نقلت صحيفة الـ "نيويورك تايمز" عن مسؤولين سعوديين في الرياض القول إن المملكة تنشغل حاليا في حملة لتشجيع قوات الأمن العراقية على الاطاحة بالرئيس العراقي صدام حسين إذا استمر في رفضه التخلي عن الحكم وعدم قبول المنفى.
وتدعم القيادة السعودية -حسب ما ذكره المسؤولون السعوديون - إزاحة صدام كجزء من استراتيجية لتجنب الحرب بالرغم من الإشارات التي أرسلتها لواشنطن بأنها ستتعاون معها في الحشد العسكري في الخليج بما في ذلك تسهيل استخدام الولايات المتحدة للقواعد العسكرية والمجال الجوي السعودي.
قال رئيس الوزراء التركي، عبدالله غول، الجمعة إنه شجع صدام حسين على دراسة مسألة التخلي عن الحكم. كذلك ذكر أن مسؤولا رفيعاً في المخابرات السعودية يقوم حالياً بإجراء محادثات مع نجل الرئيس العراقي قصي تتمثل في اقتراح بمنح العفو للرئيس العراقي وتوفير منفى له ولأفراد عائلته الكبيرة.
وتقول التقارير إن الخطة السعودية تهدف إلى تجنب وقوع الحرب عن طريق تشجيع الإطاحة بصدام وربما من خلال قرار لمجلس الأمن الدولي يمنح العفو لكبار المسؤولين العراقيين الذين يساعدون على إطاحته.
ومن جانب آخر حذر المسؤولون السعوديون أنهم في الوقت الذي يعدون فيه خطة للعفو، لا تتوفر لديهم مقترحات ملموسة بهذا الشأن.
قال مستشار للعائلة الحاكمة في السعودية، "يريد الأميركيون التخلص من صدام بوسائل عسكرية ونحن نريد التخلص منه بتكثيف الضغوط النفسية"، "إن أهم شيء بالنسبة للقادة العسكريين العراقيين وكل فرد في العراق أن يفصل نفسه عن صدام خاصة إذا أراد الأخير أن يقتل نفسه خلال المقاومة أو خلال حرب سوف تأخذ معه الجميع".
وقال مستشار آخر للعائلة الحاكمة إن كبار المسؤولين في السعودية يكثفون الحملة غالباً من خلال بيانات غير رسمية يعلمون أنها ستذاع في العراق وعبر قنوات دبلوماسية ومخابراتية "لأن لا أحد يرغب في هذه الحرب ولأن لا أحد يرغب في أن ينقل على لسانه صراحة بأنه يدعم انقلابا في دولة مستقلة".
وكما يقول مساعدو ولي العهد السعودي، الأمير عبدالله بن عبدالعزيز، فإنه يسعى لإثبات أنه والقادة العرب والمسلمين الآخرين يفعلون ما في وسعهم لتجنب هجوم عسكري على العراق دون تحدي إدارة بوش مباشرة والتي تقول إن الحرب قادمة إذا لم يقم صدام بنزع أسلحة الدمار الشامل التي تؤكد واشنطن أنه لا يزال يخبئها.
من جانب آخر قام الرئيس المصري حسني مبارك بزيارة قصيرة وغير مقررة إلى ليبيا السبت لإبلاغ معمر القذافي بالمساعي الدبلوماسية لتجنب شن حرب بقيادة الولايات المتحدة على العراق، حسبما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية من العاصمة الليبية طرابلس، عن وكالة الأنباء الليبية "جانا".
ويركز جزء من الاستراتيجية السعودية، دون إنكار، على الرأي العام هنا وبصورة أوسع في الإعلام العربي حيث يعارض الرأي العام شن حرب بقيادة الولايات المتحدة على العراق حتى لو كان العديد من العرب يحتقرون (صدام).
وفي نفس الوقت يعتقد قادة عرب أن الخيار بإطاحة صدام دون حرب يعتبر أفضل من حملة عسكرية مدمرة.
قال مستشار في البلاط الملكي السعودي، "لا أعتقد أن زعيما يخسر شيئاً إذا لم تقم الحرب". "نريد من الأميركيين أن يخففوا من اندفاعهم". وتساءل، "أليس من المنطق التريث حتى آخر العام حيث أن (صدام) تحت السيطرة بوجود مئات من مفتشي الأمم المتحدة في العراق؟"، "أليس من المنطق تجنب خسارة 100 بليون دولار وهي تكلفة الحرب ومحاولة وضع خطة للتخلص من صدام في نفس الوقت".
وقال المسؤولون السعوديون إنهم ليس على اتصال مباشر مع القادة العسكريين العراقيين ولكنهم يسعون للتأثير عليهم من خلال البيانات العامة التي تؤكد أن مصير العراق مرهون بأيدي الحرس الجمهوري والضباط الذين حافظوا على سلطة صدام لمدو 23 عاماً.
وعلى الرغم من البيانات الصادرة عن بغداد بأن (صدام حسين) لا يتفاوض بشأن عروض توفير ملاذ له، استمرت التقارير هنا بالانتشار بين السعوديين المقربين من العائلة الحاكمة بأن ضابطاً رفيع المستوى في وزارة الداخلية السعودية زار بغداد في كانون الأول/ديسمبر وأجرى نقاشا مع نجل الرئيس العراقي قصي بشأن اقتراح يسمح للرئيس صدام وعائلته الكبيرة بالعيش في المنفى خارج العراق. وقدم العرض في شرح مفصل واشتمل على تعهد من آل سعود بإصدار عفو دائم بغض النظر عن من يتولى عرش السعودية بعد الملك فهد.
وفي الوقت الذي أنكر فيه بعض المسؤولين السعوديين حدوث مثل هذه المهمة وصفها آخرون بأنها كانت استمرارا للنقاش من خلال القنوات الاستخبارية بين قصي ومسؤولين رفيعين في مديرية المخابرات السعودية وربما باشتراك مصري.
وبعيداً عن هذه المفاوضات عبر القنوات المخابراتية، زاد المسؤولون السعوديون من تحذيراتهم لبغداد بأن الوقت ينفد بسرعة وأنه إذا لم يتم التوصل إلى عفو أو اتفاقية بشأن المنفى، فإن القادة العرب يأملون بأن تتولى القوات الأمنية والعسكرية العراقية المهمة الأخطر بإجبار صدام حسين على التخلي عن السلطة.
قال أحد المسؤولين "من الأفضل إقناع آخرين في العراق للقيام بعمل شيء بدل توقع أن يقوم صدام بعمل ذلك".
جدير بالذكر أن كلا من ولي العهد الأمير عبدالله ووزير الخارجية سعود الفيصل أدليا في الأسابيع القليلة الماضية ببيانات مفادها أن الدول العربية يجب أن تعطي الفرصة لتقديم استراتيجية لصدام حسين للخروج من هذا المأزق إذا قرر مجلس الأمن الدولي أن العراق لم يمتثل لقراره رقم 1441 الذي يطالب العراق بالإفصاح عن كافة برامجه التسليحية.
ويشير بعض المحللين هنا إلى أنه يبدو من الممكن أن رفض صدام التخلي عن الحكم ومغادرة بغداد إلى المنفى مع عائلته دفع المسؤولين السعوديين إلى زيادة الضغط عليه من خلال مناشدة القوات العسكرية والأمنية العراقية بإطاحته. وترتبط المبادرة السعودية هذه بالأهداف الأميركية ما قبل الحرب والتي تسعى لفصل الرئيس العراقي عن جنرالاته.
قال مسؤول دبلوماسي سعودي رفيع "لا أعتقد أن (صدام) سيغادر بلده أبدا، إن المحاولات التي جرت لإقصائه في الماضي فشلت جميعها".
وفي أواخر كانون الأول/ديسمبر الماضي وبعد أن ذكر أن المسؤول في المخابرات السعودية زار بغداد، أنكر الأمير سعود الفيصل التقارير الواردة بهذا الشأن ولكنه أضاف "أن الاتصالات بين العرب سواء في السر أو العلانية لم تتوقف وأن جميع الدول العربية تشترك في المحاولات المبذولة لمنع نشوب الحرب".
في دمشق قال ابن عم الرئيس العراقي، علي حسين المجيد، هذا الأسبوع إن أية فكرة تقول بأن (صدام) يتفاوض حول خروجه إلى المنفى هي "مجرد سخافة".
