نص رسالة الموافقة العراقية على القرار 1441
نص رسالة وزير الخارجية العراقي ناجي صبري الحديثي الى الامين العام للامم المتحدة كوفي انان المتضمنة موافقة العراق من دون تحفظ على قرار مجلس الامن :1441
"اذهبا الى فرعون انه طغا، فقولا له قولا لينا، لعله يتذكر او يخشى". صدق الله العظيم.
السيد الامين العام للامم المتحدة
السلام عليكم
لعلكم تتذكرون الضجة الكبرى التي افتعلها رئيس الادارة الاميركية في اكبر واسوأ بهتان ضد العراق، يردفه في النية السيئة ويسبقه في القول الاذى تابعه طوني بلير، عندما روجا القول ان العراق ربما انتج، او في طريقه لينتج، اسلحة نووية في فترة غياب المفتشين الدوليين منذ العام ،1998 وعادا فاكدا القول ان العراق انتج فعلا اسلحة كيماوية وبيولوجية، وهما يعرفان مثلما نعرف، وبامكان دول اخرى ان تعرف، ان مثل هذا الافتراء لا اساس له من الصحة.
ولكن هل معرفة الحقائق هي مفردات التعامل في سياسة هذا الزمان، بعدما انفلت الشر الى اقصاه في الادارة الاميركية، وذهب اي خير مأمول؟ بل هل ثمة ما هو مأمول او متأمل خير من الادارات الاميركية بعد ان حولتها اطماعها والصهيونية، واسباب اخرى معروفة، الى طاغوت العصر؟
نعود لنقول ان العراق، بعدما انطلت تلك الفرية ربما على قسم من الدول والرأي العام، وسكت الساكتون، واجههم بالموافقة على عودة المفتشين الدوليين، بعدما اتفق معكم، كممثل للامم المتحدة في نيويورك، في تاريخ 16/9/،2002 واتفق في بيان صحافي مشترك في فيينا بين وفد فني عراقي برئاسة الدكتور عامر السعدي وكبير المفتشين الدوليين هانس بليكس ومدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي في تاريخ 9/10/.2002
ولكن بعدما اصبحت موافقة العراق على عودة المفتشين حقيقة ماثلة، بما في ذلك الاتفاق على موعد قدوم المفتشين في 19/10/2002 وبعد ساعات قليلة من هذا الاتفاق، اعلن كولن باول وزير خارجية اميركا انه يرفض ذهاب المفتشين الى العراق، وعادت زمرة الشر لتتحدث عن ضرورة اصدار قرار جديد، لتلهي العالم بشيء جديد، بدلا من متابعته فرق التفتيش ليطلع على الحقيقة التي قالها العراق، وهي انه لم ينتج ولا يملك ايا من اسلحة التدمير الشامل النووية والكيماوية والبيولوجية في غياب المفتشين عنه.
لكن المسؤولين في المنظمة الدولية وهيئاتها، وبخاصة الاعضاء الدائمين، بدلا من متابعة ذلك لفضح المسؤولين عن الكذب والبهتان، انشغلوا بمناقشة نوع القرار وصياغته، فراحوا يحذفون او يضيفون حرفا هنا وحرفا هناك، وكلمة هنا وكلمة هناك حتى وافقوا عليه، تحت ذريعة القول ان تحمل رفسات الثور الهائج في حلبة ضيقة افضل من مواجهة قرنيه في فضاء واسع.
وتحت ضغط الادارة الاميركية، وتهديدها بالخروج على المنظمة الدولية، ان لم توافق على ما تريده، وان الحد الادنى مما ارادته الادارة الاميركية في غاية السوء، بل الادعى ان يخجل منه كل شريف حر ينتمي الى المنظمة الدولية، ويتذكر مفردات ميثاقها، ويرى ان هناك من يخجلون نيابة عمن لايستحي منهم.
السيد الامين العام،
لقد قلنا لمن اتصلنا بهم من اعضاء مجلس الامن او اتصلوا بنا، عندما كانوا يتحدثون الينا عن ذرائع اميركا وتهديدها بالعدوان على بلدنا، منفردة، او مع من يكون معها، ان لم يوافق مجلس الامن على ما تريد، اننا نفضل، اذا كان لابد من هذا، ان تعتدي اميركا منفردة علينا، ونواجهها، بعد ان نتكل على الله بدلا من حصولها على غطاء دولي تغطي به، جزئيا او كليا، الباطل بما يقربه من الحق، ليطعنه بسكين الشر والغدر، بل لقد واجهناها من قبل وهي على هذا الوصف، وكان ذلك واحدا من اسباب عزلتها في المحيط الانساني على مستوى الكرة الارضية.
