هامات عالية.. خالد أبو الخير

تاريخ النشر: 13 أبريل 2005 - 10:28 GMT

 

 

 

الرأس.. عال دائماً.

قالها الأب ذات نهار، بعدما شهد مشيته الأولى،وعندما سقط أرضا لسبب ما، التقطه من تحت إبطيه هاتفاً: "مالك.. ليش طالع خيخة".

 

 

وقالها الجد، عندما لقنه أولى مبادئ الرجولة.

 

 

في الصف الأول.. أو لعله التمهيدي، قالها المعلم، غداة انتظموا في طابور النشيد الصباحي: ارفعوا رؤوسكم، اشمخوا، حيوا علم العروبة (رحمه الله، المعلم، كان قومياً، ولم يعترف قط بأن ما من علم .. للعروبة!؟).

 

 

وفي طابور أخر، طابور التجنيد ، قالها القائد الذي لم تكسره أخر الهزائم، بصوت جهوري: أبقوا الراية مرفوعة، هاماتكم عالية، خفاقة كالعلم؟.. وقادهم إلى هزيمة جديدة (نوفي!!).

 

 

وحتى هي قالتها له، حينما ودعته الوداع الأخير وباعت رحمها لأول عابر سبيل: أرجوك.. ارفع رأسك، ليست نهاية الدنيا.

 

 

مديره في العمل لم يتورع عن قولها أيضاً، بمناسبات شتى. والطبيب الذي أجرى له عملية جراحية، وموظف البنك الذي رفض منحه قرضاً، وجابي الضرائب.. وحت النادل. النادل الذي تتكرر سحنته في حانات علي السوداني الخمسين..!؟

 

 

:لماذا كل هذا العناء في رفع الرأس .. عالياً؟

 

 

أجابه زميله ساخراً، بعيد عودتهما متسكعين من سماع خطاب سياسي، أكد فيه المتحدث على أن رؤوسنا ستظل مرفوعة سواء رضيت أمريكا أم أبت: آلا تدرك.. لقد خرج رأسك إلى الدنيا قبل جسمك. هذا الرأس ينبغي أن يبجل، وعليك أن تبذل جهداً لكي لا يتحول إلى بطيخة.

 

 

وبذل ذلك الجهد وأكثر، شهد انكسارات لا حد لها: انهزم في الحرب، انهزم في السياسة، وانهزم في الحياة.. وظل رأسه عالياً، خفاقاً كالعلم.

 

 

حين جاءه الموت، بعد حياة حافلة بالنضال وعمل الخير، أوصى.. دون أن يرف له جفن، بأن يدفن على رأسه.. ورجلاه فوق.