الحدود اللبنانية ¯ السورية في الحال التي هي عليها تسمح لأي متسلل أن يهرب ليس فقط متفجرات وأسلحة خفيفة وذخيرة بل أسلحة ثقيلة مفككة كالصواريخ في شاحنات وعربات المسافرين. لكن المجتمع الدولي قرر ان يضع نهاية لما يحدث. فبعد تأجيل متكرر ومواعيد عدة، انطلقت الاسبوع الماضي، المرحلة الأولى من خطة الانتشار على الحدود اللبنانية ¯ السورية بدءا من »العريضة« وصولاً حتى جبل أكروم في آخر نقطة في سهل عكار، عند الحدود البرية مع سورية بطول نحو مئة كيلومتر. وبعد توصيات لجنة تقصي الحقائق عند الحدود اللبنانية السورية والتي أوصت بضرورة ايجاد غرفة عمليات مشتركة ومراقبة حازمة وخاصة عند الحدود الشرعية. كذلك ستقام ابراج مراقبة ونقاط ثابتة في أكثر من منطقة، مع استحداث وابتكار برامج تنمية لهذه القرى تحد من اعتمادها على موارد عمليات التهريب.
هذه الخطة ممولة من دول أوروبية عدة ومن الولايات المتحدة. ومن هذه الدول المانيا وكندا وهولندا وايطاليا وفرنسا والدانمارك. وتبلغ القيمة الأولية للخطة في الشمال نحو مليون يورو. وهي تقضي بانتشار نحو 700 عنصر في المرحلة الأولية، من الجيش وقوى الأمن الداخلي والأجهزة الأخرى عند الحدود واقامة غرفة عمليات مع الجمارك والأمن العام وقوى الأمن الداخلي. وتقتضي الخطة أيضاً باعادة تأهيل وتجهيز معابر العريضة والعبودية والبقيعة في وادي خالد بتجهيزات الكترونية وشاشات للمراقبة، وتدعيم وتدريب الجهاز العامل فيها. كما تقضي بتسيير دوريات وتحديد نقاط لمراقبة نحو سبعين معبراً غير شرعي في هذه المناطق ابتداءً من العريضة وصولاً إلى جبل أكروم، وهي محددة. وتفعيل المراقبة الالكترونية وبمشاركة المروحيات وسواها من الوسائل لإحكام السيطرة على المعابر البرية والبحرية وضبطها بصورة دقيقة، بغية منع أعمال التهريب على أنواعها، والتسلل غير المشروع على طرفي الحدود بمختلف أشكاله وأهدافه.
كل هذه التطورات اتت نتيجة فحص نظام المراقبة اللبناني على امتداد الحدود اللبنانية السورية التي يبلغ طولها 320 كيلو مترا، فبرزت تحت الاضواء أخبار وتقارير وصور تشير كلها الى عمليات ضبط وتوقيف شاحنات أسلحة أمام عدسات الكاميرات وعيون اللبنانيين تنتقل الأسلحة من سورية الى لبنان.
الامين العام للأمم المتحدة بان كي مون اكد وجود أدلة تظهر شاحنات تعبر الحدود السورية اللبنانية محملة بالأسلحة، وهو شاهد صورا لعمليات نقل الأسلحة من شاحنات الى أخرى، كما شاهد صورا لشاحنات تفرغ أسلحة.
وفي ظل اقتناع لبناني وعربي عام بأن الحدود مع سورية تشكل المصدر الرئيسي لتدفق السلاح والمسلحين الى لبنان، تصر سورية على النفي لا بل تذهب بعيداً لتهدد على لسان وزير خارجيتها وليد المعلم بقطع العلاقات بين الدولتين وإقفال الحدود في حال تم نشر قوات دولية أو إرسال مراقبين لأن نشرها بالنسبة للسوريين يشكل استفزازا وتحديا.
مجلس الأمن من جهته أرسل بعثة لتقييم الوضع على الحدود وقدمت البعثة مجموعة مقترحات من شأنها تعزيز قدرات لبنان على ضبط حدوده لكن هذا غير كاف لأن سورية بدورها مطالبة بضبط حدودها. وقال وزير الثقافة اللبناني طارق متري على ان الحديث لايزال حتى الآن "مقتصرا على مساعدة لبنان على تعزيز قدراته لضبط حدوده ومطالبة سورية بالقيام بدورها من خلال ضبط حدودها أيضا، حيث يذكر مجلس الأمن في بيانه الرئاسي الجديد سورية بواجبها في ضبط الحدود".
