نص كلمة الملك عبدالله الثاني

تاريخ النشر: 23 أكتوبر 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

أود في البداية أن أعرب عن بالغ التقدير لسيادة الأخ الرئيس محمد حسني مبارك، رئيس جمهورية مصر العربية‏،‏ على مبادرته بالدعوة لعقد هذه القمة‏،‏ غير العادية‏،‏ والتي تجيء في ظروف حساسة وبالغة الدقة‏،‏ تواجه فيها أمتنا تحديات متزايدة، تمس مستقبلها، وقيمها، ومقدساتها، وكرامة إنسانها‏،‏ ومصالحه‏،‏ فالتحدي الأول الذي كرست هذه القمة للتعامل معه‏،‏ هو ما آلت إليه القضية الفلسطينية، والتطورات المأساوية والخطيرة، التي شهدتها القدس، وسائر المدن، والبلدات والقرى الفلسطينية، في الأسابيع القليلة الماضية‏.‏ 

لقد وصلت العملية السلمية خاصة المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية‏،‏ إلى المأزق الذي تعرفون‏،‏ وذلك بسبب تعنت إسرائيل وتحديها للشرعية الدولية‏،‏ وتجاهلها لمتطلبات السلام الشامل والعادل‏،‏ لا بل راودت بعض قياداتها والقوى المتطرفة فيها‏،‏ نزوات وأوهام دفعتهم إلى السعي لدفع الأمور إلى حافة الهاوية‏،‏ في محاولة استباقية لما كان يمكن أن يكون تطورا إيجابيا في العملية التفاوضية‏،‏ وبلغ التحدي والاستخفاف ذروته عندما قام زعيم أحد الأحزاب في إسرائيل بمحاولة دخول الحرم القدسي‏،‏ أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين‏،‏ في محاولة يائسة لإيقاف ما هو حتمي‏،‏ وهو عودة المدينة المقدسة إلى السيادة العربية الكاملة‏،‏ فهب الفلسطينيون العزل يدافعون عن الأمانة ـ قدس الأقداس ـ ينتصرون فيها للأمة ولحقها التاريخي‏،‏ ويؤكدون وجودهم وهويتهم، وحقهم في الحياة بحرية وكرامة‏،‏ فكانت صور البطولة والتضحية والشهادة، والتي تشكل استمرارا لكفاح الأمة، وتضحياتها منذ بزوغ فجر الرسالة‏،‏ وتوالي مواكب الشهداء في مؤتة،‏ واليرموك‏،‏ وحطين‏،‏ وباب الواد والكرامة‏،‏ واليوم تأتي انتفاضة الأقصى تتويجا لكفاح بطولي، خاضه شعب فلسطين البطل‏،‏ من أجل استقلاله وكرامته وسيادته، وهو يستحق منا الإكبار والتقدير‏،‏ وهي مناسبة نوجه فيها التحية لشهدائه الأبرار‏.‏ 

أما موقف إسرائيل وردها الوحشي، والإفراط في استخدام القوة غير المبرر، فيستحق الشجب والإدانة، ونحن نحذر من مغبة الاستمرار في هذا النهج، الذي سيؤدي بالضرورة إلى نتائج سياسية عكسية، على المنطقة برمتها‏،‏ بما فيها إسرائيل نفسها‏.‏ 

 

القضية الفلسطينية قضيتنا الأولى 

أما بالنسبة لنا في الأردن فقد كانت القضية الفلسطينية ولا تزال، قضيتنا الأولى،‏ حيث استحوذ العمل من أجلها على كل جهدنا الوطني عبر العقود والسنوات‏،‏ وكنا على الدوام‏،‏ وبحكم عوامل الجوار والترابط‏،‏ والمصير المشترك‏،‏ الشقيق الأقرب للفلسطينيين نعيش آمالهم‏،‏ ونعاني معاناتهم‏،‏ نتأثر بما يتأثرون‏،‏ ونشاركهم أحزانهم‏،‏ ونفرح لفرحهم‏،‏ ونتألم لما يؤلمهم‏،‏ ومثلما كان الأردن بوابة الفتح في فجر الرسالة‏،‏ فإن الأردن اليوم بوابة الدعم في ليل المعاناة‏،‏ وقد قدم الأردنيون التضحيات الجسام طيلة السنوات والعقود الماضية‏،‏ دفاعا عن فلسطين‏،‏ فقد دافع الجيش العربي عن القدس الشريف في كل معاركها ضد الاحتلال الإسرائيلي‏،‏ وكافح المغفور له‏،‏ بإذن الله‏،‏ الملك الحسين طيلة حياته، من أجل تحرير الأقصى وسائر المقدسات‏،‏ ولهذا فنحن في الأردن أحرص ما نكون، على أن ينال الشعب الفلسطيني الشقيق حقوقه، ويحقق طموحاته كاملة‏.‏ 

 