ان عدوانية اميركا وتفردها في القيام بالظلم والتدمير لمن يقع عليه ظلمها، وفي مقدمهم المسلمون والعرب المؤمنون، هي السبب الاساس الذي جعلها تسحب سفراءها وموظفيها، وتغلق سفاراتها، وتتحدد مصالحها في الكثير من ارجاء العالم، بالاضافة الى كراهية شعوب العالم لسياستها واهدافها العدوانية، وهو حال لم تمر به دولة من دول العالم من قبل، بما في ذلك اساطين الاستعمار القديم.
لكن مجلس الامن، او بالاحرى المتنفذين فيه بالدرجة الاساس، بدلا من ان يتركوا الادارة الاميركية وتابعها، ومن خلفهم الصهيونية البغيضة، يواجهون نتيجة ما حصدت ايديهم من شر، انقذوا السوء ولم يلجموه، وسوف نرى، وعند ذلك لن يفيد الندم من يعض على انامله.
السيد الامين العام.
ان اساس قوة تأثير اي منظمة دولية هو قناعة الوسط الانساني الذي تعيش فيه، وتشبثه بها، بعد ان تعلن انها تشكلت لخدمة اهداف هي محل اهتمامه، ونخشى ان تسقط منظمة الامم المتحدة من عيون واهتمام وتشبث الشعوب بها، ان لم تكن قد صارت فعلا على هذا الوصف، بعد ان يستهلكها اصحاب المصالح، حيثما توافقت مصالحهم على حساب الشعوب الاخرى، او جاملوا وساوموا بعضهم في الباطل على حساب الحق، فتسقط هيئة الامم المتحدة ومنظماتها، مثلما سقطت عصبة الامم من قبل، وعندها لا تكون الادارات الاميركية وحدها مسؤولة عن ذلك وانما ضعف كل من يضعف من العاملين لصالحها امام تهديد الادارة الاميركية، او اغراءاتها ووعودها.
ان من يسكت على الحق شيطان اخرس، وليس ادعى الى الاسى من سكوت من مثلوا دولهم في مجلس الامن، وهم يناقشون المشروع الاميركي امام تساؤل ممثل المكسيك عن امكان رفع الحصار عن العراق بقوله اثناء المشاورات في مجلس الامن حول القرار 1441 في 7 / 11 / 2002 انه غير مقتنع بالتفسيرات التي قدمها السفير الاميركي حول عدم الاشارة الى رفع العقوبات وانشاء منطقة خالية من اسلحة الدمار الشامل في منطقة الشرق الاوسط، وانه سينقل هذه المواقف الى حكومته لتلقي التعليمات.
ورد مندوب بريطانيا بانه استمع الى وفدي سوريا والمكسيك حول تضمين القرار فقرة تشير الى رفع العقوبات، قائلا ان العراق سنحت له في السابق فرصة للتخلص من اسلحة الدمار الشامل، الا انه تجاهل ذلك، واتخذ قرارا بالاحتفاظ بها، لذلك فان الاشارة الى رفع العقوبات في وقت يحتفظ العراق بهذه الاسلحة غير صحيحة.
ومع ذلك فقد وردت اشارة ضمنية الى ذلك. نقول لم يسأله احد من مندوبي الدول: متى؟ وكيف؟ واين؟ ذلك القرار المزعوم الذي اتخذه العراق للاحتفاظ باسلحة الدمار الشامل؟ وتعاملوا مع قول مندوب بريطانيا كأن الامر لا يعنيهم، او بالاحرى ان قول الحق لايعنيهم، اليس في هذا وغيره، مع تهافت مكانة المنظمات الدولية من هذا الطراز، ما يشير الى احتمال انهيار هذه المنظمة الدولية، بعدما تشكلت بدعوى حفظ الامن والسلام في العالم، فتحولت الى مطبخ مساومة لمصالح الكبار، وغطاء للحرب والتدمير ومحاصرة وتجويع الشعوب.
