كرر الرئيس السوري بشار الأسد التأكيد على إرادة بلاده والعرب من أجل السلام والسعي إلى تحقيقه، وثمّن الجهود الكبيرة التي تبذلها روسيا من أجل إنجاح عملية السلام في الشرق الأوسط، وذلك خلال مأدبة عشاء أقامها مساء الاثنين على شرف الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف.
كما دعا موسكو إلى المساهمة في جعل الشرق الأوسط منطقة منزوعة السلاح النووي. وقال الأسد إن "سوريا تدعم الجهود لتقليص الأسلحة الإستراتيجية الهجومية والحد من انتشارها"، داعيا روسيا إلى الإسهام في جعل الشرق الأوسط منطقة خالية من جميع أسلحة الدمار الشامل وخاصة النووية منها.
وطالب الأسد نظيره الروسي بالمساهمة في "إيجاد حل دبلوماسي لملف إيران النووي"، رافضا أي مغامرة عسكرية "ستكون عواقبها كارثية على المنطقة والعالم".
بدوره أعرب الرئيس الروسي عن ثقته بقدرة روسيا وسوريا على حل العديد من القضايا الإقليمية والدولية مشيراً بشكل خاص إلى بذل الجهود لاستئناف عملية السلام في الشرق الأوسط وإنهاء النزاع العربي الإسرائيلي. كما أعرب الأمل في "زيادة التعاون الاقتصادي والاستثماري والعلمي بين البلدين".
وكان ميدفيديف قد وصل مساء الاثنين إلى دمشق في أول زيارة لرئيس روسيا إلى سوريا وهي تهدف إلى توثيق العلاقات مع الحليف السابق للحقبة السوفياتية.
ويستكمل الرئيسان محادثاتهما العلاقات الثنائية وتطورات الأوضاع في المنطقة، كما سيتم التوقيع على عدد من اتفاقيات التعاون بين سوريا وروسيا.
ومن المنتظر أن توقع روسيا وسوريا اتفاقيات تعاون في مجالات النقل الجوي وتكنولوجيا المعلومات وحماية البيئة والعلوم والتقنية والسياحة.
في هذا الإطار، قال الكسندر سلطانوف نائب وزير الخارجية الروسية المبعوث الخاص لرئيس روسيا الاتحادية إلى الشرق الأوسط، إن روسيا تعتبر سوريا تقليدياً أحد شركائها الأساسيين في منطقة الشرق الأوسط.
وأضاف سلطانوف في حديث لوكالة الأنباء السورية سانا "أن السنوات الأخيرة شهدت زيادة فعالية الحوار السياسي السوري الروسي المتسم بطابع الثقة"، لافتاً إلى أن زيارة الرئيس دميتري ميدفيديف إلى دمشق ومباحثاته مع الرئيس بشار الأسد تشكل خطوة مهمة جديدة على طريق الوصول بالعلاقات السورية الروسية إلى مستوى متقدم.
وأعلن المبعوث الخاص للرئيس الروسي أن من أولويات قمة دمشق بحث مسائل التعاون السياسي الخارجي بين سوريا وروسيا والذي يكمن أساسه في تطابق أو تقارب المواقف في القضايا الدولية والإقليمية الملحة إضافة إلى زيادة التعاون الاقتصادي والتجاري واستكمال آلياته وتنويعه ليشمل مجالات جديدة عالية التكنولوجيا.
وأشار سلطانوف إلى أن الاتجاه الأساسي للتعاون الاقتصادي مع سوريا يتجسد حاليا في قطاع النفط والغاز بما في ذلك مشاريع نقل موارد الطاقة وكذلك الطاقة الكهربائية ومشاريع المياه والري.
هذا وقد تم في العام الماضي تشغيل أنبوب الغاز العربي في الأراضي السورية وجرى انجاز محطة كبيرة لتكرير الغاز من شركة "ستروي ترانس غاز" الروسية وبدأ في عام 2010 الاستثمار الصناعي لمكمن النفط في منطقة كشمة الجنوبية الذي اكتشفته شركة "تات نفط" نتيجة أعمال المسح الجيولوجي والذي تقدر احتياطياته الممكن استخراجها بنحو 4.9 مليون طن من النفط
وقال مسؤول في الوفد الروسي رافضا كشف هويته "لقد حطت الطائرة"، وذلك بعيد وصول ميدفيديف الذي تستمر زيارته لسوريا حتى الثلاثاء. وافاد التلفزيون السوري الرسمي ان الرئيس السوري بشار الاسد اقام بعدها استقبالا رسميا لنظيره الروسي في قصر الشعب. وازدانت العاصمة السورية بالاعلام الروسية احتفاء بزيارة تكتسب "اهمية استثنائية كبيرة" وفق صحيفة تشرين الحكومية. واضافت الصحيفة ان الزيارة "تعبير صريح وواضح عن تقدير القيادة والشعب الروسيين لمكانة سورية ودورها في صيانة وحفظ الاستقرار الاقليمي، وعن دعم روسيا الاتحادية للسياسات السورية، وحقوق سورية في استعادة الجولان المحتل".
