طبيب ومدرس.. لماذا يتحول أهل العلم في مصر إلى "قتلة"؟

تاريخ النشر: 14 ديسمبر 2019 - 10:24 GMT
طبيب ومدرس.. لماذا يتحول أهل العلم في مصر إلى "قتلة"؟
طبيب ومدرس.. لماذا يتحول أهل العلم في مصر إلى "قتلة"؟

جمع من العلم ما يجعله ذا هيبةٍ ووقار، وحصد آلاف المعلومات وقرأ في مئات الثقافات، حتى أصبح صاحب طلة خاصة مميزًا عن غيره من الأميين والجهلة، ولكن في بعض الأحيان تختلط الأمور فيقوم العالم بأفعال الجاهل، ويرتكب المعلم جرائم الغدر والخيانة، ويخالف الشيخ أمور دينه التي لطالما نصح بها كثيرًا طوال الوقت.

ذلك الأمر عانت منه مصر خلال الفترة الماضية، بسبب كثرة الجرائم البشعة التي تقشعر لها الأبدان والتي تحدث في شتى المناطق المصرية، والتي لوحظ أنها ترتكب بأيدي أصحاب العلم والثقافات.

تجرد خالد محمد فرجاني، البالغ من العمر 35 عامًا، من معاني الإنسانية، وأقدم على قتل زوجته وأولاده الـ4 بشقته السكنية بمنطقة المسلة بمدينة الفيوم في يوليو الماضي، بذبحهم باستخدام ساطور، بعد تلقيه تهديدات من أشخاص على خلاف معه، باغتصاب زوجته وقتل أبنائه.

الزوجة التي لقيت مصرعها تدعى "كريمة م" تبلغ من العمر 33 عامًا، وأولاده الأربعة الذين قتلوا في نفس الوقت على يد والدهم هم: أنس (11 عاما)، آية (8 أعوام)، منة (4 أعوام)، وتسنيم (عام ونصف العام)، حيث كشفت التحقيقات أن "فرجاني" تلقى تهديدات من بعض الأشخاص تفيد قيامهم باغتصاب زوجته وقتلها هي وأولاده وطلبوا منه ضرورة الابتعاد عن الكنز الأثري الذي يقوم بالحفر والتنقيب عنه داخل قطعة أرض مملوكة له بإحدى قرى مركز الفيوم، مضيفة أنه بعد تأكده من جدية التهديدات قرر تنفيذ الجريمة بيده لإنقاذ زوجته من الاغتصاب قبل قتلها.

المتهم اشترى "ساطور" ثم تسلل إلى الشقة في ساعة متأخرة من الليل فوجد زوجته وابنته الوسطي نائمتين بغرفة النوم، فوجه ثلاث ضربات قاتلة لزوجته التي لفظت أنفاسها دون أي مقاومة ثم ذبح ابنته وكسر جمجمتها بالساطور، وبعدها خرج إلى غرفة الأطفال وذبح باقي أبنائه.

وعقب تنفيذ الجريمة حاول التخلص من حياته عن طريق إلقاء نفسه من الطابق الرابع، إلا أنه فشل في ذلك، فتوجه الى الأجهزة الأمنية وسلم نفسه واعتراف بالجريمة بعد صراع بين عقله واختلاط مشاعره لما اقترفه من جريمة شنعاء.
المفاجأة هي أن الجاني يعمل مدرسًا للغة الإنجليزية، في معهد أزهري للفتيات بمنطقة الحريشي، وتزوج منذ 13 عامًا من زوجته عن حُب استمر بينهما لسنوات، وعاشا سويًا مع أبنائهما بمنطقة المسلة، التي تعد من أهم المناطق الراقية في المحافظة، بشقة في أحد الأبراج الشاهقة، والتي تكلفت 2 مليون جنيه.

وعرف بالأدب والاحترام والتدين مع الجميع، حيث إنه ساهم في بناء مسجد بمدخل قريته، وأنه أكمل دورة تدريس القرآن وتجويدة باللغة الإنجليزية بتقدير امتياز.

لم تكن تلك المأساة السابقة فريدة من نوعها، ولكن هناك مئات القضايا المثيرة للجدل، حيث كانت منطقة الأبراج بحي سخا بمدينة كفرالشيخ تستعد للاحتفال برأس السنة الميلادية الجديدة من العام الماضي، ولكن ومع حلول وقت الظهيرة، انكشف الستار عن الكارثة التي أذهلت الجميع بذبح طبيبة تحاليل وأطفالها الثلاثة داخل شقتهم بالطابق الخامس ببرج عمر بن الخطاب رقم 4 في نفس المنطقة.