ان المستقبل سيتحدد في ضوء امكان الاصلاح، او العجز في تحقيق الاصلاح، ومن ذلك مستقبل الامم المتحدة. لذلك فان من يهمهم، فعلا لا لفظا فحسب، الحرص على هذه المنظمة الدولية وعملها وفق ميثاقها ليسود العالم الاستقرار والعدل والانصاف كطريق للسلام والحرية، وتعاون الشعوب في ما بينها، مدعوون الى ان يتنبهوا ويعملوا وفق القانون الدولي وميثاق الامم المتحدة وليس الهوى ومجاراة النزعات غير المنضبطة لاولئك الذين يهددون العالم باسلحتهم ومحاولاتهم الشريرة، ولا اولئك الذين ينظرون الى مصالحهم نظرة ضيقة ويبحثون عنها بالمساومة على حساب الحق والعدل والانصاف.
السيد الامين العام.
مع اننا نعرف ان الذين دفعوا الحال في مجلس الامن لاستصدار القرار 1441 انما يقصدون اهدافا اخرى، غير التأكد من ان العراق لم ينتج اسلحة تدمير شامل، في غياب المفتشين عن العراق منذ عام ،1998 والذين تعرفون كيف غابوا عن العراق، ومن هو المسبب فيه.
ومع اننا ندرك انه ليس من حقائق الامور واحكام العدالة والانصاف ما يستوجب صدور القرار الاخير باسم مجلس الامن، بعد التفاهم المعروف بين ممثلي العراق والامين العام، والبيان الصحافي بين بليكس والبرادعي وممثلي العراق، فأننا نعلمكم باننا سنتعامل مع القرار 1441 ، رغم ماتضمنه القرار من سوء، لو عمل به على خلفية مايضمر أصحاب النية السيئة.
ان محاولة تجنيب شعبنا الاذى هو الاساس في هذا، لكننا لن ننسى، وعلى الاخرين ان لاينسوا، ان المحافظة على كرامة شعبنا وامنه واستقلاله في وطنه، وحماية الوطن وسيادته، والشعب وامنه ومصالحه وقيمه العليا من العادين والظالمين هو واجب وطني مقدس وشريف في منهج قيادتنا وحكومتنا.
ولذلك، ومثلما قلنا في الاتفاق والبيان الصحافي المذكورين، بأننا جاهزون لاستقبال المفتشين ليقوموا بواجبهم وليتأكدوا من ان العراق لم ينتج اسلحة تدمير شامل في غيابهم عن العراق منذ العام 1998 في الظروف المعروفة لكم، والمعروفة ايضا في مجلس الامن.
اننا نقول لكم لتبلغوا مجلس الامن، اننا جاهزون لاستقبال المفتشين وفق المواعيد المقررة، وعلى من يهمه الامر ان يتذكر اننا في شهرنا المقدس: رمضان، وان الشعب صائم، وبعد هذا الشهر عيد ومع ذلك، ستتعاون معهم الاجهزة والمسؤولون المعنيون على خلفية كل هذا، والبيان الثلاثي الفرنسي- الروسي- الصيني وستضع حكومة العراق كل هذا في اعتبارها ايضا وهي تتعامل مع المفتشين وكل مايتعلق بسلوكهم ونيات من تكون نياته سيئة منهم واسلوبه غير اللائق في حساب المحافظة على كرامة الشعب الوطنية واستقلاله وامنه وامن الوطن واستقلاله وسيادته.
واننا متحمسون لانجاز واجبهم وفق القانون الدولي في اسرع وقت ممكن، والذي لو قاموا به بصورة مهنية وقانونية، ومن غير اغراض مبيتة سلفا، فان كذبة الكاذبين ستنكشف للرأي العام، وسيتحقق الهدف المعلن لمجلس الامن، وعند ذلك سيصبح من واجب مجلس الامن قانونا ان يرفع الحصار عن العراق، وان لم يفعل، سيقول له كل الخيرين في العالم، بالاضافة الى العراق، ارفع الحصار عن العراق، وكل العقوبات الظالمة الاخرى.
وسيكون المجلس ملزما تطبيق الفقرة 14 من قراره المرقم 687 امام الرأي العام ، وامام القانون، ليطبقها على الكيان الصهيوني (اسرائيل)، ومن بعدها كل منطقة الشرق الاوسط، لتكون خالية من اسلحة التدمير الشامل، وسيزداد عدد المنصفين في العالم، وسيزداد امكان العراق ليطرد من اجوائه نعيق غربان الشر، التي تغير يوميا على اراضيه، وتدمر ممتلكاته وارواح من تصيبهم قذائفها.
