اظهرت واشنطن تحولا مفاجئا في موقفها المعلن حيال الاوضاع المتدهورة في الاراضي الفلسطينية، وذلك عندما اعلن البيت الابيض ان بوش ابدى استعداده للقبول بحوار سياسي قبل التوصل الى وقف النار. وجاء هذا التحول مترافقا مع معلومات حول استئناف الاتصالات الامنية الاسرائيلية الفلسطينية برعاية مسؤولين في المخابرات الاميركية، وتاكيدات اسرائيلية بان شارون سيسمح لجورج تينيت وانتوني زيني بلقاء عرفات.
أوحى البيت الابيض امس بتحول سياسي في الموقف الاميركي عندما تحدث عن استعداد الرئيس جورج بوش لمناقشة الجوانب السياسية لاتفاق سلام في الشرق الاوسط قبل ان يتحقق وقف اطلاق النار على الارض.
وجاءت اولى الاشارات الى التحول في الموقف الاميركي عبر تصريحات للمتحدث باسم البيت الابيض اري فلايشر الذي اعلن امس الاربعاء قبول الولايات المتحدة بمبدأ كانت ترفضه حتى وقت قريب، وهو مبدأ توازي الحوار حول القضايا الامنية والسياسية.
وقال فلايشر بهذا الخصوص "هناك خطان ارشاديان حيويان يسعى الرئيس الى تحقيق تقدم بشأنهما ويمكن العمل بشأن كل منهما بصورة منفصلة كما يمكن العمل بشأنهما معاً".
واضاف "الامر المهم هو ان يبدأ الطرفان في التركيز بمساعدة من الولايات المتحدة على تحقيق تقدم فيهما او في اي منهما... اي الترتيبات الامنية التي تساعد في تعزيز الفرص السياسية نتيجة لوقف لاطلاق النار لكن الحوار السياسي جزء اساسي من الحوار".
وشددت ادارة بوش في السابق على ضرورة ان تكون الخطوة الاولى هي تنفيذ الطرفين لخطة تعاون امني وضعها مدير الاستخبارات الاميركية جورج تينيت وتقوم على ان يعمل الطرفان معاً على الحد من العنف.
ولعل الانتقادات القوية في الشارع الاميركي لعدم انخراط ادارة البيت الابيض بالشكل الكافي في الازمة المتصاعدة في الشرق الاوسط، هي ما كان دفع الى هذا التغير في النهج الذي شدد عليه بوش ووزير خارجيته كولن باول مرارا.
الى هنا، وقال فلايشر موضحا اكثر "يعتقد الرئيس انه سيكون من الاسهل الوصول الى (خطة) ميتشل كنتيجة لتنفيذ (مقترحات) تينيت. بعبارة اخرى من الاسهل الوصول الى العملية السياسية بمجرد وضع وقف اطلاق النار موضع التنفيذ. لكن الرئيس كان دائما مستعدا لأي شيء يتيح اقامة اقصى حوار بناء".
وفي ظل انتقادات له على اسلوب معالجته للوضع في الشرق الاوسط خفف بوش من انتقاده للرئيس ياسر عرفات ومن دعمه الصريح لرئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون متجنباً الاشارة الى اسم أي منهما ومتعهّدا بأن الولايات المتحدة ستعمل لوقف النشاطات الارهابية "التي تهدف الى اخراج جهود السلام عن مسارها".
وقال بوش في حفل لجمع تبرعات في فيلادلفيا "لديّ رؤية للشرق الاوسط تقول ان اسرائيل يجب السماح لها بالوجود ... وأشعر بالشيء نفسه تجاه الفلسطينيين. امل أن تتحقق لهم دولتهم المسالمة التي تكون على سلام مع جارتها اسرائيل ... بلد يتمتع بالحكم الذاتي .. بلد به رخاء اقتصادي لإنهاء يأس كثير من المواطنين الذين يعيشون هناك". وتعهد أن واشنطن "ستقف بقوة" ضد هؤلاء الذين يريدون تدمير "رؤيته" لقيام دولة فلسطينية .
