كل الحق على " الباسمشكات"!!! -سلام نجم الدين الشرابي - سورية

تاريخ النشر: 06 سبتمبر 2010 - 03:35 GMT
الباسمشكات
الباسمشكات

قررتُ والعائلة الكريمة تناول الإفطار في المطعم كنوع من التغيير، شجعني على ذلك أن الطبق الرئيس لذلك اليوم كان "باسمشكات"، ولأني إلى الآن غير مقتنعة باعتبار الإبرة والخيط من أدوات المطبخ، جهلت كيفية صنع هذا الطبق اللذيذ، فكان القرار بتناوله في إحدى المطاعم الدمشقية التي تحسن صنعه.

 

ولمن لا يعرف الباسمشكات! فهي أكلة من المطبخ الشامي معروفة عند أهل دمشق، تركية الأصل، وكانت تقدم فقط للطبقة الرفيعة المستوى لاحتوائها على مواد غالية الثمن في ذلك الزمان.

 

وتتكون الباسمشكات من لحم شرائح (ستيك) أو "شرحات" توضع كل شريحتين متساويتين في القياس فوق بعضهما وتخاط من الأطراف باستخدام الإبرة والخيط، وتترك مساحة صغيرة لوضع الحشوة التي تتكون من اللحمة المفرومة والأرز والمكسرات بأنواعها، بعد ذلك تخاط الفتحة الصغيرة وتقلى بالسمن، ومن ثم تضاف لها الصلصة الخاصة بها.

 

جلستُ على الطاولة في انتظار أذان المغرب وأمامي صحن الباسمشكات أتوق شوقاً لتذوقه، وما إن رُفع الآذان حتى بدأت  الألسنة تلهج بالدعاء، وتعالت أصوت كؤوس الماء وقرقعة الملاعق والأطباق.

 

أمسكت الشوكة والسكين لأظفر بلقمة من الباسمشكات، وإذ بأصوات شاذة وضجيج يعم المكان، رفعت رأسي نحو مصدر الصوت لأتبيّن ما هو؟ وإذا بأشياء تقفز أمامي؛ تذهب يميناً ثم تعود شمالاً تصعد لفوق ثم تنزل بسرعة عجيبة للأسفل! يطلقون  عليها "الفيديو كليب"

 

ولولا يقيني أن الشياطين قد صُفدت لقلت أنها الشياطين بعينها، ولكنها شياطين الإنس التي أسندت لها الشياطين المهمة قبل أن تُصفد.

 

لم أتمالك نفسي وناديت على النادل أطلب منه تغيير القناة مبدية استيائي من عرض مثل هذه الأشياء غير اللائقة في أي زمان وأي مكان فكيف عند الفطور وفي شهر رمضان!!

 

وترحمت على أيام قد مضت حين كانت المطاعم الدمشقية تبث آيات من الذكر الحكيم قبل الإفطار، ثم الدعاء الذي يأتي على القناة السورية الأولى عقب الأذان. والبعض الآخر احتفظ بالتراث الشامي فأطلق العنان للحكواتي (القصاص الشعبي) ليتخذ مكانه على سدّة عالية في صدر المقهى، يروي الحكايات الحماسية التي تحمل قيم الأصالة والشهامة، متمثلة بالشجاعة والكرم والحميّة والوفاء والصدق والمروءة والجرأة وحفظ الذمم ورعاية الذمار والجار... وغيرها من المكارم التي تنسب إلى أبطال الرواية.

 

 

وعودة إلى النادل الذي استنكر استنكاري فقال لي: "هيك بدها الناس" ولأني أنا من الناس – بحسب ما أعتقد- وأمثل والطاولة التي أجلس عليها بما فيها من طلبات وعلى رأسها صحن الباسمشكات عملة نقدية استجاب لطلبي ووعدني خيراً..

 

 وما إن استقرت نفسيتي بزوال ذلك الصخب، وهممت بتناول اللقمة الأولى من وجبتي المفضلة حتى تناهى إلى سمعي همس وكلمات عشق وهيام... رفعت رأسي وإذا به فيلم من الأفلام العربية ولك أن تتخيل ما فيها...

 

نظرت إلى النادل الذي أبدى حيرته وهو يهم بالتقليب أياً من القنوات يضع وأغلب ما فيها غث... تمنيت حينها وربما لأني لم أحظ بتناول طبقي المفضل لو يتحول التلفاز لقطعة باسمشكات ليس لالتهمه؛ وإنما لأغلقه وأخيطه بالإبرة والخيط، وحينها سأضم الإبرة والخيط ليس فقط إلى أدوات المطبخ، بل إلى أجهزة الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش.