عمان- بسام العنتري
اكد أمين عام الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، نايف حواتمه، ان سياسة شارون التي تدفع المواجهة الى اقصاها في الاراضي الفلسطينية، لم تترك خيارا امام الشعب الفلسطيني سوى الصمود والمقاومة.
وقال حواتمة ان شارون يريد بحروبه الدموية اجبار الفلسطينيين على القبول بمشروعة السياسي التوسعي الذي لا يمنحهم سوى دولة فلسطينية، مقطعة الاوصال.
الا ان المسؤول الفلسطيني الكبير، اكد ان الشعب الفلسطيني لن يقبل بمثل هذه المقايضة، لانه تعلم أن لا يسمح بتكرار ما حدث عندما قايض جناح من منظمة التحرير، برئاسة الأخ ياسر عرفات، الانتفاضة الكبرى المغدورة بمباديء أوسلو التي يحتاج كل مبدأ فيها إلى مفاوضات سنوات طويلة.
الى ذلك، فقد اعتبر حواتمة في حوار مع "البوابة"، ان المجتمع الدولي، الذي وصل الى مرحلة سئم فيها اصرار اسرائيل على رفض تطبيق القرارات الدولية، قد بدا بالتحرك بشكل مبرمج، واستشهد على ذلك بالمبادرات الاوروبية الاخيرة التي بدا متفائلا بامكان ان تسفر عن تشكيل ضغط على الولايات المتحدة لتضغط بدورها على اسرائيل لانهاء عدوانها ضد الشعب الفلسطيني.
ومن ناحية ثانية، فقد دعا حواتمة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات الى اخذ المبادرة بتحويل حصاره الشخصي الى مكسب كبير للشعب الفلسطيني، كما دعا الى تصحيح مسار الانتفاضة، مقترحا لذلك اربعة مفاصل حددها كاسس يمكن الاخذ بها في عملية التصحيح.
وتاليا نص الحوار…
الى اين ترى ان الاوضاع تتجه في الاراضي الفلسطينية، في ظل التصعيد غير المسبوق خلال اليومين الماضيين، وفي ضوء شلال الدماء الذي ازداد غزارة، والى اين تعتقد ان شارون يريد الوصول بالامور؟
- ما يخوضه شعبنا الان هو حرب الاستقلال، عملاً بنداء الانتفاضة منذ ندائها الأول يومنا هذا، انتفاضة ومقاومة حتى الحرية والاستقلال والخلاص من الاستيطان والاحتلال، والفتح على حق شعبنا في تقرير المصير وبناء فلسطين المستقلة، في حدود 4 حزيران 1967، وعاصمتها القدس العربية وحل مشكلة الشعب اللاجيء، في إطار المسؤولية الوطنية القومية والدولية، مقابل سلام شامل متوازن بين دولة فلسطين والدولة العبرية، من اجل اجيالنا والأجيال القادمة، ومن اجل أطفالنا والاطفال الإسرائيليين.
وحرب الاستقلال ثمنها باهظ، فهي دائماً حرب الساعات الأخيرة، مهما طال ليلها.
مشكلتنا، ومشكلة الشرق الأوسط هي أن حكومة شارون الدموية التوسعية، بأغلبيتها اليمنية المتطرفة في الوزارة وفي الكنيست، تؤشر على خطة ومشروع دموي، عسكري سياسي، بدأه شارون على رأس مظاهرات القدس عشية الانتخابات الإسرائيلية والتي حملت شعار "دعوا الجيش ينتصر"، ثم طورها شارون بعد وصوله إلى السلطة بحرب المائة يوم، ثم حرب اورانيم الصغرى، ثم الحرب المتدرجة وأخيراً اورانيم الكبرى، أي الجحيم الكامل الشامل.
وشارون، بحربة الدموية، يريد أن يفتح الطريق لمشروعة السياسي التوسعي، بناء إسرائيل لكبرى من البحر إلى النهر، على امتداد غور الأردن والبحر الميت، وفي جوانبها دولة فلسطينية.
وهذه الدولة، بإمكان أي انسان أن يسميها دولة أو كيانا أو إمبراطورية، لكنها مقطعة الأوصال على مساحة لا تتجاوز 45-48% من الضفة الفلسطينية وقطاع غزة، بدون القدس، وبدون عودة أي لاجيء، ومطوقة من جميع الجهات بالمستوطنات وقوات الاحتلال.
