الخطاب الذي القاه الرئيس حسني مبارك وتنازل فيه عن صلاحياته لنائبه عمر سليمان قبل قليل جاء متاخراً ، وعبر، على الرغم مما اكتنفه من عاطفة، عن افلاس النظام.. وتشبثه بالقشة الاخيرة.
لكن القشة الاخيرة تنطوي على مخاطر لها اول وليس لها آخر وتداعيات على واقع مصر ومستقبلها.
كنت اتمنى على الرئيس أن يكون اكثر حنكة واعمق فهماً لمجريات الاحداث ومطالب شعبه، لأن التاريخ لا يرحم من لا يفهم.
اتعاطف طبعا كانسان مع جملة مبارك الاخيرة، فهو يريد الحياة والموت في مصر، لكني اتعاطف اكثر بكثير مع الشهداء الذين سقطوا في يوم غضب المصريين، على ايدي اجهزة النظام وبلطجيته، وما عاناه ابناء الشعب من قمع وعسف وتجويع على مدى ثلاثين عاماً.
الواضح ان تنازلات مبارك ليست مقنعة، والتكتيكات التي استخدمها على مدى اسابيع، من تنظيم مظاهرات مناوئة، وهجوم بلطجية وصرف مرتبات ومحاولات نشر الشرطة مجددا وغيرها، والاهم.. استمرار آلته الاعلامية في محاولة تقديم صورة مغايرة، كانت مفاجأة لي، فهي تصرفات رئيس غير مسؤول، وغير "فاهم" ويظن أن بامكانه تغطية شمس ميدان التحرير "الشهداء حاليا" بغربال.
توجه الجماهير التي تضخمت للزحف تجاه القصر الجمهوري، بعد رفضها خطاب مبارك، يضع حقا الكرة في ملعب الجيش الذي هدد به وزير الخارجية أحمد ابو الغيط "المغامرين" من الجماهير، وتناسى ابو الغيط ومن ورائه، ان استخدام الجيش سيف ذو حدين، فالجيش قد يرفض الاوامر التي تصدر له، او على الاقل وحدات منه سترفضها، ولن يكون مقبولا دوليا ان يستخدم النظام الجيش.
والجيش اعلن موقفه في بيان مجلسه الاعلى الاول، الذي صدر دون حضور "القائد العام، رئيس المجلس"، بانه مع الشعب. وهو موقف لا اخال قيادات الجيش قد تتزحزح عنه، لأن الجيش اولا واخيرا جيش الشعب وليس جيش النظام ومبارك.
"بالملايين شهداء على القصر الجمهوري رايحين".. هتاف المتظاهرين في الميدان، يرسم صورة يوم غد في مصر.. انه يوم سينتزع فيه الشعب مبارك وسليمان عن كرسيهما.. وربما محاكمتهما ومحاكمة كل اركان النظام الذي بات من الماضي.
ثمة مخاوف من الجيش طبعا وبالتحديد من قوات الحرس الجمهوري، ولكن اي غبي قد يظل حتى النهاية، مستعدا للدفاع عن نظام ابتلعه ثقب التاريخ الاسود، لهذاأانا على ثقة من ان الجيش، جيش الشعب، بطل اكتوبر ومن قدم التضحيات الجسام في سبيل مصر وفلسطين، لن يطلق رصاصة واحدة على صدور مواطنيه.
يبقى ان اللواء عمر سليمان، الذي احرق اوراقه بتوليه منصب نائب الرئيس، سيكون عبرة وعظة.. في تاريخ لا يرحم من لا يفهم حركته.
الخطاب يؤكد أن الرئيس مبارك ونظامه في غيبوبة، وسيأتي يوم.. لكنه متاخر جداً، يفهم فيه مبارك ما لم يفهمه قبلا، رغم ان الفرص واتته.. الا انه تمسك بالسلطة والوهم.
مصر الغد.. مصر جديدة.. مصر الحرية والشمس والافاق الرحبة.. وقبلة على جبين كل المصريين.