المقصود بـ "المعادن" كل ما يستخرج من جوف الكرة الأرضية شاملا برها وبحرها. وبهذا التعريف المختصر يعتبر النفط والغاز من المعادن. وفي مناسبة سابقة، كتبت في هذا الحيز في يوم 22/6/2010، تحت عنوان 'لعنة المعادن' ما ملخصه:- إن دولة كـ فنزويلا، وهي من الدول المؤسسة لمنظمة 'أوبك' ومن أقدم الدول المنتجة للنفط لم ينفعها تصدير النفط كثيرا ولم يرفع مستوى معيشة مواطنيها بل العكس هو الذي حصل، إذ إن تصدير النفط أكسب الحكومة الفنزويلية مبالغ كبيرة من العملات الأجنبية الصعبة ما أدى على مرور عشرات السنين إلى تغيرات هيكلية سلبية أضعفت بنية الاقتصاد الفنزويلي الكلي.
فارتفاع احتياطات فنزويلا من العملات الأجنبية رفع قيمة عملتها الوطنية. وارتفاع قيمة عملتها بدوره أدى إلى زيادة الواردات وتدني الصادرات. وذلك يعني إضعاف القطاع الزراعي والصناعي المحلي الوليد في وقت بدايات تصدير النفط. وسرعان ما أدى ذلك إلى ارتفاع نسب البطالة. فلجأت الحكومات المختلفة إلى ضخ المزيد من العملة الوطنية حتى ارتفعت نسب التضخم من دون أن يرافق ارتفاعها انخفاض في نسب البطالة. وهذا ما صار يسمى في الأدبيات الاقتصادية 'لعنة المعادن' أو 'لعنة المصادر'.
وما حدث في فنزويلا حدث بدرجة أسوأ في نيجيريا وإيران، وحدث إلى درجة أقل في ليبيا والجزائر. أما في دول الخليج العربية فإن تصديرها للنفط رفع حتما مستوى معيشة أبنائها ومكنها من بناء محاور التنمية الأساسية ولم يفسد عملاتها الوطنية لأنها كلها وضعت فاصلا شبه حديدي بين ممتلكاتها من العملات الأجنبية ومستوى السيولة من العملات الوطنية المحلية. إلى جانب أن عملاتها مرتبطة جزئيا أو كليا بالدولار. وتجارة النفط بالدولار. أي أن الموجودات من العملات الأجنبية التي تملكها الدول الخليجية لا تتحول ذاتيا (أو أوتوماتيكيا) إلى عملات وطنية خليجية. أي أن دول الخليج بما فيها السعودية درجت على 'تعقيم' عملتها.
وجوهر الموضوع، قد يؤدي تصدير المعادن وما يماثلها كالنفط، إلى ارتفاع نسبة النمو، كما قد يؤدي إلى تدمير البنية الهيكلية السابقة وتدني كفاءة الإنتاج. وأهم مساوئ تصدير النفط في دول الخليج العربية هو آفة الاستقدام وما ترتب على ذلك من ارتفاع نسب بطالة المواطنين. وفي يوم السبت 17/3/2012 كتب الزميل الدكتور حمزة السالم أيضا عن أهمية فهم 'لعنة المعادن' تحت عنوان 'سكرة النفط'، ومما جاء في مقال الدكتور السالم ما يأتي: (لعنة النفط) هكذا يذكر النفط عند مفكري الغرب في مباحثاتهم الاستراتيجية حول الاقتصاد والمجتمعات.
ونحن في السعودية، قد أدركنا خير كثير من النفط، ولكننا لم نسلم من سكرته. ولا أتحدث اليوم عن وضعنا الاقتصادي القائم غالبا على استنزاف النفط لا استغلال النفط. فهذا موضوع معروف منتبه له من مفكري الدولة، وإن كانت الجدية والحلول لا ترقى إلى عظم وخطورة الحال'. ثم يضيف الدكتور حمزة بما معناه أن ما حققته لنا عوائد النفط من خيرات كثيرة أوهمتنا أن الخيرات الكثيرة والتغيرات الهيكلية الحميدة (كانتشار التعليم بصرف النظر عن مستواه) التي أدى وجود البترول إلى تحقيقها في كل مجالات التنمية، أدت أيضا إلى مشكلات اجتماعية وتنظيمية وهيكلية أخرى. وجوهر الموضوع أن وجود النفط والغاز في بلادنا أدى إلى وجود البطالة المتزايدة التي رافقت زيادة عدد المستقدمين. فلم تكن في الجزيرة العربية بطالة حقيقية إلا بعد الطفرة الاقتصادية الأولى في سبعينات القرن الماضي. فقد كان السعوديون، بل وعرب الخليج بعامة هم الذين يبنون وهم الذين يصنعون وهم الذين يعدون الطعام وهم الذين يرعون مواشيهم. صحيح أن البنية الاقتصادية كانت متواضعة شبه بدائية ولكنها لم تخلق بطالة. والبطالة لم تنته بانتهاء الطفرة الأولى (1974- 1978) ولكنها استمرت بعدها وحتى خلال فترة تدني عائدات النفط. وهذا هو عادة ما يحدث بعد تغير البنية الهيكلية للاقتصاد الوطني.
والسؤال: هل يمكننا عزل قطاع النفط عن بقية قطاعاتنا الاقتصادية، كما فعلت دول صناعية متقدمة كهولندا والنروج بعد اكتشاف كميات كبيرة من النفط والغاز؟ بالطبع لا. ليس في أيدينا من هذه الناحية إلا محاولة رفع مستوى مخرجات التعليم لبناء رأسمال في رؤوس أولادنا (الأولاد كل ما يولد من ذكور وإناث) يتعذر فقده أو نضوبه أو الاستيلاء عليه.
