يوسف غيشان
بالساحة تلاقينا بالساحة
عليها جوز عيون شو دباحة
هذا ما كنت اردده وأنا ألج ساحة الندوة (الفوروم)، وقبل أن أغرق في شُهد هيبتها الطاغية أغوص بلا بوصلة في انسيكلوبيدا الزمن الذي يعزف لحناً أوبرا ليا بساحة الندوة لمّا ينتهي بعد، وما تزال عصا المايسترو ممثلة بالشعلة – شعلة المهرجان – تحرك العازفين الممثلين بالأعمدة المحيطة ليتصاعد اللحن (هارمونيا) فيلف روعة المكان.
توقفت عن الغناء المباح، أرهفت روحي لموسيقى الكون.
- من أنت؟
سألتني الساحة
- أنا لا أحد.
- لماذا تجئ دائماً بعد ان ينفك (السامر)!
- هكذا أنا متأخر دائماً!
- اجلس إذا قرب أعمدتي ولنتحادث.
أخذت عاموداً مزينا بتاج (كورنثي) خلعت نعلى، أبعدته عن الأرض المقدسة .. ارض الساحة وأنصت لها دون أن انبس ببنت شفة.
- لا أذكر متى ولدت لكني كنت من أبد الدهر، ربما كنت مصنعاً للأواني الصوانية والأرواح الحجرية قبل ستة آلاف سنة وقد شهدت جميع الحضارات التي دبّت على هذه الأرض وقد توجني الأنباط بهيكل الإله (ذو الشرى) ودخلت تحت جناح روما والتحقت بالمقاطعة السورية، وصرت أحد أهم تحالف المدن العشر (الديكابوليس).
قاطعت حديث الساحة التاريخي وقلت :
- لكني صحفي وأريد حديثاً صحافياً ولا أريد استعراض القرون على قارعة الوقت.
- هل تريد أن تعيدني إلى وضعي الحالي، انظر اليّ أنا مجرد ساحة حجرية تتراقص في أرجائها علب المشروبات الغازية الفارغة وبقايا الزوار هل تريدني أن انسى الماضي مثلكم إن من ينسى ماضيه يطلق رصاصة على رأس مستقبله !!!.
وأنا لا أجيد إطلاق الرصاص، وافضل أن أكون واحة للمحبة ومتنزهاً للعشاق ، ومكتوباً غرامياً يزقزق في فضاء الكون.
- رجعنا إلى الرومانسيات!!
- اغلق فمك واستمع، فالساحات لا تتحدث إلا نادراً، الحياة صراع بين الأعمدة والساحات، إلا عندي فأنا و أعمدتي نشكل جزءاً وكلاً واحداً لا يفرقنا التاريخ ولا الجغرافيا.
نحن المصبّ النهائي لجميع القادمين إلى جرش احتضن الزائر أنا ثم يزنره شارع الأعمدة حتى البوابة الشمالية منقوعاً بالروعة والهيبة.
لا تهمني فوضاكم ولا قماماتكم لأني اعرف من أنا ومن أكون .. انتم تزدادون بهوتاً كل يوم وأنا ازداد عراقة.. أنا مثل النبيذ أصير أروع واجمل نكهة كلما أوغلت في الزمن وانتم مثل الماء كلما ركد كلما ازداد فساداً.
- لا تعانين أنت من فساد الأمكنة؟
- اعاني فقط من فساد الأزمنة.
- عدنا إلى الرومانسيات؟
- أنت لا تجيد الاستماع.. حل عن عواميدي!!
أغلقت الساحة فمها، وسكتت عن الكلام المباح قبل أن يدرك شهرزاد الصباح.