وأخر نموذج على هذا، ما قدمه شارون عندما طلب من ابنه عومري أن يأتي له بالخرائط أثناء اجتماع محمود عباس وأحمد قريع في بيته، وقدم لهما خارطة مشروعة التوسعي بهذه الدولة المقطعة الأوصال، والتي تربط بين أجزائها أنفاق تحت الأرض وجسور فوق الأرض، بدون امتداد جغرافي على الأرض الفلسطينية المحتلة.
لهذا، فإن شارون يدفع الأمور إلى أقصاها بسلسلة لا تتوقف من حروب الجحيم الكبير (اورانيم)، وبهذا ليس أمام شعبنا من خيار سوى مواصلة الانتفاضة والمقاومة.
وما الذي ترى انه مطلوب من الشعب والقيادة الفلسطينية لمواجهة هذه المرحلة، وما تحمله من مخططات تستهدفه وتسعى للنيل من نضاله من اجل تحقيق تطلعاته وحقوقه المشروعة ؟
- نحن في هذا الميدان، في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، ندعو إلى أن نصحح أوضاعنا الداخلية، الفلسطينية – الفلسطينية، حتى نستطيع الصمود ومواصلة النضال، من أجل الوصول إلى حلول ومفاوضات سياسية تقوم على تطبيق قرارات الشرعية الدولية (242) و(338)، والقرار الاممي الخاص باللاجئين (194)، مقابل السلام الشامل والمتوازن مع الدولة العبرية، وفي منطقة الشرق الأوسط.
وعليه، فقد دعوت الأخ ياسر عرفات، وهو في حصاره في رام الله، بعد أن تمنيت أن أكون أيضاً في قلب الحصار، كما كنا معاً في حصار بيروت البطلة، دعوته لأن يأخذ المبادرة لتحويل حصاره الشخصي إلى مكسب كبير للشعب الفلسطيني، ويجمع كل القوى الميدانية، والسلطة الفلسطينية، للوصول إلى حلول حول القضايا الأربعة التي لم يتم حلها في عملية إعادة ترتيب البيت الفلسطيني.
القضية الأولى: هيكلية الانتفاضة من القمة إلى القاع لتجاوز السلبيات التي نمت كأعشاب سامة وضارة في صفوفها، وبناء التكافل الاجتماعي في صفوف القاعدة العريضة للانتفاضة، لأن أموال القمة العربية، وأموال الجبايات العربية الشعبية لم يصل منها شيء إلى القاعدة العريضة للانتفاضة، بل صبت إما في طاحونة الاجهزة الادارية والامنية للسلطة، او في طاحونة حزبية فئوية، بينما الشعب المنتفض وكل أبناء المقاومة، لم يصلهم شيء كما حال القاعدة العريضة.
والقضية الكبرى الثانية هي: تصويب وتصحيح وترشيد مسار خط المقاومة لتكون مسئولة أمام شعبنا والعرب والعالم، وتضع المجتمع الإسرائيلي في الزاوية الضيقة من اجل أن يقول لا لحروب شارون الدموية التي لا تتوقف.
وعليه يجب أن نصحح مقاومتنا باتجاه موحد ضد قوات العدو أينما كانت على امتداد أرض فلسطين، وضد قوات الاحتلال، وقطعان المستوطنين على الأرض المحتلة عام 1967، بعيداً عن المدنيين على جانبي خط الصراع.
علينا أن نصب كل طاقاتنا في المقاومة ضد قوات العدو العسكرية، وفي مواجهة قطعان المستوطنين في الضفة وغزة، حتى تنتفض أمهات الجنود وضباط الاحتياط ممن هم خارج الخدمة.
والقضية الكبرى الثالثة التي علينا أن نحلها، هي ضرورة أن نجمع شعبنا في الوطن والشتات، تحت راية برنامج سياسي موحد، مبنى على قرارات الشرعية الدولية والقمم العربية والقرارات الفلسطينية ، وتحت راية دولة فلسطينية بحدود 4 حزيران 67، وعاصمتها القدس العربية، وحل مشكلة الشعب اللاجئ بالخلاص من الاحتلال والاستيطان أيضاً مقابل السلام الشامل والمتوازن.
