مقهى السنترال..-خالد ابو الخير

تاريخ النشر: 14 أكتوبر 2006 - 09:35 GMT

 

 

 

ملاحظة لا بد منها:

 

ليست إعادة الكتابة بالأمر الهين.. خصوصا إذا كان ما اقترفته يدانا ضاع

إلى

الأبد.

في حين أن بعضه.. أو جمرته التي لا تنطفئ ما تزال تضطرم في أعماقنا.

لعل هذه الجمرة من تلك.. ولعلي لن انفك أتألم.

 

 

..الغريب

 

 

كثيرا ما كنت ارتاد مقهى السنترال في وسط العاصمة عمان.

اذكر أنني كنت آتي باكرا.. مع العصافير تقريبا، اجلس على شرفة المقهى

الواسعة .

أتأمل الفجر يشق طريقه من جهة البنك العربي. احتسي ما تيسر من القهوة

والعصافير

العابرة متعبة وأشعة شمس الخريف.

 

 

في ذلك الوقت الذي يكتسي بشحوب لامرئي ينسل العمال إلى أعمالهم طافحين

بالبشر

والأمل والعزم في مواجهة خياراتهم البائسة. وشيئا فشيئا.. تبدأ المدينة

تستيقظ

من سباتها: أصوات باعة الكعك الصباحي، وصرير أبواب المحال التي تفتح.. و

أجراس تقرع لقطعان بلا سبيل.

 

 

 

في مثل ذلك التوقيت كان يأتي.. بلحيته الكثة وملابسه الرثة والمرتبة في

آن..

متأبطا صحيفة. يتخذ مقعده على الشرفة نافضا الغبار عن الطاولة بضربات

سريعة

ومركزة. يضع رجلا على رجل وينهمك في القراءة.

لم أره قط يطلب فنجان قهوة. ولم أره قط يهتم بأكثر من جريدته التي بدت

عتيقة

وأوراقه التي يخرجها في مناسبات قليلة ويستغرق في قراءتها والكتابة فيها

مرات

ومرات..

خيل إلى.. إن ما يكتبه أدبا.. أروع بكثير مما يكتبه أولئك المتأنقون..

المخنوقون بربطات العنق ومتطلبات حياة. أروع بكثير مما اكتب. وودت.. دائما

أن

اقرأ ما يكتبه.

ذات مرة.. أظنها وحيدة. سقطت من يده ورقة وهو يغادر. تقدمت والتقطها وقبل

ان

اشرع بقراءة ما فيها . مجهزا ذريعة مناسبة في حال عاد أدراجه. فوجئت به

يرمقني

بنظرة شزرة. اعتذرت له وادعيت أنني كنت بصدد إعادتها له. تناولها دون أن

ينبس

ببنت شفة.. وبدت ملامحه قاسية إلى حد القرف.

 

 

.. مضت سنوات منذ عدت إلى ذات المقهى. لاحظت أن الشرفة العتيدة اختفت،

ليصار

الى استغلالها في عمل تجاري مبهم. فكرت به.. وانتظرته ساعات. دون أمل.

حين حاسبت النادل ومضيت نازلا الدرجات لمحت فجأة جريدة.. بدت عتيقة..

عتيقة

جدا.