واستكمالا لقرار مجلس الامن 1559 عن استمرار احتلال سورية ل¯180 ميلا مربعا من الاراضي اللبنانية، أي ما نسبته 4.5 في المئة من مساحة لبنان، أثار تقرير "اللجنة الدولية اللبنانية" موجة مطالبة لبنانية بضرورة ترسيم الحدود بين البلدين. التي تشهد تجاذبات تؤدي الى اقفالها من الجانب السوري كلما توترت العلاقات بين البلدين، ليس فقط اثر اغتيال الرئيس الراحل رفيق الحريري وخروج القوات السورية من لبنان وانما منذ عقود.
وكانت مسألة ترسيم الحدود طرحت على طاولة الحوار التي جمعت الاقطاب السياسيين في لبنان ونالت موافقة المتحاورين بالاجماع في حينه. الا ان اطلاق النار على مساح "طبوغرافي" حاول الاقتراب من الحدود السورية في مطلع العام الماضي كان رسالة سورية واضحة ردا على عملية ترسيم الحدود.
ومهما اختلفت الآراء وتعددت يبقى الطرح الأهم هو تأمين آلية مراقبة دولية تساعد على ضبط عمليات التسلل والتهريب إما عن طريق تزويد القوى الامنية والعسكرية اللبنانية بما تحتاجه من معدات وتقنيات متطورة أو عن طريق الأقمار الصناعية كذلك يجب ترسيم الحدود والتوصل الى اتفاق نهائي في شأنها.
اذن هل يعني وجود قوات دولية على الحدود أن لبنان يدول حدوده؟ هل يمكن لسورية ان ترفض هذا القرار؟ هل ستقف سورية مكتوفة اليدين في حال تم نشر قوات أمنية على الحدود مع لبنان؟
وشخص تقرير الامم المتحدة الوضع ب¯ "المقلق" عازيا ذلك الى ضعف التنسيق بين الأجهزة اللبنانية الاربعة المسؤولة عن السيطرة على الحدود إضافة الى وجود مخيمات فلسطينية مسلحة في منطقة الحدود تحول دون ضبطها كما أن الميول السياسية والصلات العائلية أو العشائرية او الفساد التقليدي، تلعب دورا ايضا في ضعف ضبط الحدود. هذا الوضع الحدودي غير المنضبط ساهم في توفير الارض للارهابيين ومهد دخولهم الى لبنان فتشكلت منظمة "فتح الاسلام" وغيرها الكثير من الخلايا النائمة.
وتعود ذاكرة اللبنانيين الى العام 1976 حين أعلن الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد تسليح الفلسطينيين ودعمه للقوى المتحالفة معها، كما أدخل العام 1973 عناصر من الجيش السوري الى لبنان عبر عكار والبقاع »بلباس جيش التحرير الفلسطيني«، وها هو المشهد يتكرر اليوم لكن بسيناريو مختلف أكثر إرهابا.
لكن الواقع أن إجماعا عربيا ودوليا على تهريب الاسلحة طغى على كل المواقف خصوصا موقفي السفير السوري لدى الامم المتحدة بشار الجعفري ووزير خارجية سورية وليد المعلم، وظهر هذا الاجماع جليا بحسب الوزير متري من خلال البيان الرئاسي الذي صدر عن مجلس الامن وقرار الجامعة العربية "لتأكيد تهريب السلاح والاجماع على ذلك معروف ومسلم به، بالاضافة الى ضرورة معالجة مساعدة لبنان على ضبط حدوده، تنفيذا للفقرة 15 من القرار 1701".
في هذا الاطار يقول الامين العام للمجلس الاعلى اللبناني السوري نصري خوري إن "الحدود المتداخلة بين البلدين تسهل تهريب المواد الغذائية في بعض الاحيان على الرغم من الانتشار الكثيف للجيش اللبناني"، ولكن ما الذي يمنع "مهربي" المواد الغذائية من تهريب الاسلحة؟