أما العمود الرابع الأخير في بناء الخيمة الفلسطينية الصحيحة، فهو إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، ومؤسسات الوحدة الوطنية، بعملية ديمقراطية انتخابية، لأن هذه المؤسسات وضعت خلف الظهر منذ عشر سنوات، ومضى زمنها القانوني، بموجب الأنظمة الداخلية للمنظمة.
هذا هو الطريق الوحيد للخلاص من عذاب بحور الدماء والجوع والدموع الجارية بفعل الاحتلال والاستيطان، وإدارة حكومة شارون ظهرها لعملية السلام الدولية.
لو حاولنا اجراء جردة لما حققته الانتفاضة الفلسطينية خلال اشهرها الستة عشر الماضية، فما الذي ترى انها حققته؟
- في هذا السياق، علينا أن نلحظ أن الانتفاضة أعطت نتائج كبرى خلال 16 شهراً، فقد إعادت القضية الفلسطينية إلى خارطة فلسطين والمجتمع الإسرائيلي والأوضاع الأقليمية والدولية، وأخرجت حقوقنا الوطنية من الموت السريري في السنوات الأخيرة، عندما أدارت حكومات إسرائيل "انتنياهو، باراك وشارون" ظهرها لقرارات الشرعية الدولية وللسلام المبنى على هذا القرارات.
وعلينا أن نلحظ التطورات الدولية الجارية، فالاتحاد الأوروبي يسير حثيثاً نحو بلورة مشروع سياسي لحل قضايا الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والعربي الاسرائيلي.
وهل ترى ان المشروع الاوروبي هذا، قابل للترجمة الى خطوات على الارض يمكن ان تسفر عن انفراج ما، او على الاقل عن خطوات باتجاه التهدئة في الاراضي الفلسطينية، توطئة لاعادة الاطراف الى طاولة الحوار السياسي بدلا من العسكري؟
- ارى انه يمكن التعاون مع الاتحاد الأوروبي، الذي يظهر مواقفه خطوة خطوة، نحو برنامج موحد يتقدم به بالتعاون مع روسيا والصين والأمم المتحدة، ويمكن لهذا البرنامج ان يشكل ضغطا فعليا على الإدارة الأميركية من أجل أن تضغط بدورها على إسرائيل.
وإسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي لا تطبق قرارات الأمم المتحدة، بدون أن تتخد ضدها أية إجراءات عقابية، بينما مثلاً يجري تدمير العراق مراراً لأنه لم يطبق، كما يقولون، كامل قرارات الشرعية الدولية، وهو طبق معظمها، ان لم يكن كلها، ومع ذلك، يجري تدميره باسم ما تبقى، كما تدعي الإدارة الأميركية.
كما ان اسرائيل تتحفز للمشاركة في أي حرب تدميرية جديدة على العراق، بينما إسرائيل هذه تتنكر لكل قرارات الشرعية الدولية، بدءاً من عام 1947 وحتى يومنا، ورغم ذلك، فإن الفيتو الأميركي يمنع أية إجراءات ضاغطة وعقابية على دولة إسرائيل.
والمجتمع الدولي وصل إلى مرحلة سئم فيها إصرار إسرائيل على رفض تطبيق القرارات، ولهذا نجد هناك تحركات أوروبية وروسية وصينية، ومن الأمم المتحدة ايضا.
وهذه التحركات أسفرت فعلا، وجزئيا، الى جانب صمود الانتفاضة، عن بروز الموقف الأميركي الذي صرح به جورج بوش الابن أمام الأمم المتحدة، واعترف فيه بحق شعب فلسطين في بناء دولته بجانب دولة إسرائيل، وعلى أرض فلسطين التاريخية.
كما تقدم كولن باول وزير الخارجية بأفكاره التي قال فيها أن الانتفاضة هي رد فعل على الاحتلال والاستيطان والإذلال اليومي للشعب الفلسطيني.
ولو عدنا الى الاوضاع الميدانية في الاراضي المحتلة، والى التصعيد غير المسبوق في العمليات العسكرية من قبل الحكومة الاسرائيلية، فهل تتوقع ان يلجأ شارون، الذي يتذمر الشارع الاسرائيلي من فشل سياسته في تحقيق الامن الموعود، الى دفع الامور الى حافة الهاوية، عبر خوض حرب شاملة يجتاح فيها كافة المدن الفلسطينية، ويعلن عن انهاء عمر السلطة القصير؟
- القول بذلك مبكر جدا.
