينئذ."