ابو سرداح
وفيما نحن سائران في الطريق.. نتبادل عبارات "الفرح بالاخر".. واقصد الفرح المنزه عن اية غاية، بمجرد الوجود برفقة انسان رائع.. تصادف ان التقيناه، واحببنا رفقته كثيرا.
وهي حالة لا يدركها كثيرون للاسف..
وفيما نحن كذلك.. سائران فوق السحاب.. يطير نسيم بحر مرمرة شعر نرجس ويلمس بخفة بشرة وجهي.. فتضحك بخفر، وتبتسم بعذوبة.. وتلمسك بيدي وتشد عليها، وقلبي يخفق كطبل بلدي، والدب يسير بقربنا يرمقنا بنظرات غريبة..
ويبنما نحن في تلك الحال.. اذ وقع انفجار في اسطنبول..
يا للهول.. فجاة تغير الحال..
وهرع الناس يركضون تجاه مصدره.. تبعتهم اجهزة الامن والشرطة والاسعاف..
فامسكت نرجس بيدي وقالت: هيا لنهرب لئلا يعتقلونا مع المشتبه بهم.
وهكذا كان..
وهات يا هرب.. حتى وصلنا معسكر الغجر بين روضة من الشجر ..
استقبلنا زعيمهم وهو رجل قصير القامة اسمر البشرة وله عين واحدة، ويربط راسه بعصابة حمراء، يلتف حوله بضع رجال.. فاقتربت نرجس منه وهمست في اذنه كلمات.
فاقبل مرحبا بي قائلا: اهلا بامير العشاق.. ابو سرداح
فقلت: المرداح
واردفت: اهلا بك.. (وانا افكر بمقدار الشبه بينه وبين دقرم).
قال وهو يسير بجانبي ويروزني من راسي الى اخمص قدمي: آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه.. يا ليتنا بقينا عشاقا ولم نكبر ونصير الى ما صرنا اليه.
قلت: العشق في القلب.
قال وهو يقودني للجلوس تحت شجرة: لقد هرم القلب وشاب يا ابو سرداح.
قلت: معاذ الله.. القلب لايشيب.. والروح لا تبلى.. الحكاية يا شيخ الغجر ان الواحد لازم يحافظ على روحه شابة.
وفي الاثناء اقبلت الفتيات الغجريات باثوابهن الملونة والمزركشة.. وجلسن في حلقة متجاورات يتهامسن وينظرن الي نظرات ذات مغزى.
قلت سائلا شيخ الغجر: هيه ايه الحكاية؟
قال.. بعد ان اخرج "البايب" بتاعه واشعله واخذ يدخن نافثا دخانه في وجهي: سيبك منهن.. دول بيفكروا ازاي يعملوا مسابقة عليك؟.
قلت: ايه..؟
قال: ولا يهمك يا باشا.. الحكاية بسيطة، اصل من تقاليد القبيلة بتاعتنا ان اجمل فتيات القبيلة لازم يتنافسن على أي راجل بمكانتك، يزورنا.. وتصطاده واحدة منهن.
وهنا فقدت اعصابي وقلت: الكلام ده ما يمشيش معايا.. يصطادوني ايه، هو انا عصفور..!
قال جادا: لا..انت عاشق.
سالته مزمجرا: وهيه دي تهمة؟.
قال وقد صفق بيده: لا.. بس التقاليد.
قلت: ما تخلنيش اشتم التقاليد..
ارتسمت على ملامحه وملامح الرجال اللي قعدوا حواليه ملامح الجد والزعل وقال مقربا وحهه من وجهي حتى شممت رائحته الشخصية وكانت مقرفة: بص يا ابو سرداح التقاليد لازم تحترم.
بعدين تباسط معي وقال: يعني انا لو جيتك زيارة على بيتك يصح اني اخلع هدومي وانزل في الشارع.
قلت: لا..
قال وقد امسك بي من كتفي كما يمسك الباشق بالزرزور: شفت بئا.. التقاليد ما ينفعش تتخالف.
قلت مستنجدا: وفين نرجس.. نررررجس.
قال: نرجس مش فاضيالك.. اصلها دلوقت بتجهز حالها تشترك في المباراة.
قلت: يا عم ما هي اصطادتني من بدري..!
ضحك وقال: لا دي حاجة.. ودي حاجة ثانية.
فوضعت يدي على خدي.. وعصبت حتى كدت ابكي. وانا اتطلع الى الفتيات يتهامسن ويجدلن حبالهن.. ولم المح نرجس معهن. فذهب ظني الى ابعد الظنون.
ولاحظت اثناء نظري الى الفتيات انهن لسن جميعا جميلات..
فسالت شيخ الغجر:انت ازاي بتقول ان جميلات القبيلة حيتنافسن علي..!؟
قال: ريح بالك يا ابو سرداح.. من تقاليدنا ان نصف جميع الفتيات بالجميلات.
وفكرت: معهم حق.. المرأة مهما كانت كائن جميل .
وسالته وقد سلمت امري لله: طيب يا حكيم الغجر والضجر.. البت اللي هتصطادني حتعمل فيا ايه؟.. تطلق سراحي مثلا؟
قال: لا.. اللي حتصطادك حتتجوزك.
فصحت: وحياة مامتك ما هتجوز.. اصلا انا ضد الجواز؟.
فرد علي قائلا: دلوقت نشوف.. قه. قه. قه. وع فكرة، انا ماليش ماما؟.
قلت: ايه..؟؟؟
لكنه طنشني وانهمك بحديث مع الرجال.
ثم خطرت لي فكرة كان عقرب لسعتني: يا ويلك يا ابو سرداح اذا وحدة من البشعات دول اصطادتك، وصرخت: ومين قال ليكو اني عاوز اتجوز.
قال وهو يفكرك انفه بيده ويبربش بعينيه: واللهي دي تقاليدنا..
قلت: هاتوا نرجس انا عاوز اروح.
فقام شيخ الغجر وقام معه رجاله وقال: هوووووووووووووووووووووووووو.. خد بالك يا ابو سرداح.. المبارة حتبدا دلوقت.
ونظرت فرايت الفتبات واقفات وبايديهن حبالا وشناكلا.. فقلت لنفسي: مش مهم ما انا سريع في الجري وههرب منهن بسرعة.. ومش حيقدروا يلحقوني..!
عندما صاح شيخ الغجر مصدرا امرا لرجاله وفي عينيه نظرة متشفية، مشيرا لي: جهزوه..
وانقض علي الرجال وبطحوني وربطوا رجلي بحبل قصير.. ثم تركوني وانا اصرخ واصيح: ايه ده يا عمنا..انتوا هتعتقلوني.!
رد شيخ الغجر ضاحكا كاشفا عن اسنانه التعبانة والمكسرة والصفراء (الله يقرفه) : ده مش اعتقال.. دي التقاليد يا باشا.
قلت وانا احاول ان افك احبل عن رجلي: باشا ايه.. هو انتوا خليتوا فيها باشا ولا غيره.. بعدين فين هيه الضيافة.. عاوز اتعشى.. انا جوعان!؟
وما ان انتهيت من النطق بالعبارة حتى قال شيخ الغجر: بعدين.. بعدين. واطلق الصفارة.. فانطلقت الفتيات ورائي.. فلم اجد امامي سوى ان اجري.. ان احاول ان اجري والحبل يعيقني.. بس على فين..!