هـزيمـة شـارون فـي جـنيـن

تاريخ النشر: 18 أغسطس 2001 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

هزيمة شارون في جنين 

ما من شك أن القوات الإسرائيلية الجبانة التي اقتحمت جنين بالدبابات والمجنزرات والآليات والمدافع وطائرات الأباتشي والجنود الذين يلفون أجسادهم بواقيات الرصاص لم تخرج لأنها قامت بمهماتها وانسحبت. إذ لو كان الأمر كذلك لقامت بمهمتها طائرات الأباتشي وطائرات الـ إف 16 بواسطة القصف الجوي الدقيق ولينتهي الأمر بعد ذلك، ولكن هذه القوات دخلت لتحتل ولتعتقل ولتنهي السلطة.  

وأمام المقاومة العنيفة التي جوبهت بها القوات الإسرائيلية من المقاومة التي تمتلك أبسط الأسلحة وأخطرها، فأبسطها البندقية وأخطرها القنابل البشرية، هذه المقاومة أجبرت إسرائيل على الانسحاب بعد أربع ساعات.  

ولقائل أن يقول: هل يعقل أن إسرائيل التي تمتلك هذه الأسلحة الجرارة هزمت أمام هذه المقاومة؟! وللإجابة عن هذا السؤال فيجب أن يكون الجواب علميا وليس عنتريا – كما يقول البعض – فإني أقول: لماذا إذًا إسرائيل احتلت بيت الشرق والمراكز الفلسطينية بالقدس ولم تخرج منها؟ أليس هذا مخالفا لكل الاتفاقيات؟! ولماذا أيضا احتلت إسرائيل أبو ديس وهي منطقة "ب" ولم تخرج منها؟!  

والجواب واضح لا يحتاج إلى عنتريات.. فإنها لم تخرج من بيت الشرق ومن أبو ديس لأنه لا يوجد هناك قوات فلسطينية ولا مقاومة فلسطينية، فلذلك لا يوجد شيء يجعل إسرائيل تحافظ على القوانين الدولية. أما في جنين فيوجد مقاومة ويوجد قنابل بشرية، فلذلك يكون الخروج حتى لا يقال إن إسرائيل داست على الاتفاقيات نهائيا.  

لقد كان المخطط الإسرائيلي والذي أعتقد أنه ألغي بعد الفشل في جنين هو الاختيار الأسهل من المدن الفلسطينية ثم التوسع في التقدم بعد التطهير: أولا أسهل مدينة في الشمال وهي جنين حيث أن تلك المدينة الباسلة هي مدينة كلها سهول وقليلة الأودية والجبال وهي على خط التماس المتداخل مع العدو ومباغتتها سهلة، وإلى جانب جنين كان المخطط في اليوم الثاني أو الثالث اقتحام بيت جالا باتجاه بيت لحم والخليل في الجنوب ثم يندفع الاجتياح من جنين نحو قلقيلية وطولكرم ونابلس، وفي نفس الوقت تندفع القوات الإسرائيلية من الوسط في رام الله وبعدها تعمل القوات الإسرائيلية شبكة مستعملة الطرق الالتفافية، هذه الطرق التي تعمل بالأساس على عزل المدن عن بعضها البعض وفي نفس الوقت تهاجم غزة من البر والبحر والجو. ولكن كل هذا المخطط كان يرتكز على نقطة واحدة لتنفيذه، هذه النقطة هي السرعة في الإنجاز وذلك بغاية استيعاب الوضع الدولي والعربي إلى جانب المعنويات الإسرائيلية والذي يفشل هذا المخطط بأكمله هو المقاومة والصمود، الأمر الذي سيحرك الوضع الدولي فتصبح إسرائيل في مواجهة العالم الحريص على مصالحه رغم كرهه لنا، والأمر الثاني ستصبح إسرائيل في مواجهة العالم العربي والإسلامي بالرغم من الضعف الكامل للقيادات العربية والإسلامية، والأمر الثالث معنويات الجيش الإسرائيلي المنهارة بالأساس، فإذا اشتدت عليها المقاومة فإن هذه القوات قد تواجه انهيارا شاملا في معنوياتها، الأمر الذي سيدعوها إلى رفض أوامر قيادتها. ولمن يشك في كلامنا عن معنويات الجيش الإسرائيلي فليسأل من عاصر حرب الكرامة وكيف حينما عرضت الدبابات الإسرائيلية المدمرة شاهد الناس الجنود الإسرائيليين مكبلين بالجنازير في دباباتهم حتى لا يهربوا منها وقد تفحموا داخل تلك الدبابات، وكان ذلك في الوقت الذي كان الجيش الإسرائيلي يسمى بالجيش الذي لا يقهر. وأيضا اسألوا من قاتل إسرائيل في لبنان وكيف كانت إسرائيل تحاول أحيانا أن تجتاح الجنوب فتبدأ باقتحام قلعة شقيف مثلا ولما كانت تقاوم بعنف ويربك جيشها من شدة الخوف تتراجع وتلغي الاجتياح. فليس المهم سرعة الاجتياح ولكن المهم هو القضاء على المقاومة أو كما يقال تطهير المناطق المحتلة من قبل إسرائيل من المقاومين وإلا فإن إسرائيل ستكون دخلت إلى المصيدة بقدميها. ولذلك فإني أقول أن هزيمة الجيش الإسرائيلي في جنين وحجم المقاومة التي جوبهت بها هذه القوات جعلها تدرك أن عامل السرعة في السيطرة على الأرض لن يكون موجودا، وبهذا لن تتمكن من استيعاب الموقف الدولي وستواجه إسرائيل كارثة كبيرة أمام المدن المحصنة أكثر بكثير من جنين، فجنين ليست محصنة إطلاقا. لقد أدركت إسرائيل بعد فشلها في جنين أن اقتحام المدن الفلسطينية سيدخلها إلى حقل ألغام لن تخرج منه سالمة وسيُأزم لها الموقف الدولي وموقف الشارع الإسرائيلي وسيقيم عليها العالم العربي والإسلامي، فلذلك أعتقد أن هذا المخطط أي مخطط الاجتياح الكامل والذي جُس نبضه في جنين قد ألغي من حسابات العسكريين الإسرائيليين حالياً.  

هذا لا يعني أن إسرائيل لن تقتحم المناطق السهلة بالنسبة لها وترجع بسرعة بل على العكس ستتواصل في فعل ذلك الأمر ولكن هذا الأمر يعود بالفائدة على الفلسطينيين وبالضرر عليها، أما الفائدة للفلسطينيين فهي أن الحاجز النفسي لمواجهة الآلة العسكرية الإسرائيلية يتحطم مع كل عملية اقتحام، وأما بالضرر لها فإن معنويات جيشها تتحطم باطراد.  

 

مأمون أسعد التميمي  

عضو المجلس المركزي الفلسطيني