كشفت صحيفة "يديعوت احرونوت" في عددها الصادر أمس عن أن رئيس وزراء اسرائيل السابق بنيامين نتنياهو كان مستعدا لإعادة كل هضبة الجولان للسوريين والانسحاب حتى الحدود الدولية للعام 1923 في مقابل اتفاق سلام كامل، مستندة في ذلك الى صيغة معاهدة سلام بين دمشق وتل ابيب حملها رئيس لجنة رؤساء المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة رون لاودر من نتنياهو الى الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد وقالت الصحيفة انها تنشر للمرة الاولى.
وقدمت الصحيفة، في مقال لإيتان عميت بعنوان "كل الجولان في مقابل السلام"، قراءة لمسار المفاوضات بين السوريين والاسرائيليين تحدثت فيه عن نقاط الخلاف الرئيسية بين الطرفين والتي حددتها بمطالبة دمشق بأن يكون لها موطئ قدم في بحيرة طبريا التي طالبت بنصف مياهها، وهو ما رفضته، ولا تزال، اسرائيل.
وركز عميت، في مقاله، على ما سمي بـ"وديعة رابين" وشرح الخطوات التي اتخذتها اسرائيل مع ادارة الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون والتي اوصلت الى استنتاج يقول بأنه ليس لهذه الوديعة أي الزام قانوني. وختم بالقول ان الاتفاق بين اسرائيل وسوريا لم يوقع نظرا "لضيق الوقت مع الأسد" الذي "لم يكن مستعدا لإنهاء الصفقة".
وفي ما يلي نص مقال "يديعوت احرونوت":
"كان رئيس الحكومة السابق بنيامين نتنياهو مستعدا لإعادة كل هضبة الجولان للسوريين والانسحاب حتى خط الحدود الدولية عام 1923، في مقابل اتفاق سلام كامل. هذا ما يتضح من صيغة معاهدة السلام بين إسرائيل وسوريا، التي حملها رون لاودر بتكليف من نتنياهو الى الرئيس حافظ الأسد في دمشق، وتنشر هنا لأول مرة.
وفي نقاط معينة في الشاطئ الشمالي الشرقي لبحيرة طبريا بين بلدة نوكيب ومصب الأردن، يبعد الخط الحدودي الدولي 10 امتار فقط عن خط المياه، وحتى اليوم يدّعي نتنياهو ومقربوه ان اقتراحه للانسحاب كان فقط الى "خط الدفاع" الذي يبقي بيد اسرائيل مئات عدة من الامتار على الاقل على تلة الجرف. في الحملة الانتخابية عام 1999 ادعى ايهود باراك ان نتنياهو اقترح على السوريين كل هضبة الجولان، حتى خط المياه، في مقابل اتفاقية سلام، ولكن نتنياهو نفى ذلك بشدة.
وسواء نتنياهو او رون لاودر اكدا نفيهما أمس بأن رئيس الحكومة السابق كان مستعدا للانسحاب من كل هضبة الجولان، ولكن يتضح من معاهدة السلام التي تنشر هنا لاول مرة، غير ذلك.
"لاودر 1"
ذيلت الوثيقة بتاريخ السبت 29 آب 1998 بخط يد، كما يبدو خط يد لاودر، رئيس لجنة رؤساء المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة، وكتب الى جانب العنوان بخط يد، كلمات "لاودر 1". في نهاية الوثيقة، وبخط يد، كتب "لاودر 2 12/9/1998" في اشارة الى انه كانت هناك صيغة اخرى ادخلت عليها كما يبدو تعديلات طفيفة في مقابل الصيغة التي تظهر هنا. وظهر ايضا بخط يد السطر: "نقل الى كلينتون 17/11/1998".
ومع الوثيقة التي تظهر هنا عرضت امام السوريين خارطة (بند 6 في الوثيقة) تم فيها التأشير على ثلاث مناطق لفصل القوات، كجزء من الترتيبات الأمنية: منطقة مجردة من القوات، منطقة يسمح فيها حركة محدودة للقوات والسلاح، ومنطقة يسمح ان يتواجد فيها فقط وسائل قتالية دفاعية. وفي الجانب السوري وصلت هذه المناطق تقريبا الى دمشق. وفي الجانب الاسرائيلي تلامست مع جبل كنعان وصفد.
في البند الثاني من الوثيقة الذي يتحدث عن الانسحاب الاسرائيلي "من الأراضي السورية التي احتلت عام 1967 وفقا لقرار مجلس الأمن 242 و338"، قيل ان الخط الحدودي الجديد يستند على الحدود الدولية الفرنسية البريطانية عام 1923. والانسحاب ينفذ على ثلاث مراحل، ولكن الوقت غير محدد وبقي مفتوحا، في بداية المسيرة سيتم تبادل سفراء بين اسرائيل وسوريا وفي نهايتها سيسود بينهما التطبيع الكامل.
