وهذه ذكري عاطرة انزخت عليّ من مكتوب صاحبي وخلّي ركن الدين يونس حمادة وهو ولد شاعر من جيل الثمانينيات وكان يومه مقسوماً علي ثلاثة امكنة وبعض مقترباتها وهي : ثكنة عسكرية ومقهي حسن عجمي وغرفة في حارة جديد باشا.
فأما الثكنة فكانت في خاصرة بابل قائمة، وأما مقهي حسن عجمي فهي تلك المشهورة بأدبائها وكتّابها وكذابيها ومقامريها وموقعها وسط المسافة الممدودة بين الميدان وتمثال الرصافي بشارع الرشيد من بغداد العباسية. أما الغرفة فتنشتل علي مبعدة ركضة عاشق من ظهر المقهي وكان ركن الدين ان دعاك اليها قال ألحقني الي شقتي وفي ذلك تفخيم وتزيين ونفخ ومط لجغرافيا المكان وازاحة مخيالية ربما كان اصلها نابت في حال العوز والشحة التي كان وكنا عليها واذكر انني اذ دخلتها اول مرة، كنت تفاجأت وانذهلت فهي لم تكن نزلاً صغيراً او شقة بل غرفة مربعة مساحتها سرير نوم فردي وربع خزانة ملابس وطاولة معوجة اشهر تأثيثاتها كانت طاسة الحلاقة والفرشاة والصابونة وغالبا ما ينام تحتها كوشر قنادر وجواريب وسخة تنطر كسلة آخر الاسبوع. واما تسويغه وشرحه لمسألة الشقة او النزل فكان من باب ان الغرفة تهرب ثلاثة امتار عن مرحاض خارجها وحمّام مستورة عورته بوصلة قماش بالية. في بطن الغرفة صندوق خشبي ربما كان حاضنة طماطة وقد اجري عليها ركن الدين تعديلات وتحسينات حتي صيّره مائدة قد تحمل ليلة، بطل عرق او قارورة نبيذ احمر قادم من سهل نينوي البديع. أرجع مشتاقاً الي عطر المشهد الذي أتيت عليها في مفتتح الكلام وهو عن رجل بغدادي من رصافتها، طيب ولذيذ وآدمي اسمه الحجي ابو سعد وقد انبأني ركن ان ابا سعد لم ير مكة سوي من علي شاشة التلفاز. ابو سعد صاحب مقهي صغيرة في منطقة الميدان في الزقاق الذي يقع علي شمالك وانت تدلف من صوب شارع الجمهورية. الحجي كان مطرباً مجيداً وذواقة شعر وراعي مجلس عذب وكانت جدران المقهي تتزين بصور حلوة من زمان الأبيض والأسود لمحمد القبانجي ويوسف عمر وحضيري ابو عزيز وداخل حسن ولوحة تجريبية لا تعجب مزاج الحجي وصورة لجمال عبدالناصر ومثلها لأم كلثوم وبورتريت لفيروز، ولقد تخلفت في مقهي ابي سعد غير مرة بعد ان ينفض الزبائن لنبدأ ليلة طيبة سكرانة بالصحة وبالعافية وبمقامات ابي سعد وبجنوبيات شاب وسيم اسمه حسام الذي كانت حنجرته تتقلي بزيت داخل حسن وسلمان المنكوب وسيد جليل وعبادي العماري اما انا وحشوة الجلسة واطرافها فكان دورنا كرع الكأس وهز الرأس وتطفير الدمع وأحايين نتشارك فيها بكورس البستة البغدادية او الغنوة الجنوبية وكان الحجي يمنع من تستبد به الخمرة ويأكله قرع الطبلة من القيام بأي صنف من اصناف الرقص والردح والبزخ والهز ويري في ذلك الفعل منقصة ومثلبة وحيث يشعر المغنون بشيء من تعب يقوم ابو سعد بتشغيل مسجله العتيق ويلقمه بألأسطوانات المدورة "تيبات" فيصير لنا ما نشتهي من أم كلثوم وعبد الوهاب وسيد درويش وعبدالحليم وفريد وعند عتبة أواخر الكؤوس، يسخن ابو سعد دواء البطون ومخرس نداءاتها وغالبا ما يكون قدر "باجة" سمين أو صينية دولمة او قدر تشريب فيكون منقوع الخبز في صينية كبيرة ترقص فوقها هبر اللحم الفتيت ومسلوق البصل ومدعبلات نومي البصرة ومن المشهيات المرغبات الطيبات، كان البصل الأخضر والفجل ألأبيض والرشّاد الحار وطرشي سوق حنون وأذ يصيح مؤذن الحيدرخانة صيحة الفجر، نمسح حلوقنا وأبوازنا وننهض مودعين الحجي المدهش الرحيم، تاركينه وحيداً مع عوده واللوحة التجريبية المنفرة وصور الموتي واسطوانة فجرية متأخرة. وقع هذا في تمام عقد ثمانينيات القرن الفائت ببغداد المحتلة الآن، أعادها الرب الينا واليكم وكنسها من الغزاة والحثالة وعافاها من كل مرض وجور وخزي، آمين يا رب العالمين.