تقرير: بسام العنتري- قل لي من تريد ان تصبح، وسوف اجعلك تراه عندما تنظر في المرآة في المرة القادمة!. الامر في الاردن اصبح بهذه البساطة.
فمن يريد انفا مستدقا كأنف مهند بطل المسلسل التركي، ومن ترغب بشفتين مكتنزتين كشفتي انجلينا جولي، ومن يريدون شفط اردافهم وبطونهم، ليس عليهم سوى التوجه الى واحد من عشرات المراكز المنتشرة في البلاد والتي ستتكفل بتحقيق حلمهم.
في ما سبق من السنوات، كانت جراحات التجميل حكرا على الميسورين القادرين على تحمل تكاليف التوجه الى خارج البلاد بحثا عن مراكز تجري مثل هذه الجراحات، وكان الامر مقتصرا بشكل شبه كلي على الجنس اللطيف.
وفي هذه الايام، تغيرت الصورة، وبات الاردن مقصدا للراغبين بتغيير سحناتهم وابدانهم من الدول الاخرى، كما ان الامر لم يعد حكرا للفتيات والنساء، فقد اصبح الشبان والرجال يزاحمونهن في هذه الصرعة.
وبحسب ارقام احصائية رسمية اوردتها صحيفة "الشرق الاوسط"، فقد بات الاردن يزاحم لبنان على ما وصفته الصحيفة بانه "كعكة" جراحات التجميل في الوطن العربي، والتي كانت العاصمة اللبنانية بيروت تستحوذ على نصيب الاسد منها.
وتقول الصحيفة ان جراحة التجميل باتت تدر دخلا قوميا على الاردن بنسبة تصل الى 18% من السياحة العلاجية التي تصل الى 700 مليون دولار.
وتوقعت ان يزيد حجم السياحة العلاجية الى مليار دولار خلال السنوات الثلاث المقبلة، خصوصا بعدما سهلت السلطات الاردنية مهمة هذا القطاع بمنح التأشيرات للمرضى القادمين من الخارج.
ويشهد الاقبال على هذه الجراحات زخما كبيرا منذ كسر الرجال حاجز التردد ودخلوا بقوة على الخط.
ووفقا لما يذكره عبد السلام ابو الفيلات استشاري جراحة التجميل والترميم والليزر والرئيس السابق للرابطة العربية لجراحة التجميل والحروق فان "الرجال اصبحوا يقبلون على جراحة التجميل بقوة اكبر من ذي قبل، خاصة وان الجيل الحالي منهم لديه هوس الاهتمام بالشكل الجميل والمظهر الانيق اكثر من النساء".
وعموما، فان الفئات العمرية من الذكور التى ترغب باجراء العمليات الجراحية التجميلية تنقسم الى فئتين الاولى من عمر 17- 25 عاما ، وهذه الفئة ترغب باجراء عمليات تجميل الانف ونفخ الشفاه وشفط الدهون من البطن والجوانب، وكذلك هناك اقبال على استعمال حقن (البوتكس) وهو علاج فعال يمنع العضلات من الانكماش ويجعلها اكثر بروزا.
ويوضح ابو الفيلات في تصريحات اوردتها صحيفة "الدستور" ان "الرجل الشرقي وحتى عهد قريب كان ينفر من فكرة اجراء عمليات التجميل الجراحية، ولكن هذه النظرة تغيرت، واصبحت عمليات التجميل بمختلف انواعها من متطلبات حياتهم حاليا".
ويشير الى ان "نسبة الذكور للاناث في جراحة التجميل كانت رجلا واحدا لكل ست نساء في عام 1990، اما الان فقد اصبحت النسبة ثلاثة رجال لكل سبع نساء"، ولا يستبعد ابو الفيلات ان "تتساوى النسب في المستقبل القريب".
ويؤكد جراحون ان اكثر العمليات المطلوبة في مجال التجميل هي تصغير حجم الثديين للرجال وتكبير الصدر للنساء بواسطة حقنه بالسليكون، ثم ازالة الشعر بالنسبة للرجال والنساء من المناطق الحساسة وغير المرغوب فيها وتتم هذه العمليات بالليزر، ثم مشاكل تراكم الدهون والسمنة وشد بشرة الوجه.