الحكاية بدأت بورود بلاغ لقسم شرطة أول كفرالشيخ، بعثور المدعو "أحمد س.ع"، 42 سنة، طبيب، ويقيم بحي سخا، على زوجته، وأطفاله الثلاثة مذبوحين داخل شقتهم، وعلى الفور انتقلت لهناك وبالفحص تبين وجود زوجته وتدعى "منى م.ف.ا"، 38 سنة، طبيبة تحاليل، وبجوارها ابنتها الصغرى "ليلى"، 4 سنوات، ملقتين على سجادة في صالة الشقة، ومذبوحتين، ونفس الأمر وجود الطفلين "عبد الله، 8 سنوات، وعمر، 6 سنوات، مذبوحين أيضًا في غرفتهما.

وبمعاينة الشقة تبين سلامة نوافذها، وعدم وجود ما يدعو للشك والريبة حول تنفيذ الجريمة بواقع السرقة، وبسؤال الزوج الطبيب صاحب البلاغ، أكد أنه بعودته من الخارج وبفتحه باب الشقة اكتشف زوجته وابنته بجوارها وطفليه الآخرين بغرفتهما وجميعهم مذبوحين وغارقين في دمائهم، حتى استغاث ببواب البرج، مدعيًا باختفاء المصوغات الذهبية الخاصة بزوجته.

وبسؤال بواب البرج ويدعى "حسن ع"، 30 سنة، قرر أنه لم يشاهد أي أشخاص غير سكان البرج ترددوا عليه باستثناء الطبيب صاحب البلاغ بصعوده شقته وبعدها بدقائق فوجئ به يستغيث بعد اكتشافه زوجته وأطفالهما الثلاثة مذبوحين داخل الشقة فيما جرى التحفظ على صاحب البلاغ، وبواب البرج لمناقشتهما في الأمر.

وتم انتداب الطبيب الشرعي، لتشريح جثة المجني عليها "طبيبة التحاليل"، وأطفالها الثلاثة "عبد الله"، و"عمر"، و"ليلى"، لبيان أسباب الوفاة، ونقل الجثامين الأربعة إلى مشرحة مستشفى كفرالشيخ العام لإجراء عملية التشريح.
بعد 7 ساعات من التحقيقات كشفت قوات الأمن عن مفاجأة، وهي أن منفذ الجريمة زوجها صاحب البلاغ المدعو "أحمد س.ع"، 42 سنة، طبيب، وذلك بعد تضييق الخناق عليه، بعدما أشارت أصابع الاتهام له.

وخلال استجوابه انهار أمام القيادات الأمنية مقررًا ارتكابه الواقعة بوجود خلافات مع زوجته جعلته يفقد عقله ويتجرد من إنسانيته ولعب الشيطان برأسه ليتخلص من زوجته وأطفاله الثلاثة، حيث قال المتهم في اعترافاته، إنه ارتكب الواقعة لوجود خلافات أسرية مع زوجته، ومداومتها افتعال الخلافات مع أهليته، ويوم الجريمة خنقها بحبل ستارة بالمنزل، وطعنها بسكين حتى تأكد من وفاتها، ثم قام بطعن أبنائه تباعًا فأودى بحياتهم، واستولى على المشغولات الذهبية الخاصة بزوجته.

قال الدكتور ممدوح مصطفى، أستاذ علم النفس الاجتماعي، بجامعة الأزهر الشريف إن هناك فرقًا بين التعليم والمحتوى الثقافي للإنسان، فمن الممكن أن يكون الإنسان مثقفًا للغاية، ولكنه غير متعلم والعكس صحيح، فالكل يتحدث في حدود علمه وعمله، ولا يستطيع التحدث في أي شيء آخر.

وأضاف مصطفى في تصريح خاص أن المستوى الثقافي في المجتمع المصري، بدأ ينحدر في الآونة الأخيرة، وبالتالي فإن الثقافة أو التعليم العالي ليست معيارًا للحكم على جرائم القتل التي يقوم بها هؤلا الأشخاص، وأن الثقافة هي عبارة عن أمور حياتية تعطي الشخص مخزونًا يستطيع التعامل به مع الناس سواء كان متعلمًا أو أمييًا.
وتابع أستاذ علم النفس الاجتماعي، أن الفترة المقبلة ستكون أسوأ من الحالية، وهذا بسبب الثقافة التي ما زالت في طريقها للانحدار ولم يهتم بها المسؤولون، مضيفًا: الدولة المصرية تبني، ولكنها تبني عمائر ومنشآت ولا تبني الإنسان، وهذا ما يتسبب في تدهور المجتمع، لأن الدولة التي تستطيع الصعود إلا ببناء الإنسان أولًا، ومن ثم تبني الدولة بطريقة غير نمطية.

وأشار مصطفى إلى أن كثرة الجرائم في مصر، سواء في قتل الأباء للأبناء، متعلمين أو غير متعلمين، تتوقف على انحدار الثقافة لدى الأشخاص وتدهورها، وبالتالي يجب العمل على بناء الإنسان قبل كل شيء في الدولة، حتى يستطيع الارتقاء بوطنه، والإنسان المصري لديه قيم تاريخية ودينية، توضح هذه التعاملات والثقافات، ولكن الكثير من المواطنين تخلوا عنها.

للمزيد من قسم اختيار المحرر: