كيف ساهمت مدارس مؤسسة قطر في تشكيل رحلة خرّيجيها السابقين؟
ينما يستعد خريجو دفعة 2026 من مدارس مؤسسة قطر لبدء فصل جديد من حياتهم، يستعيد اثنان من الخرّيجين السابقين لأكاديمية قطر – الدوحة، التابعة للتعليم ما قبل الجامعي بمؤسسة قطر، وبعد سنوات من بناء مسارات مهنية ناجحة في مجالات مختلفة، من القانون إلى العمل الثقافي، اللحظات التي ساهمت في تشكيل شخصياتهما، ورسّخت في داخلهما معاني الانتماء، والفضول للمعرفة، والمثابرة والسعي إلى إحداث أثر يتجاوز حدود المدرسة.
يُحتفل هذا الأسبوع بتخريج أحدث دفعة من طلاب مدارس التعليم ما قبل الجامعي بمؤسسة قطر، وذلك في حفل التكريم السنوي. وبهذه المناسبة، يستعيد المحامي حمد المنّاعي، الخرّيج السابق من أكاديمية قطر - الدوحة، ذكريات اليوم الدراسي الذي لمح فيه والده يدخل من باب المدرسة. لم يكن معتادًا أن يراه هناك، فشعر بارتباك مفاجئ حين همس له أحد زملائه: "أليس هذا والدك؟".
بعد دقائق، كان الطالب المنّاعي يجلس إلى جانب والده في مكتب المدير، يستمع إلى حديثٍ عن تراجع مستواه الدراسي وحاجته إلى أن يتحمّل مسؤولية أكبر تجاه مستقبله. وهو يتذكر الآن تلك اللحظة باعتبارها نقطة تحوّل حقيقية في حياته، ليس فقط بسبب حديث والده، بل أيضًا بسبب الطريقة التي تعاملت بها المدرسة مع الأمر، ومحاولتها دفعه لإدراك إمكاناته وقدراته.
ويقول: "في تلك اللحظة فهمت أن مستقبلي يعتمد علي أنا، وأن عليّ أن أبذل الجهد المطلوب لأصل إلى ما أريد."
يتحدث المنّاعي عن سنوات دراسته في أكاديمية قطر – الدوحة، بوصفها التجربة التي شكّلت شخصيته ونظرته إلى الحياة أكثر من أي محطة أخرى. يقول: "لا أتصور شيئًا أثّر علي بالطريقة التي أثّرت بها المدرسة. كوني نشأت وسط خليط من الثقافات والأعراق والجنسيات المختلفة منحني تجربة لم أكن لأعيشها في أي مكان آخر".
ويضيف: "الدراسة باللغة الإنجليزية فتحت أمامي أبوابًا جديدة للتفكير والمعرفة، وقرّبتني من ثقافات وأشخاص وأفكار مختلفة، الأمر الذي وسّع أدواتي الفكرية وأشبع فضولي منذ سنواتي الأولى. لقد كنت أشعر دائمًا أن العالم أكبر بكثير مما نراه حولنا، والمدرسة ساعدتني على اكتشاف ذلك مبكرًا."
أما أكثر الذكريات التي لا تزال عالقة في ذهنه، فهي احتفالات اليوم الوطني لدولة قطر داخل المدرسة، وتحديدًا "العرضة" التي كان الطلبة يستعدون لها بحماس كل عام. يتذكر كيف كان الطلاب الأكبر سنًا يتولّون مسؤولية تنظيمها، واختيار "الشيلة"، وتحديد المتبارزين. لكن اللحظة الأقرب إلى قلبه كانت عندما أصبح هو نفسه مسؤول العرضة. ويقول حول ذلك: "كنت أنتظر تلك الفترة من السنة بفارغ الصبر. لم تكن مجرد فعالية مدرسية، بل كانت شعورًا بالانتماء والمسؤولية والفخر".
ومع نجاحه اليوم في المجال القانوني، يؤكد المنّاعي أن مفهومه للنجاح تغيّر كثيرًا مع مرور الوقت. ففي بداياته، كان يربط النجاح بالمال أو الوظيفة أو الشهادات، لكنه أدرك لاحقًا أن النجاح أعمق من ذلك بكثير. ويقول: "النجاح بالنسبة لي هو ألّا تتوقف. أن تستمر رغم الإحباطات، ورغم التعثرات، ورغم كل شيء".
واليوم، يوجه المنّاعي رسالة إلى خريجي دفعة 2026، قائلًا: "الحياة رحلة لا تتوقف ولا تنتظر أحدًا. ما تنهونَه اليوم ليس سوى جزء صغير من الطريق. لا تقسوا على أنفسهم أو تقارنوا رحلتكم بالآخرين. فلكل فردٍ طريقته الخاصة في النجاح، ولكل منا قصة مختلفة تستحق أن تُعاش".
بينما تشاهد فاطمة المالكي، خرّيجة سابقة من أكاديمية قطر – الدوحة، ومدير مبادرة "قطر تقرأ" التابعة لمكتبة قطر الوطنية، حفل تخرج طلاب مدارس مؤسسة قطر، تستعيد رحلتها داخل جدران أكاديمية قطر – الدوحة، تلك الرحلة التي لم تشكّل مسارها الأكاديمي فحسب، بل أعادت تشكيل نظرتها إلى العالم وإلى نفسها أيضًا. تقول: "أرى في هؤلاء الخرّيجين الكثير من السمات المشتركة التي جمعتنا معًا، الفضول، والطموح، والانضباط، والرغبة الدائمة في العطاء. لم تقتصر الأكاديمية على تعليمنا المواد الدراسية، بل غرست فينا منظومة من القيم ظلّت ترافقنا في مختلف مراحل حياتنا."
واليوم، بعد أكثر من عشر سنوات على تخرّجها، ومن خلال عملها في مبادرة "قطر تقرأ"، ، تستذكر تجربتها في الأكاديمية، قائلةً: "أحاول من خلال مكاني اليوم أن أوفر للآخرين بيئات مشابهة؛ مساحات يشعر فيها الناس بالإلهام، والتحدي، والدعم في الوقت نفسه".
أكثر ما بقي حاضرًا في ذاكرة المالكي، ليس الدروس داخل الصفوف، بل تلك الحصص التي كانت تمتد إلى خارج الصفوف الدراسية، حيث توضح:" أتذكر جيدًا كيف كانت حصص العلوم تمتد إلى الهواء الطلق لإجراء التجارب، وكيف كانت دروس التاريخ تتحول إلى جولات بين المباني كي نتمكن من فهم ماضينا وتراثنا عن قرب. أما التربية البدنية فكانت استعدادًا لسباق تيري فوكس، حيث تعلّمنا معنى العمل الجماعي والهدف المشترك. فيما حملتني إحدى حصص الفنون إلى باريس، في تجربة لا أزال استعيدها بدهشة وامتنان. لطالما شعرت أن المدرسة مرتبطة بالحياة الحقيقية، وأن ما نتعلمه لا يتوقف عند حدود الامتحانات".
هذه الرؤية، أعادت تشكيل فهم المالكي للنجاح. ففي أكاديمية قطر – الدوحة، لم يكن الإنجاز مرتبطًا بالموهبة وحدها، بل بالمثابرة، والبحث، والقدرة على حل المشكلات.
وتعلق بالقول:" في حصص الرياضيات، لم يكن يُسمح لنا بالانتقال إلى الحصة التالية، قبل الوصول إلى الحل بأنفسنا. وقد علّمني ذلك أن أبحث دائمًا عن الحلول بدلاً من التركيز على العقبات."
أما رسالتها لخريجي دفعة عام 2026، فهي أن كل ما يعيشونه اليوم سيظهر أثره لاحقًا في حياتهم المهنية والشخصية. وتضيف: "هناك عالم واسع ينتظركم، وإذا اخترتم مجالاً تحبونه فعلاً، فسيصبح كل تعب وكل تحدٍ يستحق العناء. فالتعلّم لا يتعلق بالإنجاز وحده، بل بتشكيل فردٍ قادر على الاستمرار، والتطوّر، وصنع أثرٍ حقيقي في مجتمعه والعالم."
خلفية عامة
مؤسسة قطر
تأسست مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع سنة 1995 بمبادرةٍ كريمةٍ من صاحب السموّ الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير دولة قطر بهدف تنمية العنصر البشري واستثمار إمكاناته وطاقاته.
توجّه مؤسسة قطر اهتماماتها إلى ثلاثة مجالات هي التعليم والبحث العلمي وتنمية المجتمع، كونها ميادين أساسية لبناء مجتمع يتسم بالنمو والإستدامة، وقادر على تقاسم المعارف وابتكارها من أجل رفع مستوى الحياة للجميع. تُعد المدينة التعليمية أبرز منجزات مؤسسة قطر وتقع في إحدى ضواحي مدينة الدوحة، وتضمّ معظم مراكز المؤسسة وشركائها.