الى هنا، وبدا واضحا تماما التحول في الموقف الاميركي، وتعزز هذا الوضوح مع تسرب معلومات رعاية المخابرات الاميركية (سي أي ايه) لمباحثات امنية استانفها مسؤولون أمنيون فلسطينيون وإسرائيليون للمرة الأولى منذ الاجتياح الإسرائيلي لرام الله ومناطق أخرى من الأراضي الفلسطينية.
وشكلت هذه المعلومات مفاجأة اخرى اضيفت الى مفاجأة التحول في موقف بوش، ذلك ان المعلومات التي كانت تتداولها واشنطن تحدثت عن أن إسرائيل ستزيد من حدة عملياتها العسكرية في الأراضي الفلسطينية خلال الأيام القليلة المقبلة.
هذا، وقد نسبت صحيفة الوطن السعودية الى مصادر مطلعة في واشنطن تاكيدها لاستئناف هذه الاتصالات، وكشفها ايضا انها "جرت تحت إشراف فريق من المخابرات المركزية وبموافقة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات بهدف البحث عن صيغة مقبولة لوقف إطلاق النار".
وفي الوقت الذي اكد غير مصدر وجود خبراء ال(سي أي ايه) في اسرائيل، الا ان الاخيرة اعلنت ان وجودهم يندرج في اطار التعاون في مكافحة الارهاب.
وكان عرفات جدد قبل ايام رفضه "البات" لورقة قدمها المبعوث الأمريكي أنتوني زيني إلى الطرفين قبيل الاجتياح الأخير للمناطق الفلسطينية، وهي الورقة حملت مقترحات حول تفاصيل وقف النار التي اختلف عليها الطرفان، لكن عرفات رفضها بسبب انحيازها وتعبيرها عن وجهة النظر الاسرائيلية.
وفي سياق متصل، فقد اشارت معلومات صحفية الى ان جورج تينيت قد يقود بنفسه فريق المخابرات الاميركية الذي سيتابع رعاية المحادثات الامنية التي استؤنفت بين الفلسطينيين والاسرائيليين.
وذهبت هذه المعلومات الى حد التاكيد بان تينيت كان متواجدا في المنطقة قبل ايام، والتقى عرفات في مقره المحاصر في رام الله. وهو الامر الذي لم يتاكد من أي مصدر رسمي ان كان في واشنطن ام تل ابيب ورام الله.
غير ان هذه المعلومات تستشهد بتصريحات ادلى بها بسام ابو شريف مستشار عرفات، والتي اكد فيها ان مسؤولا اميركيا كان التقى الرئيس الفلسطيني مطلع الاسبوع، واجرى معه مباحثات لم يكشف ابو شريف عن مضمونها.
الى ذلك، وجاءت مؤشرات جديدة من اسرائيل تحدثت عن تغير في موقف حكومتها هي الاخرى، حيث اكد مسؤول اسرائيلي ان رئيس الوزراء الاسرائيلي "سيسمح لزيني (الموفد الاميركي) بلقاء عرفات".
وحتى الان اعلنت الحكومة الاسرائيلية رفضها طلبات تقدم بها مبعوثو اوروبا والامم المتحدة وروسيا والولايات المتحدة لمقابلة عرفات.
كما رفضت عقد لقاء بين وزير خارجية اسبانيا جوزيب بيكيه الذي سيرئس وفد الاتحاد الاوروبي الى المنطقة اليوم وبين الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات.
واليوم ايضا طالب وزير الخارجية الاسرائيلي بالسماح بعقد لقاءات بين عرفات والمسؤولين الدوليين الذين يطلبون ذلك، وعلى راسهم الموفد الاميركي انتوني زيني.
وفسرت المعلومات حول التحول في الموقف الاسرائيلي من عدم السماح لاي مسؤول دولي بمقابلة عرفات، بانها لا يمكن بحال فصلها عن التحول في الموقف الاميركي، وكذلك عن المعلومات التي تقول بان المحادثات استؤنفت مع الفلسطينيين.
وفي اطار هذه المعلومات والتسريبات الاعلامية، يبدو ان هناك ترتيبات مقررة سلفا تجري التهيئة الان لاظهارها الى السطح، وهي قد تقترب او تبتعد عما اعلنته الحكومة الاسرائيلية وساندها فيه البيت الابيض من ان العمليات العسكرية الاسرائيلية في الاراضي الفلسطينية لها "نهاية سياسية محددة".—(البوابة)—(مصادر متعددة)