السيد الرئيس .. أصحاب الجلالة والسيادة والسمو‏:‏ 

إن المأزق الذي وصلت إليه المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية‏،‏ وما أقدمت عليه إسرائيل قبل اندلاع انتفاضة الأقصى،‏ وبعدها، يستدعي منا وقفة مسؤولة لتدارس أفضل السبل، وأنجح الطرق، لمعالجة هذه الأوضاع‏،‏ بما في ذلك تطوير خيارات فعالة‏،‏ تخدم هدفنا المشترك، وهو تمكين الشعب الفلسطيني من نيل حقوقه الوطنية المشروعة، فوق ترابه الوطني في فلسطين‏،‏ بما في ذلك إقامة دولته المستقلة، وعاصمتها القدس‏.‏ 

إن الأنظار شاخصة إلى قمتنا هذه‏،‏ حيث ترقبها مئات الملايين من أبناء أمتنا العربية والإسلامية‏،‏ التي يسوؤها ما يحدث، ليس في فلسطين فقط‏،‏ بل وفي غير بقعة من وطننا الكبير‏،‏ الذي تتعرض فيه شعوب عربية في العراق والسودان والصومال وغيرها‏،‏ إلى مختلف أعمال التدخل، والتهديدات، والمخاطر، والمعاناة‏،‏ لكن انتفاضة الأقصى والتعامل الإسرائيلي مع الشعب الفلسطيني، قبل اندلاعها وبعده‏،‏ كان الشرارة التي حركت جماهير الأمة، من المحيط إلى الخليج‏،‏ معبرة عما يجيش في ضمير كل عربي، من حيث ضرورة قيام رد فعل مناسب‏،‏ لما يرتكب بحق إخواننا في المحتل من أرضنا‏،‏ وبشكل يحفظ للأمة كرامتها ومكانتها في كل مكان‏.‏ 

 

لن نتخلى عن الشعب الفلسطيني 

وعليه‏،‏ فإن ردنا يجب أن يكون في مستوى ما تستدعيه التحديات‏،‏ وإن كنا لسنا مطالبين بالتخلي عن كل ما تم إنجازه،‏ فإن علينا أن نقوم بإرسال رسالة واضحة إلى إسرائيل ولغيرها‏،‏ بأننا لن نتخلى عن الشعب الفلسطيني في محنته هذه‏،‏ وإن ردنا ليس مجرد الشجب والإدانة والتنديد والاستنكار‏،‏ وإن أشكال الدعم الإنساني والمادي التي قدمتها بلداننا لتضميد جراح الفلسطينيين، ليست هي أقصى ما نستطيع عمله في هذا المجال‏.‏ 

فالجماهير التي عبرت عن طموحها للعزة والسؤدد من جهة‏،‏ وعن شعورها بالسخط والغضب من جهة أخرى،‏ فعلت ذلك بسبب ما عانته أمتنا من الضعف والفرقة‏،‏ في الوقت الذي خطت فيه أمم أخرى خطوات جادة على طريق التقدم والرقي‏،‏ وفي مرحلة شهد فيها العالم تطورات على مختلف الأصعدة السياسية‏،‏ والاقتصادية‏،‏ تمثلت بتشكيل تكتلات سياسية وتجمعات اقتصادية إقليمية فعالة‏،‏ أصبح معها الإنسان العربي يشعر بأنه يقف على هامش هذه التطورات‏،‏ ويرى أن قدرته على التعامل مع التحديات تتراجع باستمرار‏.‏ 

 

التحصين ضد المسائل الخلافية 

إن رد الأمة على ما يحدث في فلسطين‏،‏ وعلى تعثر المفاوضات مع الشقيقة سوريا‏،‏ والتهديدات ضد لبنان‏،‏ لن يكون مجديا، وفعالا، وبمستوى ما نطمح إليه وتتوقعه شعوبنا منا، إذا لم يستند إلى رؤية شاملة لإعادة النظر في طريقة عملنا كمجموعة قومية‏،‏ منطلقين من الإيمان بضرورة تعزيز قدرتنا على العمل المشترك‏،‏ وإطلاق آليات هذا العمل بصورة تدريجية‏،‏ وأن نعمل على تحصينها ضد جميع المسائل الخلافية‏،‏ التي قد تنشأ‏،‏ أو تلك الموجودة بحكم ظروف سابقة‏،‏ فالعالم يدخل القرن الجديد عبر تشكيل تكتلات اقتصادية كبرى أفرزتها العولمة، وعصر التكنولوجيا‏،‏ والاتصالات السريعة‏،‏ وتسعى كل مجموعة لتعزيز مركزها وقدرتها التنافسية‏،‏ بينما لا تزال منطقتنا العربية دون تجمع مماثل برغم الاتفاقيات الاقتصادية العربية القائمة‏.‏ 