ومع تطور عمليات التجميل، اتسعت الدائرة بعد ذلك الى الرغبة في التغيير التام، فظهرت عمليات شد الوجه وشفط الدهون وعمليات الانف، ولم يقف الطب عند هذا الحد، بل اصبحت الجراحة تعطي الفرصة للمرأة بنفخ شفتيها، او استخدام الماكياج الدائم "التاتو"، وتستخدم في هذا المجال بالإضافة الى ادوات الجراحة التقليدية مواد دخيلة، مثل الكولاجين والبوتكس والدهون وغيرها من المواد.
ولم يعد الاطباء وحدهم القادرون على اجراء هذه العمليات، اذ انها اصبحت كالماكياج تبتاعه المرأة من اي مكان، فالآن تلجأ المرأة الى مراكز التجميل ليس لتصفيف شعرها فقط، بل تذهب ايضا من اجل "الحقن السحرية" لتضيف الى نفسها المزيد من الجمال والظهور.
ومؤخرا، منعت تعليمات جديدة لتراخيص صالونات قص الشعر مزاولة مهنة الوشم المعروف بـ"التاتو" داخل الصالونات ومراكز التجميل النسائية والرجالية في الأردن.
وأوضح قرار المنع الحكومي أنه جاء على خلفية احتواء الأحبار المستخدمة في عملية الوشم على مواد "مجهولة غالبا".
وقد انتشرت بشكل واسع في الاونة الاخيرة ظاهرة الوشم بين الشبان من الجنسين في شوارع الأردن، وتحدث البعض عن رصدهم رسوم وشم نقشت على مواقع حساسة من أجسام فتيات كن يجلسن في أماكن عامة.
بصرف النظر عن الموقف العام من جراحات التجميل، فان من يجرونها يعتبرون في معظمهم انها تدخل في باب الحرية الشخصية وليس بالضرورة ان تكون عن قناعة في بعض الاحيان بل عن اضطرار كما في حال سامي العباسي، مهندس الكمبيوترالذي اجرى عملية تجميل قبل عام في انفه.
العباسي قال لصحيفة "الدستور" انه ضد عمليات التجميل سواء كانت للرجال او للنساء.
وعن سبب اجرائه لعملية التجميل فقد اكد انها كانت بدوافع طبية مرضية بحتة، حيث انه عانى من انسداد في الوتيرتين مما سبب له عددا من المضاعفات خاصة ما تعلق منها بصداع وضيق نفس شديدين اثناء النوم ، وقد نصحه الأطباء باجراء هذه العملية حفاظا على سلامته الصحية.
ومن جهة اخرى تحدث (س ، ر) والذي اجرى عملية تجميل في وجهه لمعالجة اثار حروق تعرض لها اثناء عمله في احد المصانع ، انه لجأ الى هذه العملية بغية علاج اثار الحروق وليس سعيا الى تغيير شكله ، مؤكدا انه لو لم يكن تعرض لهذا الحادث لما كانت وطأت قدماه عيادة الجراحة التجميلية.
ومن جهة اخرى اكد محمود على (موظف)، انه لا يعارض اجراء عمليات التجميل وانه قام بعمليتي تجميل احداهما لانفه والاخرى لاذنيه.
يقول علي "لقد عانيت من كبر حجم اذني ومن بروزهما عن وضعهما الطبيعي، وبطريقة جلبت لي السخرية من الاصدقاء اثناء مراحل دراستي المختلفة فلجأت الى هذه العملية لعلاج هذا العيب الخلقي والذي اضفى شكلا اكثر جاذبية على مظهري الخارجي".
وعن رأيه في اقبال الشباب على اجراء عمليات التجميل خاصة في ظل المسابقات التى تقوم بها بعض الفضائيات العربية والتى تعتمد الى حد كبير على جاذبية الشخص وتأثيره في المشاهد، فقد اكد ومن تجربته الشخصية لاحظ اقبالا من المشاركين الذكور في هذه المسابقات على عمليات التجميل كونها تسهل نفاذ هؤلاء المتسابقين الى قلوب الناس.
اما ابتسام محمد (طالبة جامعية) فهي ضد جراحات التجميل، وتقول "لا أؤيد اجراء عمليات التجميل سواء كانت للرجال او للاناث والتي تكون بهدف تغيير الشكل اوالتشبه باشكال فنانات وفنانين".
وذكرت ابتسام ان عمليات التجميل من وجهة نظرها الشخصية لا تضفي على صاحبها اي مظهر جمالي، كون اثار العملية التجميلية بعد فترة قليلة من اجرائها تتحول الى تشوهات يستطيع اي شخص ان يلاحظها.