ولكن شارون بخططه الدموية والسياسية يحشد الان كل طاقات إسرائيل اللامحدودة، وإسرائيل هي الدولة الأقليمية العظمى في الشرق الأوسط، وليس الكبرى، بل العظمى، بألتها الحربية والتكنولوجية وقدراتها الاقتصادية والعلمية.
شارون يحشد كل هذه الطاقات باتجاه تكثيف تهويد القدس بكاملها، والقدس الكبرى، وغلاف القدس، المشروع الجديد الذي أقره مجلس الوزراء الإسرائيلي للتو، يقضم أراض في المنطقة (ب)، التي هي تحت الإدارة المدنية الفلسطينية. وكل الطاقات يقوم شارون بتحشيدها، بهدف توسيع الاستيطان في الضفة الفلسطينية، وتكثيفه على امتداد غور الأردن والبحر الميت، لأنه يطمع أن تكون حدود إسرائيل الكبرى من البحر إلى النهر.
ولذلك نقول، الطاقات التي يحشدها شارون هدفها هذه الحروب التي يشنها، أما إشعال حروب إقليمية كبرى في منطقة الشرق الأوسط، فهذه لا يفكر بها شارون، لأنها تعطل عليه عربياً ودولياً ما يفعله الآن، ومنذ عام.
اذا، الى هنا فقد يريد شارون الوصول؟
- شارون لم يكن مضللاً عندما أعلن عشية الانتخابات التي جاءت به إلى رئاسة الوزراء على رأس 100 الف من القوى اليمينية في القدس تحت شعار (دعوا الجيش ينتصر)، شارون يعمل على تنفيذ هذا منذ أن استلم رئاسة الحكومة حتى يومنا.
وبذات الوقت، شارون لا يريد أن يعود إلى احتلال المناطق (أ) الموجودة تحت إدارة السلطة الفلسطينية، لأن في هذه المناطق ما يزيد على مليوني ونصف المليون من أبنائنا، وهو لا يريد أن يتحمل ثقل أعباء هذا الحجم من السكان الذين تدير السلطة الآن شؤونهم.
شارون لا يريد الأرض بسكانها، بل يريد أرضا بمستوطنيها، ولذلك لن يعود إلى احتلال كل هذه المناطق.
لكن نقول أن التاريخ لا يعود إلى الوراء، والتاريخ لن يعيد نفسه، وتلاحظون هذا عندما يهدم شارون عشرات ومئات البيوت، أصحاب هذه البيوت، وأسرها المشردة تجلس فوق حجارة بيوتها المهدمة وتبني خيمها وبيوت الصفيح على هذه الحجارة، لأن شعبنا تعلم من تجربة 1948 أن لا يبتعد عن أرضه.
وهذا أمر يفهمه شارون جيداً، ولذلك قال قبل يومين في تصريح شهر بعد اجتماع المجلس الوزاري المصغر الأمني السياسي بأنه يعرف ماذا يريد أن يفعل، وانه لن يستجيب إلى الأوساط المتطرفة التي تدعوه إلى اعادة احتلال جميع مناطق الحكم الذاتي.
عليه اقول الصمود فهو المنفذ الوحيد الذي وضعنا فيه مشروع شارون العسكري السياسي الدموي.
والتفاعلات في الشارع الإسرائيلي بدأت للتو بعد عام من تصديق وعود شارون التي انهارت، بأنه سيأتي لهم بالأمن الكامل وبعدها يبحث في السياسية.
ومشروعه السياسي لا يمكن أن يمر إلا بعد أن يتحقق ما يسميه الأمن الكامل، أي تصفية الانتفاضة والمقاومة وتركيع الشعب الفلسطيني.
هذه المقايضة تعلم الشعب الفلسطيني أن لا يسمح لها أن تتكرر، كما حدث عندما قايض جناح من منظمة التحرير، برئاسة الأخ ياسر عرفات، الانتفاضة الكبرى المغدورة التي دامت ست سنوات بمباديء أوسلو التي يحتاج كل مبدأ فيها إلى مفاوضات سنوات طويلة. –(البوابة)