من اجل احراز استقرار وبناء ثقة طلبت اسرائيل ان تبقي بيدها محطات انذار مبكر قائمة في هضبة الجولان (بند 7) ولكنها وافقت على ان تواجدها في هذه المحطات يندمج في السياق مع القوة متعددة الجنسيات التي تشمل مراقبين سوريين، وفرنسيين وأميركيين. وتحدد الوثيقة (بند 3) ان معاهدة السلام مع سوريا تتم بالتزامن مع التوقيع على معاهدة السلام مع لبنان، وتلتزم سوريا (بند 4) "ببذل كل جهد من اجل وضع حد للنشاطات المعادية والعنف ضد اسرائيل التي مصدرها الأراضي اللبنانية".
وتلتزم سوريا واسرائيل الواحدة تجاه الاخرى (بند 10) بمنع اي جيش اجنبي لدولة ثالثة بالدخول الى أراضيها، بصورة تشكل خطرا على أمن الاخرى.
وموضوع المياه (بند 9) يعالج حسب القواعد الدولية التي تكفل استخدام المياه القائمة وتطوير مصادر جديدة.
من يرى الخارطة أولا
بحسب التقديرات اجرى رون لاودر لصالح نتنياهو تسع او عشر جولات بين القدس ودمشق، وكان يشارك في هذه الجولات عدد قليل جدا من الاشخاص: وزير الدفاع اسحق مردخاي، المستشار السياسي عوزي اراد، السكرتير العسكري لرئيس الحكومة العميد شمعون شفيرا، والسكرتير العسكري لوزير الدفاع العميد يعقوب عميدرور.
لقد بذل نتنياهو كل جهد من اجل الالتقاء مع الرئيس الأسد، حتى قبل صياغة الصيغة النهائية لاتفاق السلام، وكتب داني نفيه، سكرتير الحكومة في تلك الفترة، انه بعد هذا اللقاء لو جرى لكان امام نتنياهو واحد من خيارين: اما التوجه الى انتخابات وتحقيق فوز ساحق على باراك او التوجه الى باراك ودعوته للانضمام لحكومة الوحدة. وباراك بحسب تلك التقديرات لا يستطيع ان يرفض مثل هذا الاقتراح. وأضاف نفيه "بعد لقاءات عدة في دمشق جاءت لحظة الحقيقة، قال الأسد للاودر: قل لنتنياهو انني اريد ان أرى خارطة الانسحاب لخطوط الرابع من حزيران 1967". وبحسب نفيه رفض نتنياهو، وأراد ان يتلقى من الأسد ردا حول عمق المنطقة في سوريا التي يوافق على تخفيف تواجد القوات فيها.
ولكن الرئيس السوري رفض عرض خارطة عن حركة قواته، قبل ان يتلقى من اسرائيل خارطة انسحابها. ومهما كان من امر لم يوقع نتنياهو والأسد على الاتفاق.
نفى مقربو نتنياهو، ورئيس الحكومة نفسه في السابق، الانباء عن انه كان مستعدا للانسحاب من هضبة الجولان، وحين سئلوا عن الوثائق المكتوبة اجاب مقربو نتنياهو انها "صيغ" من عمل المستشار اراد الذي حاول دفع الموضوع، لكن هذه "الصيغ" لم تُقبل من رئيس الحكومة. والآن لا شك ان لاودر لم يكن يحمل معه الى الأسد وثيقة لولا انه تلقى موافقة نتنياهو.
رسالة كريستوفر
من اجل فهم لماذا رفض السوريون اقتراحات اسرائيلية بالانسحاب الى الحدود الدولية عام 1923 ولماذا اصروا على خط الرابع من حزيران 1967 يجب ان نعود الى "الوديعة" التي أبقاها رئيس الحكومة اسحق رابين في جيب الرئيس كلينتون عام 1994.
طوال السنين الماضية تحدث السوريون عن "انسحاب شامل". منذ عام 1994 ادعوا ان رابين قدم لهم، بواسطة الاميركيين، تعهدا بالانسحاب الى حدود الرابع من حزيران. واسرائيل تنفي بشدة ان الحديث يدور عن "تعهد" وتدعي انه على الاكثر "وديعة مشروطة". حيث طلب كلينتون آنذاك من رابين ان يقدم له هذه الوديعة من اجل وضعها في جيبه وليس على طاولة المفاوضات، وقال رابين للرئيس انه بعد ان توافق سوريا على الشروط الاساسية الثلاثة التي طرحتها اسرائيل: سلام كامل، ترتيبات أمنية وتطبيع، سيكون مستعدا لأن يطرح كلينتون على طاولة المفاوضات الوديعة الاسرائيلية، وتدعي اسرائيل ان السوريين لم يلتزموا بهذه الشروط أبدا. لذلك فقد ألغيت الوديعة ولم تعد قائمة.