ان لم يفعل الاشرار انفسهم هذا، وعندما يحصل هذا فانه يساعد على استقرار المنطقة والعالم، اذا اردف بحل لايعتمد المعايير المزدوجة فينهي الاحتلال الصهيوني لفلسطين، والاراضي العربية الاخرى المحتلة من الكيان الصهيوني، واذا ما اقلع العدوانيون عن اعتداءاتهم ضد المسلمين والعالم.
ولذلك نعيد تكرار القول نفسه لمجلس الامن من خلالكم: ابعث المفتشين الى العراق ليتأكدوا من هذا، وسوف يتأكد الجميع، لو احكمت الرقابة على تصرفهم، ليكون تصرفا قانونيا مهنيا، من ان العراق لم ينتج أسلحة تدمير شامل نووية وكيماوية وبيولوجية، مثلما ادعى بخلاف هذا المدعون الاشرار، وسيظهر كذب الكاذبين ودجل الدجالين في الادارتين الاميركية والبريطانية.
وفي المقابل سيظهر امام العالم صدق العراقيين الاباة، ودقة مايقولون ويفعلون . اما لو ترك لفرق التفتيش فرصة ان يعبث ويلعب بها وبين صفوفها هوى الادارة الاميركية ورغبات الصهيونية ومن يتبعها ومخابراتهما وتهديداتهما واغراءاتهما المدنسة، فسوف تخلط الالوان، ومع تهويش من اعتادوه، سيشوش على الحقائق، وتدفع الامور في اتجاهات خطرة لايريدها المنصفون، ومن يحرصون على اظهار الحقائق مثلما هي، ومنهم حكومتي، وقد تدفع الامور في اتجاهات خطرة بعضها قد يكون في هاوية.
وسيكون الميدان والتطبيق الحالة الفاصلة فيما اذا كان القصد فعلا هو ان يتأكد مجلس الامن من خلو العراق من تلك الاسلحة المزعومة، ام ان الامر لايعدو ان يكون غطاء شريرا لاصحابه، مع فريتهم الخسيسة، وعدم حيائهم من الكذب أمام الرأي العام، بما في ذلك شعوبهم.
اذا ليحضر المفتشون الى بغداد، ليقوموا بواجبهم وفقا للقانون، وعند ذلك سنسمع ونرى ومعنا من يسمع ويرى ويتصرف كل وفق التزاماته وحقوقه المثبتة في ميثاق الامم المتحدة والقانون الدولي، ويبقى الحكم والمرجع النهائي القرار 687 وما فيه من التزامات على مجلس الامن والعراق، مع قواعد السلوك في الاتفاق الموقع مع الامين العام في نيويورك في تاريخ 16/9/2002 والبيان الصحافي مع هانس بليكس والبرادعي في فيينا.
السيد الامين العام
نرجو ان تمارسوا مسؤوليتكم، وتقولوا للظالمين وتنصحوهم بان عاقبة ظلمهم المسلمين والعرب المؤمنين والناس اجمعين وخيمة، وان الله قادر وهو على كل شيء قدير... وان تقولوا لهم ان شعب العراق الابي شعب مؤمن مجاهد، ناضل وجاهد ضد الاستعمار القديم والامبريالية والعدوان، بما في ذلك عدوان الطاغوت، سنين وسنين، فكان ثمن المحافظة على استقلاله وكرامته والمبادىء العليا التي آمن بها الشعب انهارا وانهارا من الدم، مع الكثير من الحرمان والاذى في ثروته، الى جانب المكاسب والسفر الخالدين اللذين يفخر بهما.
فنرجو ان تنصح، ايها السيد الامين العام، الجاهلين كي لايدفعوا الامور عند التطبيق الى هاوية، لان شعب العراق لايختار ان يعيش اذا كان ثمن هذا كرامته، او وطنه او حريته او مقدساته، بل تكون حياته الثمن اذا كان ذلك هو السبيل الوحيد امامه ليحافظ على مايجب ان يحافظ عليه.
واود، قبل ان اختم رسالتي هذه، ان احيطكم علما بأني سأوجه اليكم رسالة تفصيلية ثانية في وقت لاحق اثبت فيها ملاحظاتنا عما ورد في القرار 1441 من اجراءات وسياقات تتعارض مع القانون الدولي وميثاق الامم المتحدة والوقائع الثابتة واجراءات ومتطلبات قرارات مجلس الامن ذات الصلة السابقة.
"آمنتم من في السماء ان يخسف بكم الارض فاذا هي تمور" صدق الله العظيم.
والله أكبر.
الدكتور ناجي صبري احمد
وزير خارجية جمهورية العراق