نادية محمد (ربة منزل) قالت انها مع عمليات التجميل اذا كانت بدوافع طبية وليست لدوافع تجميلية.
واشارت الى ان "العبث في خلقة الله يعتبر حرام ولا يجوز تغيير الصورة الجميلة التي خلقنا الله عليها".
ام محمد في الاربعين من عمرها تعاني من سمنة مفرطة وتقول "لم اجد بدا من الاتجاه الى عملية شفط الدهون لاسيما انني لجات الى الرياضة والريجيم وغيرها من الامور الاخرى دون ان اجد أي نتيجة تذكر واصبح الموضوع يتعبني وما زاد الضغط النفسي علي هو استياء زوجي من الموضوع فقمت باجراء عملية شفط للدهون والحقيقة فرحت بالنتيجة ولم اجد أي مضاعفات حيث انني اخترت طبيبا معروفا باختصاصه وجيدا".
مها في الثلاثين، اجرت عملية اصلاح لانفها لدى طبيب وتقول ان "التجميل لا يحقق المعجزات إلا فيما ندر ولم نر تلك التغييرات الكبيرة إلا مع الفنانين والمشاهير، الاصلاح الذي اجريته لأنفي كان ضروريا اذ كلما كبرت في العمر استطال واتجهت الارنبة الى الاسفل لقد اصبح مظهري بعد العملية افضل بنسبة جيدة.. لكن قلة من الناس من يلحظ هذا التغيير".
ام رائد تقول "انا مع هذه العمليات لاسيما اذا كانت فعلا المراة بحاجة لها فالمراة تحتاج مثلا في اوقات كثيرة الى عمليات شفط للدهون او الشد لاسيما بعد انجاب عدد كبير من الاولاد انا لم اجر الى الان أي عملية لكن افكر جديا بها".
جدير بالذكر أن جراحة التجميل من العلوم الطبية الحديثة وهي تعتبر من أوسع فروع الجراحة التخصصية بشكل عام، ورغم أن هناك أناساً يخلطون بين خبراء التجميل وأطباء التجميل المختصين، إلاّ أن الحقيقة تقول بأن جراحة التجميل تضم التجميل والترميم والحروق والليزر.
ومن خلال هذا الإطار نستطيع الاستدلال على ماهية جراحة التجميل، ويمكن القول إنها تختص بالعمليات الجمالية في المجال الاول.
اما المجال الثاني فهو الترميم، الذي تندرج تحته التشوهات الخلقية، مثل تشوه الحلق او الشفة الأرنبية او الاذن والأنف او تشوه الجمجمة او تشوه الصدر وعدم نموه الى جانب تشوهات اليدين والقدمين الخلقية، مثل التصاق او عدم تخلق الاصابع الى جانب تشوه الجهاز التناسلي.
يأتي بعد ذلك ترميم الاصابات وحوادث السيارات، او ترميم مكان الاصابة بعد العلاج او ترميم ما بعد استئصال الاورام كترميم الصدر بعد استئصال الثدي نتيجة الاصابة بالسرطان وإعادة الصدر الى شكله السابق او الى شكل قريب من وضعه الطبيعي.
ومن المجالات المهمة في جراحات التجميل أيضاً الحروق، فطبيب التجميل هو الإنسان القادر على التعامل مع الحروق، لأن الحروق لا يمكن تركها كي تلتئم وحدها من دون تدخل جراح التجميل، حتى لا تحدث تشوهات تؤدي إلى معاناة وظيفية ونفسية لدى المريض.
اما عن تكلفة عمليات التجميل، فتختلف الحسابات وفقا لطبيعة العملية ومستوى التغيير المطلوب، الا ان سعر مواد الحقن للشفتين والوجه لا تقل عن 150 دينارا اردنيا لسنتيمتر واحد منها فقط، بينما تصل كلفة بعض المواد الدهنية الأخرى كمادة البوتكس الي 300 دينار ايضا للسنتمتر الواحد، وتكمن المفارقة في ان الحاجة تتجدد لإعادة عملية الحقن مهما كانت، مرة كل ستة شهور كحد ادنى لما تتعرض له المواد من ذوبان مع مرور الوقت.
مخاطر محدقة
جراحة التجميل ليست دائما حلما جميلا يتحقق لمن يخضع لها فور افاقته من التخدير، فهي مليئة بالمحاذير وكذلك الاخطار المحدقة.
