سبارتكوس: نحن العبيد ضقنا ذرعا بروما العفنة
لابو لابو: الإله الذي نعبده هو إله جميع البشر
مالكوم اكس: ثمن الحرية هو الموت
جورج واشنطن: عندما تسلب حرية التعبير والرأي نقاد الى المسالخ
خالد أبو الخير
كثيرة هي الكلمات التي نقلت عن الأسير الفلسطيني في سجون الاحتلال الاسرائيلي سامر العيساوي، المضرب عن الطعام منذ 9 شهور، ومعها يعد صاحب أطول إضراب عن الطعام في تاريخ البشرية، بيد أن أبلغها عبارةً :"وعي الحرية.. أقوى من وعي الموت".
العيساوي الذي وعى حريته، وأجبر الاحتلال على الإذعان له، واضطره مرغما على إطلاق سراحه بصفقة، خطّ سطرا من ذهب في أفق الحرية الشاسع.
من وعي الحرية التي إذا انفجرت في النفس الإنسانية ما عاد لأحد القدرة على السيطرة عليه، حتى لو استخدمت ضده أعتى أدوات القمع، وفق ما يقول الفيلسوف سارتر، يمكن أن نبدأ سردنا لقصة أولئك الذين تحرروا وعلت أرجلهم فوق رقاب جلاديهم.
هبة من الله
الحرية هبة من الله سبحانه وتعالى، وهي نقيض العبودية، وبهذا المعنى جاء قول الخليفة عمر بن الخطاب لواليه على مصر: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً".
وبهذا المعنى قول للأديب نجيب الريحاني: حريتي من الله فإن فقدتها فأنا وحدي المسؤول عن ذلك.
وطريق الحرية دوما معبّد بالأشواك والمعاناة، وفي هذا قال أحمد شوقي في قصيدته التي خاطب بها دمشق، إبان معركة ميسلون ضد المحتل الفرنسي 1920، ويصح استعادتها الآن، إذ إن دمشق تقاتل مرة أخرى من أجل حريتها:
وَلِلحُرِّيَّةِ الحَمراءِ بابٌ
بكُلِّ يَدٍ مُضَـــرَّجَةٍ يُدَقُّ
ونقل عن الملك فيصل الأول قوله: الحرية لا تعطى بل تؤخذ أخذاً.
لشيخ الشهداء عمر المختار قوله المشهور، بأن لا بديل عن الحرية: نحن لن نستسلم، ننتصر أو نموت.
وللشاعر الفرنسي لامارتين قول في الحرية مهم هو:
"أي قيمة للفضيلة إذا لم توجد حرية"، فالحرية وفقة، ووفق فلاسفة وفقهاء شرط للفضيلة. بل إن الحرية شرط من شروط الحضانة في الاسلام.
ولقائد تحرير الولايات المتحدة عن بريطانيا وأول رئيس امريكي قول: إننا عندما تسلب حرية التعبير والرأي منا فإننا نقاد كما تقاد الحيوانات الى المسالخ.
سبارتكوس
هو صاحب أول ثورة للعبيد في التاريخ، ولد عام 109 ق.م- مات 71 ق.م، في تراقيا استعبد من قبل الرومان، وزج به للعمل في محاجر ليبيا، قبل أن ينتقل الى مدرسة المجالدين في "كابوا" التي أسسها أحد النبلاء ليزود الكوليسوم، وهو ستاد المصارعة في روما، بالمجالدين الذين قاتلوا بعضهم بعضا حتى الموت، لا لشيء، إلا ليبثوا بفعلهم هذا السعادة والحبور في الجمهور المتعطش للدماء.
بداية الثورة كانت في كابوا حين حاول 200 من المجالدين الهرب، نجح 78 منهم في ذلك وتسلحوا وتحصنوا في سفح بركان فيزوف، واختاروا سبارتكوس قائدا لهم.
من هناك، من سفح البركان، أرسل سبارتكوس نداءه الى إلى الأرقاء في إيطاليا يدعوهم إلى الثورة. وسرعان ما التفّ حوله سبعون ألفا متعطشين للحرية والانتقام، نجحوا في صد الجيوش التي أرسلت لقمعهم، ودبت انتصاراته الخوف والهلع في قلوب نبلاء الامبراطورية.
وضع سبارتكوس خطة لمغادرة ايطاليا بغية أن يعود كل مستعبد الى موطنه، لكن أتباعه لم يكونوا متشبعين مثله بهذه العواطف الرقيقة السلمية، فتمردوا على قائدهم وبدأوا عمليات سلب ونهب وتدمير المدن.
دارت معارك عديدة بين الثوار والجيوش الرومانية، انتصر فيها سبارتكوس وكان من أهمها الهزيمة الساحقة التي ألحقوها بجيش فارينيوس البالغ عدده ثلاثة آلاف روماني، لم يبق منهم حيّاً سوى جندي واحد أحضروه أمام سبارتكوس الذي سأله وهو يهزّ في يده مقبضاً من العاج محفوراً على جانبه شارة موجهة إلى القائد الروماني القتيل: أيها الروماني الحر هل تعرف ما هذه؟
أجاب الجندي: إنها شارة مجلس الشيوخ التي سلمها إلى القائد. عندها تقدم سبارتكوس من الجندي وأعطاه مقبض العاج محملا إياه رسالة الى روما.. تصلح أن توجه الآن الى كل الدول التي تتمادى في طغيانها، اقتبس منها:
"قل لهم إنهم أرسلوا كتائبهم ضدنا وأننا قد حطّمناها. أروِ لهم أننا نحن العبيد قد ضقنا ذرعاً بمجلس شيوخكم العفن وبروما المقيتة التي أغرقتكم بالثروة التي اعتصرتموها من دمائنا وعظامنا. قل لهم أي جماعة فاسدة أنتم، وإلى أي فوضى قذرة قد أحلتم الحياة! إن مواطنيكم يعيشون على دماء الضحايا ويمضون أيامهم في ميادين السباق وساحات المصارعة. أنتم تقتلون حبّاً في القتل، ومتعتكم الرقيقة هي رؤية الدماء تتدفق وقد شيّدتم عظمتكم على سرقة العالم بأسره..".
لكن اندلاع الخلافات في جيش سبارتكوس علىأولويات الثورة، وعدم نجاحهم في مغادرة ايطاليا الى افريقيا بسبب خيانة القراصنة له، وعودة كتائب بومبي من اسبانيا لتقوية جيش كراسوس أوصلت سبارتكوس الى الهزيمة.. ولكن كيف مات؟
انقض سبارتكوس على جيش كراسوس وألقى بنفسه في وسطه مرحّباً بالموت في وسط المعمعة، وقتل بيديه ضابطين رومانين، لكنه أصيب بطعنة ألقته على الأرض وأعجزته عن النهوض، وظل يقاتل وهو راكع على ركبتيه إلى أن مات وتمزّق جسمه حتى لم يكن من المستطاع أن يتعرّف عليه أحد. وهلك معظم أتباعه وفّر بعضهم إلى الغابات.
تحقق النصر لكراسوس، واحتفالاً بانتصاره صلب ستة آلاف من الأسرى على طول الطريق من كابوا إلى روم، وتركت أجسامهم المصلوبة لتتعفّن على هذه الحال شهوراً عدة تطميناً لجميع السادة وإرهاباً لجميع العبيد. لكن صرخة سبارتكوس.. بقيت.
لابو لابو
القارئ لتاريخ الرحالة فرديناند ماجلان، الذي دار لأول مرة حول الكرة الارضية، سيقرأ في المصادر الغربية وبعض المصادر العربية للاسف، أن أكلة لحوم البشر المتوحشين أكلوه في الفلبين. لكن وراء هذه الرواية الكاذبة قصة بطل مسلم وعى الحرية، هو السلطان الفلبيني لابو لابو.
وصل الإسلام الفلبين عبر التجار والملاحين والدعاة الذين جابوا جزرها ابتداء من العام 1380. وقبل مجيء الأسبان عام 1521 كان الإسلام قد وصل إلى حدود مانيلا.
حال وصول ماجلان في رحلته الاولى عقد اتفاق مع حاكم جزيرة سيبو يقضي أن يوليه ملك الجزر المجاورة تحت التاج الأسباني مقابل أن يساعده على تنصير الشعب الفلبيني. وكان بالقرب من الاسبان جزيرة تدعى ماكتان، عليها سلطان مسلم يدعى لابو لابو، فناصبوه العداء، واجتاحوا الجزيرة، فقاومهم الاهالي. أضرم الأسبان في أكواخ السكان النار ففروا هاربين.
لكن السلطان لابو لابو رفض الخضوع لماجلان وحرض سكان الجزر المجاورة عليه، ورأى ماجلان الفرصة مناسبة لإظهار قوته وأسلحته الحديثة فذهب مع بعض جنوده لتأديبه، طلب ماجلان من لابو لابو التسليم قائلا: "إنني باسم المسيح أطلب إليك التسليم، ونحن العرق الأبيض أصحاب الحضارة أولى منكم بحكم هذه البلاد". فأجابه لابو لابو: "إن الدين لله، والإله الذي نعبده هو إله جميع البشر على اختلاف ألوانهم".
وبدأت المعركة عندما هاجم الاسبان المدججون بالدروع والخوذ والاسلحة اهالي الجزيرة المسلحين بسهام مصنوعة من البامبو وبعض الرماح والسيوف القصيرة، ولوهلة بدأ الاسبان بتمزيق الاجساد نصف العارية بسيوفهم الحادة والطويلة ويضربون الرؤوس بالتروس ومقاليع الحديد، ولم يهتموا بسهام البامبو المدببة وهي تنهال عليهم من كل صوب، فقد كانوا يصدونها ساخرين بالخوذ والدروع. لكن المسلمين صمدوا، وفي لقاء المواجهة بين ماجلان ولابو لابو حدث ما يلي:
بدأت اللقاء الفاصل بحذر شديد، والتفاف كل حول الآخر، ثم فجأة انقض ماجلان بسيفه -وهو يحمي صدره بدرعه الثقيل- على الفتى المسلم عاري الصدر(لابو لابو) ووجه اليه ضربه صاعقة، وانحرف الفتى بسرعة وتفادى الضربة بينما الرمح فى يده يتجه في حركة خاطفة الى عنق ماجلان.. لم تكن الاصابة قاتلة، ولكن انبثاق الدم كان كافيا لتصطك ساقا القائد المغمورتان في الماء وهو يتراجع الى الخلف وينقض بالترس الحديدي على رأس الزعيم الشاب.. وللمرة الثانية يتفادى لابو لابو الضربة.. في نفس اللحظة ينقض بكل قوة بسيفه القصير فيشق رأس ماجلان الذي سقط مضرجا بدمائه.
بينما ارتفعت صيحات الهتاف: ..لابو.. لابو..
بعد سقوط ماجلان فر جنوده مرتعدين.
ورفض لابو لابو تسليم جثته للأسبان وما يزال قبره شاهدا على ذلك هناك حتى الآن.
يعتبر الفلبينيون بجميع طوائفهم وأديانهم ومذاهبهم لابو لابو بطلا قوميا قاوم الاستعمار وحفظ لهم حريتهم وكرامتهم وسطر لهم من المجد أحرفا من نور.
وليام والاس
كثيرون يعرفون قصة وليام والاس من الفيلم الشهير "قلب شجاع". لكن من المهم التأكيد أن والاس الذي أشعل الثورة على الانجليز المحتلين لبلده اسكتلندا، مات وهو يصرخ بالكلمة التي ناضل طوال حياته من أجلها: الحرية.
سير وليام والاس (1270- 23 أغسطس 1305م)، هو أحد الفرسان الذين قادوا الأسكتلنديين ضد إنجلترا حتى مقتله، واستطاع ان ينتصر على الانجليز في غير معركة أبرزها سترلينغ، بل هاجم شمال انجلترا وخربها. لكن تآمر النبلاء الاسكتلنديين عليه، وهو الفلاح البسيط، أدى الى هزيمته ثم اعتقاله. عندما ألقوا القبض على وليام والاس، أُخِذَ إلى إنجلترا، وقد عذبوه حتى يطلب الرحمة فرفض، فقاموا بشنقه، وإنزاله قبل أن يختنق، ثم قاموا بشده عن طريق ربط قدميه بحصانين، ويديه بحصانين آخرين، ثم قاموا بخصيه وإخراج أحشائه من بطنه، وقاموا بحرقها أمامه، ولكنه لم يركع طلباً للرحمة، وفضَّلَ أن يُعْدَم من أجل الحرية. فقاموا بقطع رأسه، وتعليقها على جسر لندن، وتم توزيع الأطراف منفصلة، في نيو كاسل وبرويك، وستيرلينغ، وآبرديين، حتى يكون عبرةً.
مالكوم اكس
مالكوم إكس (1925- 1965) هو المتحدث الرسمي لمنظمة أمة الإسلام ومؤسس كل من “مؤسسة المسجد الاسلامي” و“منظمة الوحدة الافريقية الامريكية”.
ولد مسيحيا باسم مالكولم ليتل، واهتدى الى الاسلام في السجن عندما كان في العشرين من عمره، وانضم الى حركة امة الاسلام، وناضل من يومها بشجاعة، وطويلاً دفاعا عن حقوق السود في الولايات المتحدة الامريكية وكان الى جانب القس مارتن لوثر كينج أبرز دعاة الحرية وحقوق الانسان في الستينيات. ترك حركة امة الاسلام في 1964، وسافر في رحلة إلى إفريقيا والشرق الأوسط، أدى خلالها مناسك الحج، ثم عاد إلى الولايات المتحدة الأمريكية، فأنشأ المسجد الإسلامي ومنظمة الوحدة الإفريقية الأمريكية. وفي شهر فبراير سنة 1965م، أي بعد أقل من سنة من تركه لحركة أمة الإسلام، اغتاله مجموعة من العنصريين البيض حين كان يلقي محاضرة.
وُصف مالكوم إكس بأنه واحدٌ من أعظم الإفريقيين الأمريكيين وأكثرهم تأثيراً على مر التاريخ.
من أقواله: "ثمن الحرية هو الموت"، و"لو اضطررت للتوسل إلى رجل آخر من أجل حريتك فأنت لن تنالها أبداً، الحرية شيء يجب أن تنالها أنت بنفسك"، و"لا تستطيع فصل السلام عن الحرية، فلا يمكن لأحد أن ينعم بالسلام ما لم يكن حراً".
وما زال السود في اميركا يتذكرون صرخته: نريد الحرية، العدل، المساواة بأي طريقة كانت.
لوركا..
ما زال بالبال مقطوعة شعرية للشاعر الروسي اندريه فوزنيسكي: "أحب لوركا.. أحب اسمه. كان الفرنكفويون قد قتلوه في 19 اغسطس 1936، وغرناطة تبكيه". كما ذكر لوركا العديد من الشعراء العرب وفي العالم.
فيديريكو غارسيا لوركا، شاعر اسباني رائع، يعد من أبرز شعراء القرن العشرين، قتل إبان الحرب الاهلية الاسبانية 1936-1939.
حين سيطر اليمينيون بقيادة الجنرال فرانكو على مدينة غرناطة التي عاد اليها لوركا بعد غياب، بعدما طفقت شهرته الآفاق اعتقلوا نسيبا له، فذهب لزيارته في السجن رغم الخوف الذي كان يعتريه.. لكنه لم يعد.
بعد أيام أعدم لوركا رميا بالرصاص، ولم يعثر على جثته مطلقاً.
لكن المثير في قصة هذا الشاعر الذي أراد وطنا باللون الاخضر، محاكيا خضرة الاندلس التي يعشق، أنه وقف أمام هيئة الاعدام غير هياب، بل ألقى عليهم احدى قصائده التي تمجد الحرية قبل أن ينطلق الرصاص، كما خلدته هذه الصورة.
من قصائده استذكر: "وعرفت أنني قتلت
وبحثوا عن جثتي في المقاهي والمدافن والكنائس
فتحوا البراميل والخزائن
سرقوا ثلاث جثثٍ
ونزعوا أسنانها الذهبية
ولكنهم لم يجدوني قط".
وبعد.. هي الحرية.. فأي وعي أقوى منها؟
* عن السبيل
