مناقشة وتقييم (طيور الغربة) لإبراهيم عبد المجيد

تاريخ النشر: 16 يوليو 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

نوقشت خلال شهر تموز الحالي في صالون الناقد والكاتب عبد الحميد إبراهيم الأدبي، الذي يقيمه مرة كل شهر في منزله بحي مدينة نصر بالقاهرة رواية "طيور العنبر" للروائي الكبير إبراهيم عبد المجيد، الذي ينتمي الى الجيل اللاحق لجيل الستينات في مصر، وله إنتاج روائي كبير وفر له مكانة مرموقة في مشهد الرواية العربية المعاصرة.  

وحسب صحيفة "الراية" القطرية أول أمس الجمعة ، فقد ناقش الرواية عدد من النقاد، ومنهم د.حامد أبو أحمد الذي أكد أن إبراهيم عبد المجيد، طوال مسيرته الإبداعية لا يكتب رواية بالمفهوم الواقعي، الذي يعتمد على محاكاة الواقع، ولكنه يحاول ان يخلق واقعا جديدا أو موازيا، مستفيدا في ذلك من كل منجزات الرواية السابقة عليه أو اللاحقة له، سواء في اللغة العربية أو اللغات الأخرى خصوصا الإسبانية، التي يتمثل استيعابه لمنجزها الروائي، في تماسه مع تجارب بعض كتاب أميركا اللاتينية ومنهم الروائي اليخو كاربنتير.  

وعن الرواية قال د.حامد: "إنها رواية المكان بامتياز، فهي تغوص في أركان مدينة من أعرق المدن العربية، بل والعالمية، وهي مدينة الإسكندرية، ذات التاريخ الرائع والطويل، الذي جعل لها علاقة وطيدة ببشر ينتمون إلى قوميات وجنسيات متعددة، منهم الرومان والإنجليز واليونانيون والفرنسيون والإيطاليون".  

ومن خلال هذه الرواية، يضيف د.حامد، حاول عبد المجيد أن يكشف عن عبقرية المكان، في هذه المدينة العريقة، وقد نجح نجاحا منقطع النظير من خلال إتقانه لتقنية اللعب في كتابتها، تلك التقنية التي حررت الرواية من الترابط التقليدي بين فصولها المتعددة، فكل فصل فيها لا يرتبط مع الذي يليه برباط مضموني، إذ لا يوجد داخل الفصل الواحد خط درامي واحد، ولكن في نفس الوقت فإن كل فصول الرواية مرتبطة أو متلاحمة مع روح المكان أو روح المدنية.  

كما قدم الدكتور مجدي توفيق دراسة وافية عن "طيور العنبر" استهلها باستعراض الفترة التاريخية التي تحاول رصدها وتمتد من 1956 الى 1961 والمقسمة إلى ثلاثة أحداث كبرى، الأول يخص العدوان الثلاثي على مصر، والثاني يخص الوحدة بين مصر وسوريا، والثالث يخص سياسة التمصير والتأميم التي أدت إلى خروج الرأسمال الأجنبي من مصر، وخروج المواطنين أصحاب الأصول الأجنبية، والجاليات الأوروبية، وهو الأهم من منظور الرواية، لأن عنايتها بالإسكندرية كمركز تجمع لهؤلاء يعطي الإسكندرية مزيدا من الأهمية في تاريخ هذه المرحلة. 

النزوح في طيور الغربة 

وأضاف مجدي توفيق بأن "طيور العنبر" من خلال مسحها الأفقي لهذه المرحلة المختارة من التاريخ، تصور النزوح من المدينة إلى خارجها، وهو النزوح الذي حولها من مدينة كوزوموبوليتانية تحتشد فيها الأجناس ويكثر فيها أصحاب الأصول الأجنبية، الى مدينة مصرية حضور الأجانب فيها قليل، ويبدو أن هذا هو السبب في أن الرواية فضلت كلمة التمصير، على كلمة التأميم، وهي في تلك الفترة كانت الأكثر شيوعا بين الناس، وبين المحللين السياسيين والمؤرخين بعد ذلك، لأن كلمة التمصير هي الأقرب إلى تسجيل الدوافع الوطنية التي شجعت عليها.  

