هستيريا حاقدة في الصحف القومية!

تاريخ النشر: 08 نوفمبر 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

عوض خليل 

على مدار الأيام القليلة الماضية شن عدد من الأقلام المصرية حملة قاسية على الشعب الفلسطيني وقيادته السياسية. وقد اشتركت في هذه الحملة أسماء صحافية معروفة مثل السيد جلال دويدار رئيس تحرير الأخبار والسيد سمير رجب رئيس تحرير الجمهورية والسيد سلامة أحمد سلامة من الأهرام. وجميعهم –كما هو واضح- يقفون على رأس صحف حكومية، الأمر الذي قد يلفت النظر إلى أبعاد هذه الحملة.  

هذه الحملة تأتي ردا على قيام مجموعة قليلة من المتظاهرين الفلسطينيين بحرق علم مصر وصورة الرئيس مبارك احتجاجا، ربما، على دور القيادة المصرية في مؤتمر القمة العربي: أو قمة شرم الشيخ، أو كلاهما، أو نتيجة اعتقاد بأن القيادة المصرية قد مارست ضغوطا كبيرة على القيادة الفلسطينية لإجبارها على حضور قمة شرم الشيخ، والموافقة على البيان الذي أدلى به الرئيس الأميركي كلينتون عن تلك القمة. ويمكن لهذه المواقف، أو الآراء، أن تجد قطاعا عربيا –وحتى مصريا- واسعا يتبناها. ويمكن أن تندفع بعض القطاعات المحدودة من الشارع الفلسطيني لتعبر عن موقفها هذا – بغض النظر عن صحة هذا الموقف من عدمه – بالطريقة التي قام بها هؤلاء الفلسطينيون. 

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل كان ما قامت به هذه المجموعة يستحق هذا الرد الفظيع الذي استهدف الشعب الفلسطيني كله بما في ذلك قيادته السياسية التي لا تترك فرصة أو مناسبة إلا وتعبر فيها عن امتنانها العميق للقيادة المصرية وبطريقة مفرطة؟  

بتفاوت لا يكاد يذكر لم تفوت الأقلام المصرية المذكورة أحدا من الشعب الفلسطيني بما في ذلك قيادته التي لم يصدر عن أي مسؤول منها أي موقف انتقادي، ولو بسيط، لموقف الحكومة المصرية. مع ذلك فقد استحقت هذه القيادة من السيد جلال دويدار رئيس تحرير الأخبار أن يهددها "باسم الرأي العام المصري بل والعربي"، بعد أن نصب نفسه ناطقا رسميا باسم هذا الرأي العام، وأن يعلن "أنه غير مقبول على الإطلاق هذا الموقف التآمري المدمر من جانب القيادة الفلسطينية –التي تدرك تماما حجم ما قدمت لهم مصر من تأييد وحماية على مدى سنين طويلة- إننا لن نقبل أبدا أسلوب التعامل معنا بوجهين.. وجه يحرص على حرق العلم المصري وحرق صورة زعيم مصر الذي خصص الجانب الأكبر من حياته ووقته لصالح القضية الفلسطينية على حساب صحته ومصالحنا الوطنية، ووجه يصدر تصريحات الإشادة المرفوضة شعبيا ورسميا". ويمضي السيد دويدار بعد اتهامه للقيادة الفلسطينية بأنها وراء حرق العلم المصري وصورة الرئيس مبارك، إلى اتهام هذه القيادة بأن "لعابها" "يسيل بشغف وشوق شديدين إلى محتوى الصندوقين اللذين خصصتهما قمة القاهرة للإنفاق على أبطال الانتفاضة وعلى تثبيت هوية القدس العربية آملين في تحويل الجانب الأكبر منه إلى الحسابات السرية الخاصة بالمستفيدين والمتاجرين بمعاناة وكفاح الشعب الفلسطيني البطل" ولا ندري أي كفاح وأي بطل وأي شعب فلسطيني بعد هذا كله، وبعد أن وصلت بعض عناصر من هذا الشعب إلى "مرتبة التجسس".. الأخبار 25/10.  

أما ما كتبه السيد سمير رجب، فلم يكن أقل مما ورد على لسان دويدار، مع فارق أن ما كتبه استحق أن يكون في صدارة نشرة أخبار الإذاعة الإسرائيلية. لقد حمل السيد رجب، بدوره، وبدون تمييز الشعب الفلسطيني كله مسؤولية ما قام به بعض المتظاهرين. فعل ذلك تماما كما تفعل إسرائيل عندما يقوم مواطن فلسطيني بعمل عسكري فتقوم هي بمعاقبة جميع الفلسطينيين، أي يسمى بالعقاب الجماعي، يعاقبنا السيد رجب جماعيا كما تفعل إسرائيل مع فارقين: أولهما لصالح إسرائيل حيث تقوم بما تقوم به من عقاب جماعي، في الأغلب، ردا على عمليات عسكرية وليس على حرق العلم الإسرائيلي، أما رجب فيعاقبنا على فعل جماهيري غاضب قامت به مجموعة محددة. ثانيهما لصالح الشعب الفلسطيني الذي لا تدري ماذا سيكون حالة لو أن رجب ومعه دويدار يقفان خلف متاريس الاحتلال الإسرائيلي في مواجهة المتظاهرين الفلسطينيين!؟.  

بماذا يطالب السيد رجب الفلسطينيين؟ يقول رجب أنه "كان مفروضا –وهذا أبسط الإيمان- أن يؤدي الفلسطينيون-على اختلاف فصائلهم وتنظيماتهم، وأشكالهم صلاة شكر لله سبحانه وتعالى، لأنه وهب الأمة زعيما مثل حسني مبارك نذر حياته كلها لخدمة القضية العربية" ويبدو أن "أبسط الإيمان" بالنسبة لرجب هو غاية الصعوبة بالنسبة للشعب الفلسطيني الذي يعتز بتعدديته، وتنوعه، ووحدته، واختلافه، وبالتالي تعجز الكثير من فئاته وأقسامه أن تؤدي صلاة الشكر هذه لأنها وهبت قيادتها هي نفسها. ولا أعتقد أن الشعب المصري يختلف في هذا الأمر عن الشعب الفلسطيني.  

وهذا الواقع لا يجعل الفلسطينيين يتجردون "من أردية الأخلاق والوفاء"، إنه واقع هذا الشعب الذي يكسبه تنوعه واختلافاته: غناه وقدرته على الحياة في وجه آلة الموت التي يواجهها.  

لا، لم يكن حادث حرق علم مصر وصورة الرئيس مبارك ليلقى ترحيبا أو قبولا من معظم فئات الشعب الفلسطيني خاصة في هذه اللحظات التي يحتاج فيها هذا الشعب لكل يد تمتد بالمساعدة إليه. لكن ما جرى ويمكنه أن يحدث دون أن تثار الضد، الشعب الفلسطيني كله هذه الهستيريا الصحفية.  

ربما كان ما تعرض له جوسبان، رئيس وزراء فرنسا، أقسى بكثير مما حدث في المظاهرة المذكورة، مع ذلك فقط استوعب رئيس الوزراء الفرنسي الأمر، ولم نر في الصحف الفرنسية ما يشبه ما جاء على لسان دويدار ورجب، بل استمرت فرنسا على موقفها المؤيد الداعم للشعب الفلسطيني ، وقدمت مساعداتها لجامعة بيرزيت التي قام طلبتها بإلقاء الحجارة على جوسبان.  

الشعب الفلسطيني في نظر رجب "ينقسمون إلى شيع وأحزاب، يهتمون في المقام الأول بتصفية الحسابات بين بعضهم البعض.. ودائما هم شبه متفرغين لتبادل الاتهامات أما أن يتوحدوا ويفكروا في وضع الإجراءات العملية التي تحقق لهم أهدافهم، فلم يكن ذلك ضمن أولوياتهم أبدا، مهما وضعوا من سيناريوهات وفبركوا من تمثيليات..". الجمهورية 25/10.  

هكذا هو الشعب الفلسطيني إن لم يلب ما يطالبه به رجب الذي، أغلب الظن، لن تفلح مظاهرات التأييد التي أخرجت في غزة تهتف للرئيس المصري حسني مبارك ولدور مصر، في إقناعه ودويدار أن السلطة الفلسطينية وأغلب قطاعات الشعب الفلسطيني لا تستحق ما يحملانه ضدها.! 

وسؤال اخير لنا: هل كان الشعب الفلسطيني بكل آيات البطولة والتضحية التي يسطرها بشموخ، مجبرا على تبرأة نفسه على هذا النحو من إخراج مظاهرة تأييد لمصر حتى يوقف دويدار ورجب وسلامة حملتهم علينا.