ويرافق ميدفيديف وفد كبير من رجال الاعمال ووزير الطاقة الروسي سيرغي شماتكو، بحسب متحدث باسم السفارة الروسية في دمشق طلب عدم كشف هويته. وقال المتحدث الروسي لفرانس برس: "نسعى لتعويض ما فات مع اصدقائنا القدامى".
ومن المقرر ان يلتقي الرئيسان الروسي والسوري مجددا الثلاثاء قبل ان يغادر ميدفيديف سوريا متوجها الى تركيا. ويصل ميدفيديف غداة زيارة قام بها الاسد لتركيا حيث بحث مع نظيره التركي عبدالله غول الملفين الايراني والاسرائيلي.
وسوريا كانت من الدول النادرة التي دعمت روسيا في حربها على جورجيا في 2008، وكانت الحليف الرئيسي لموسكو ايام الاتحاد السوفياتي ولا تزال تشتري القسم الاكبر من اسلحتها من روسيا.
وخلال الحرب الباردة كانت لروسيا قاعدة بحرية في مرفا طرطوس لكن العلاقات بين البلدين ضعفت مع انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، كما حصل مع العديد من الحلفاء السابقين.
وكان ميدفيديف والاسد التقيا للمرة الاولى في اب/اغسطس 2008 عندما استقبل الزعيم الروسي نظيره السوري في سوتشي على البحر الاسود بعد الحرب بين روسيا وجورجيا.
وروسيا عضو في اللجنة الرباعية حول الشرق الاوسط، الى جانب الاتحاد الاوروبي والامم المتحدة والولايات المتحدة، ولطالما دعت الى استضافة مؤتمر للسلام في الشرق الاوسط.
وتاتي زيارة ميدفيديف بعد ايام على تجديد واشنطن للعقوبات الاميركية على سوريا لمدة عام بعد اتهامها، مع ايران، بدعم المجموعات "الارهابية".
ويقول محللون ان نفوذ موسكو في الشرق الاوسط سيكون رهنا بعلاقاتها مع سوريا التي تضطلع بدور متزايد في هذه المنطقة وتقيم علاقات وثيقة مع ايران وحزب الله اللبناني وحركة المقاومة الاسلامية حماس.
وتقيم موسكو علاقات وثيقة مع حماس في حين ترفض الحكومات الغربية التعامل مع هذه الحركة وتصفها بانها منظمة ارهابية.
ويقول محللون ان العقوبات على ايران والضغوط الاميركية على سوريا ستحتل حيزا كبيرا من المحادثات بين ميدفيديف والاسد.
وقال الكسندر شوميلين المسؤول عن مركز تحليل نزاعات الشرق الاوسط في المعهد الكندي والاميركي في روسيا ان "روسيا ستسعى الى تخفيف الضغط على سوريا". وقال اليكسي مالاشينكو المحلل في مركز كارنغي في موسكو ان الزيارة "ستكون ذريعة اضافية لاثبات اننا نتحاور مع من نشاء".
من جهتها، وصفت مصادر دبلوماسية روسية زيارة الرئيس الروسي إلى دمشق بأنها "هامة وطبيعية جداً"، وأعربت عن قناعتها بأنها "تعبّر عن رغبة روسية في تجدد العلاقة مع بلد صديق منذ عقود"، مشيراً إلى أنه سيتم خلالها "التأكيد على رغبة روسيا في تطوير العلاقات مع سورية في العديد من المجالات السياسية والاقتصادية" حسب قولها.
وأوضحت المصادر في تعليق لوكالة (آكي) الإيطالية للأنباء أن "مؤتمر السلام المتعلق بالشرق الأوسط، والمفاوضات غير المباشرة السوري - الإسرائيلية المتوقفة، وموقف كلا البلدين من تشكيل الحكومة العراقية والوضع في لبنان سيكون ضمن الأمور التي سيناقشها الزعيمان"، ونفت أن يتم التوقيع على أي اتفاق عسكري خلال الزيارة,
وتنظر سورية إلى الزيارة بخصوصية شديدة، وتأمل أن تشكًل نقلة نوعية في العلاقات بين البلدين، وأن ترتقي إلى علاقة استراتيجية، وأن تطال اتفاقات عسكرية دفاعية مشتركة في مرحلة لاحقة.
وبلغ يبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام الماضي نحو 1.3 مليار دولار، وهو يشكل نحو 20% من إجمالي التبادل التجاري الروسي مع جميع الدول العربية، وتتوقع بعض المصادر السورية أن يرتفع إلى ملياري دولار العام الجاري.
وتسعى دمشق للتزود بأسلحة روسية صاروخية أو غير صاروخية لتحمي سماء سورية، وكذلك تمتين العلاقات السياسية مع روسيا للاستفادة القصوى من عضويتها الدائمة في مجلس الأمن ومن دورها السياسي العالمي المتنامي. فيما تحاول روسيا استثمار عدم نجاح الولايات المتحدة في أكثر من ملف في الشرق الأوسط لتفرض لنفسها دور هام في المنطقة.