إن رد الأمة على الأخطار التي تأتي من أي جهة‏،‏ وهي الآن آتية من جراء تعثر العملية السلمية‏،‏ لا يمكن أن يستوي ويرقى إلى المأمول دون تفعيل النظام العربي برمته‏،‏ وكلكم يدرك الصعوبات والمشاكل التي يعاني منها نظامنا العربي‏،‏ سواء نجمت تلك الصعوبات عن التناقضات التي ولدت معه‏،‏ عندما ظهر في بداية هذا القرن في إطار جامعة الدولي العربية هذه‏،‏ أو جراء ظروف وتداعيات حدثت فيما بعد‏،‏ ولقد ولد هذا النظام ضمن إشكاليات كثيرة، أبرزها التناقض بين هويته ودوره‏،‏ والفجوة بين إطاره المؤسسي وتوقعات أمتنا وشعوبنا‏،‏ وغياب النظرة المشتركة لمفهوم التهديد‏،‏ وعدم وضع أسس ملزمة لحماية الأمن القومي‏، وعدم إعطاء الدور المناسب للمواطن ولمصالحه في تحديد سلوكيات دولنا‏. 

 

تغيير جذري 

ولقد قام من سبقونا بمحاولات إصلاح كثيرة‏،‏ لكنها اصطدمت بغياب الإرادة السياسية لحماية مصالح أمتنا مجتمعة‏،‏ ولذلك فإنني أرى في الأزمة الحالية التي تفجرت بسبب الموقف الصعب والدقيق في الأراضي المحتلة‏،‏ وغياب السلام الشامل والعادل‏،‏ فرصة ومنبها لنا لكي نعيد النظر في منهجنا السياسي بشكل حضاري‏،‏ وأرى في قرار انعقاد القمة العربية بشكل دوري‏،‏ وفي تاريخ محدد‏،‏ التعبير الصحيح عن هذه الإرادة‏،‏ وسوف يعمل الأردن بكل طاقاته لتفعيل هذه الآلية لتكون على قدر طموح الأمة‏،‏ وعلى مستوى توقعات المواطن العربي منها‏،‏ وإذا كانت فلسطين هي محطة الاختبار الحالية‏،‏ والخوف على مصير شعبها ومقدساتها، هو الشرارة التي حركت جماهير أمتنا هذه المرة‏،‏ فإن هناك تحديات أخرى عديدة تنتظر العمل الجدي، لا بد من معالجتها قبل أن نفاجأ بما لا يسرنا‏،‏ وأعني الوضع في العراق‏،‏ لقد عانت أمتنا بصورة كبيرة خلال السنوات العشر الماضية‏،‏ بسبب أزمة الخليج الناجمة عن احتلال العراق لدولة الكويت‏،‏ ودفعت الأمة‏،‏ خاصة العراق‏،‏ ثمنا باهظا لذلك‏،‏ وقد آن الأوان لوضع حد لمعاناة العراق وشعبه‏،‏ فأمتنا لم تعد تتحمل استمرار هذه المعاناة‏،‏ وشعوبنا لم تعد تقبل ما يرتكب بحق شعب العراق من حصار‏،‏ وما يتعرض له من تهديد لوحدة أراضيه وسيادته‏.‏ 

 

السيد الرئيس‏....‏ أصحاب الجلالة والسيادة والسمو‏..‏ 

إننا نقف اليوم على مفترق طرق‏،‏ وأن ما نتخذه من قرارات وخطوات سوف يدخل في حساب التاريخ‏،‏ إما لنا أو علينا‏،‏ وأقول إن لدينا خيارات كثيرة‏،‏ ولكنها لن تتيسر دون أن نعمل على أساس نظرة جديدة إلى واقعنا العربي برمته‏،‏ وأن نبدأ بالعمل الجاد لتحقيق تضامن عربي فعال، يزيل الخلافات والاختلافات، ويفلح في تنقية الأجواء العربية‏،‏ وإجراء المصالحة العربية الشاملة‏،‏ وبناء المؤسسات الفعالة لتأطير العمل المشترك‏،‏ أما إزاء ما يحدث في فلسطين، فإننا مطالبون بموقف حازم ينطلق من رؤية واضحة لمصالحنا المشتركة‏،‏ وإدراك لنتائج استمرار ما يجري على الجميع دون استثناء‏،‏ مبني على استراتيجية متكاملة تأخذ كل الاحتمالات بعين الاعتبار‏،‏ وضمن تصور واضح لما هو مطلوب منا، في حال استمرار التعنت الإسرائيلي‏،‏ وفشل الجهود الرامية إلى استئناف المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية‏،‏ والمفاوضات على المسار السوري ـ الإسرائيلي‏،‏ وبشكل يضمن استعادة سوريا لأراضيها المحتلة في الجولان‏،‏ وحتى حدود الرابع من يونيو عام‏1967.‏ 

 

سيادة الرئيس‏...‏ 

في الختام أتوجه بالشكر ثانية لجمهورية مصر العربية الشقيقة، ولشعبها العربي الأصيل‏،‏ بتحية التقدير والعرفان‏،‏ وأسأل المولى عز وجل أن يسدد على طريق الخير خطانا جميعا‏.‏