وعن هذا تنقل صحيفة "الشرق الاوسط" عن عمر الشوبكي، اخصائي عمليات التجميل ومدير عام مركز ابن خلدون لجراحة التجميل، تحذيره من المخاطر التي قد يتسبب بها نقص الخبرة لدى من يجرون مثل هذه العمليات.
ويقول "لا بد من الاشارة الى مدى خطورة لجوء المرأة الى المراكز غير المتخصصة في عمليات التجميل، لأن خبير التجميل لا يستطيع ان يجري مثل هذه العمليات، وان كان قد حضر ورشات تدريبية في هذا المجال، وهنا يأتي دور الرقابة ودور وزارة الصحة في العمل على منع مثل هذه المراكز".
ومن جانبه، يؤكد محمد البداوي، رئيس قسم جراحة التجميل في مدينة الحسين الطبية سابقا، ان "المشكلة في هذه العمليات في الاردن هي غياب الرقابة والتراخي في هذه المسألة، اذ ان التجميل خرج من نطاق المستشفى والعيادات المختصة وأصبح بإمكان مراكز التجميل ان تجريها".
واكد ان "هذا شيء خطير ويسبب مشاكل صحية وأحيانا تشوهات لدى المريض، فالطبيب هو الذي يعرف أين يحقن الابرة وأي مادة يستخدم، لان اي خطأ قد يعطي اثرا معاكسا، وتصحيح الاخطاء اصعب من عملية التجميل بحد ذاتها، وهذا هو الحال ايضا بالنسبة للماكياج الدائم ايضا".
ومن المعروف ان عمليات التجميل، خاصة تلك التي يستخدم فيها مادة السيليكون تجرى بعد ان يوقع المريض على ورقة تفيد بمسؤوليته التامة على اجراء هذه العملية، ولكن هل هذه الاحتياطيات موجودة هنا في الاردن، وهل تطلع المرأة على كافة الآثار الجانبية والمستقبلية للعملية؟
ويكمل البداوي قائلا ان "اداب المهنة ليست صارمة في الاردن، فعلى الطبيب ان يطلع المريضة على كل التفاصيل المتعلقة بالعملية وان يحاول اقناعها بالعدول عنها، خاصة اذا كانت تلجأ اليها من اجل الزينة فقط".
حدود شرعية
ويوضح محمود السرطاوي استاذ الشريعة في الجامعة الاردنية في تصريحات لصحيفة "الدستور" ان علماء الشريعة وضعوا الضوابط اللازمة لاجراء العمليات التجميلية ومنها ان لا يترتب على عملية التجميل ضرر اكبر من الضرر الموجود لان الضرر لا يزال بضرر اكبر منه ولا بضرر يماثله وان يكون باذن المريض او وليه ان كان صغيرا، وان لا يقصد به او فيه تدليس على الغير وان لا يؤدي الى تغيير اصل الخلقة وانما يعمل على رد العضو الى اصل الخلقة، وعليه يجوز اجراء العملية لعضو من اعضاء الجسم في حالة اصابته بالكسور على سبيل المثال.
كما يجوز تعديل قوام انف مثلا كان على غير اصل الخلقة المعهودة سواء عند النساء او الرجال، ولا يجوز اجراء عملية جراحية لازالة تجاعيد الوجه لامرأة كبيرة في السن او لرجل ايضا .
واشار السرطاوي الى انه يجوز اجراء العمليات الجراحية لازالة الشحوم المتراكمة دفعا للضرر المتوقع حدوثه على صحة الشخص البدين.
وركز على ان اجراء العمليات الجراحية التجميلية والتي تهدف الى تكبير او تصغير الاعضاء في الوجه والجسم بهدف ابراز جمالها غير جائز شرعا لما فيه من ضرر واقع او متوقع وكذلك لما فيه من تدليس على الاخرين. واضاف "لقد علمت من بعض الاطباء ان هذه العمليات لا تخلو من المخاطرة، وان بعض المواد التي يحقن بها الجسم تكون مضرة وينبغي تجنبها. كما اشاروا الى ان هذا النوع من العمليات يعتبر حديث العهد ولم يتم التحقق من الاثار الجانبية لها بعد مرور عشرين او ثلاثين عاما على اجرائها.
**ينشر بالتزامن مع صحيفة "النشمية"