هذا النزوح الذي ترصده طيور العنبر ينقسم إلى نوعين، الأول هو نزوح الأجانب منها، والثاني هو نزوح المصريين، وهو يلخص في الرواية حالة البحث عن حلم أو عن تحقق إنساني أصيل، فشخصية خير الدين تنزح الى حلوان في القاهرة بحثا عن عمل يتيح له الزواج، وبحثا عن بيئة صحية افضل تناسب صدره المريض، و فلفل مطحون وهو إسم تاجر للعطارة في الرواية يحلم بالسفر الى جنوب شرق آسيا بحثا عن أسرار العطارة وعلمها، وهي الأسرار التي تلخصها الرواية في حكاية الطيور التي تفرز العنبر، وتعيش في جزر المالديف وسليمان العم الأكبر للشاب سليمان، الذي يهوى كتابة الرواية، غامر بالتيه في قلب إفريقيا بحثا عن حلمه، أو عن أسطورته الخاصة.  

وبين الدكتور مجدي توفيق أن هذا الضرب من النزوح لا يمثل حالة اجتماعية، تنزح فيها جماعات مصرية كاملة الى خارج المدينة، بل هي حالات فردية رمزية الى حد كبير، أما نزوح الجاليات الأجنبية، فقد أدت إليه التحولات السياسية التي صنعتها وحرضت عليها ثورة يوليو 1952، ودوافع هذه الهجرة مختلفة وتتمركز في أميركا: أولها هو التمصير الذي خسر معه هؤلاء بعض ثرواتهم، وأوجد نظاما اقتصاديا لا يناسبهم تتحكم فيه الدولة الشمولية، وأضعف الانفتاح على الأسواق الخارجية، وقضى تماما على القطاع الخاص الذي كان يسيطر على الاقتصاد المصري قبل الثورة. وثانيها يختص بهجرة اليهود من مصر التي كان سببها المباشر والوحيد تورط اسرائيل في العدوان الثلاثي تورطا شعر معه اليهود أنفسهم بضرورة الرحيل، وتلخص "طيور العنبر" هذا الشأن بهذه الفقرة:" تحولت المدينة عن اليهود، بدأ ذلك بسيطا مع التفجيرات التي قامت بها عناصر يهودية تابعة للموساد الإسرائيلي قبل الحرب، وازدادت مع اشتراك اسرائيل في العدوان على مصر حيث اتسعت مساحة الشك في اليهود، بعد أن كانت نوعا من الفولكلور لا يتجاوز النكتة، رغم ذلك لم يصل الأمر أبدا الى اعتبار يهود الإسكندرية من رعايا دولة اسرائيل!! لكنه الهلع الذي استبد باليهود" ص122. 

جماليات اللغة 

وعن جماليات لغة هذه الرواية قال الدكتور مجدي توفيق بأنه رغم تنوع وتعدد أنشطة اللغة فيها إلا أنها تظل ملازمة للمستوى اللغوي الواحد الثابت، الذي تقبض عليه حتى يألفه القارئ، فيعقد انتباهه الى اللغة، ويتركز على عوالم المحكيات في النص، ومن هنا يخف حضور اللغة على القارئ وصولا الى أن يبني عملية القراءة على الاندماج في الحكايات الذي لا يفصله عن الاندماج فاصل.  

يذكر أن صالون عبد الحميد إبراهيم يرتاده عدد لا بأس به من نقاد الأدب ومبدعيه، ويصدر عددا من المطبوعات منها مجلة "الوسطية" وبعض الكتب مثل" أجيال من الإبداع" لزينب العسال، و "بلوغ الغاية في نقد القصة والرواية" لسيد قطب، و "الرواية العربية والبحث عن جذور" لعبد الحميد إبراهيم، وغالبا تقتصر مناقشات هذا الصالون على تناول الإصدارات الأدبية والفلسفية الحديثة.  

ورواية "لا أحد ينام في الإسكندرية" هي إحدى روايات إبراهيم عبد المجيد التي اعتبرها العديد من النقاد، العمل الروائي الذي يكافئ أو يوازي ثلاثية نجيب محفوظ الذي حرص في حواراته المتزامنة مع إصدار هذه الرواية على إبداء إعجابه الشديد بها - -(البوابة)