حين صعد نتنياهو الى السلطة طلب طاقمه الفحص لدى الاميركيين ما اذا كانت وديعة رابين هي وثيقة قانونية ملزمة، واكد الطاقم ثلاث مزايا لها:
أ جرت شفويا وليس خطيا.
ب كانت مشروطة وسوريا لم تنفذ الشروط التي وضعها رابين.
ج "الوديعة" قدمت لطرف ثالث وليس للسوريين مباشرة.
اوفد نتنياهو دوري غولد الى وزير الخارجية الاميركي وورن كريستوفر حاملا هذه التوضيحات، ودرس كريستوفر، رجل القانون المعروف، القضية وقال انه ليس هناك التزام قانوني. هذا القرار ولد احدى الوثائق المهمة جدا التي تلقتها اسرائيل من الولايات المتحدة في المسألة السورية. حيث صاغ غولد والمبعوث الخاص دنيس روس "رسالة كريستوفر" في 18 ايلول 1996 التي جاء فيها "لا أرى بالورقة غير الورقة حول اهداف ومبادئ الترتيبات الأمنية التي تم الاتفاق بشأنها بين اسرائيل وسوريا في 22 ايار 1995 ذات اثر قانوني ملزم".
وكشف الصحافي زئيف شيف هذه الوثيقة في صحيفة "هآرتس" في كانون الثاني 1997. وكانت ورقة الاهداف والمبادئ للترتيبات الأمنية قد اعدت في لقاءات بين سفيري اسرائيل وسوريا في واشنطن بعد نسف مباحثات رؤساء الاركان باراك والشهابي في كانون الاول 1994. وادعى السوريون ان باراك عنيد جدا، لكن الورقة مكنت الدولتين من مواصلة المباحثات على المستوى العسكري بعد ان احتل شاحاك مكان باراك امام الشهابي.
لماذا تصر سوريا على خط الرابع من حزيران 1967؟ لماذا لا توافق على الاكتفاء بخط 1923 الذي يعيد لها (تقريبا) كل الأراضي التي احتلت منها؟. ان خارطة 1923 التي اعدها البريطانيون والفرنسيون تبقي بيد اسرائيل في الجزء الشمالي الشرقي من طبريا قطاع شاطئ ضيق جدا، حوالى 10 امتار شرقي خط المياه، وفي السياق يمر الخط على بعد 30050 متر شرقي نهر الاردن، مصب الاردن في طبريا شمالا حتى المكان الذي تمتد فيه مستنقعات الحولة.
لا يوجد لقطاع من 10 امتار اي قيمة عسكرية، ولكن له اهمية كبرى حين يدور الحديث عن استخدام المياه، ان الخارطة عام 1923 اخرجت مياه الاردن وطبريا من السيطرة السورية، وكان للسوريين الذين يرفضون هذا القول مطالب كبيرة بشأن المياه.
استمرارا لاتفاق وقف اطلاق النار بين اسرائيل وسوريا من 20 تموز 1949، جرت مباحثات بين ضباط سوريين واسرائيليين على مستوى كبير بالنسبة للمناطق المنزوعة، وترأس الطاقم آنذاك موشيه ديان، ونسفت المباحثات حين تبين للاسرائيليين ان السوريين يطالبون بخط حدودي وسط طبريا ويطالبون بنصف المياه.
وخط الحدود للرابع من حزيران الذي يطالب به السوريون جاء في سياق الزمن منذ حرب الاستقلال، نتيجة لضم زاحف للمناطق، سواء من قبل السوريين او الاسرائيليين، وفي هذه السنوات سجل في ملفات مجلس الأمن ما لا يقل عن 66 ألف شكوى متبادلة بين اسرائيل وسوريا ضد بعضهما البعض.
عندما كتبت مراسلة صحيفة "يديعوت احرونوت" اورلي ازولاي كاتس في كتابها "الرجل الذي لا يعرف كيف ينتصر" موضوع وديعة رابين، كان في اسرائيل من ادعى ان رابين لم يقصد خط الرابع من حزيران بل الحدود الدولية.
رفض السوريون هذا الادعاء جملة وتفصيلا، وقال السفير السوري لدى واشنطن وليد المعلم "ان سوريا لم تعترف أبدا بحدود 1923 كخط حدودي لها في اسرائيل، نحن نطالب بالأراضي الواقعة غربي هذا الخط حسب حدود الرابع من حزيران".
وعندما استلم باراك السلطة استؤنفت المباحثات مع السوريين. وقبل اسبوعين، وفي مقابلة مع "نيويورك تايمز"، قال دنيس روس انه قبل سنة كانت اسرائيل وسوريا على وشك التوقيع على اتفاق سلام.
ولكن الاتفاق لم يوقع، كما يقول روس، لاننا "وصلنا الى نقطة ضيق الوقت مع الأسد". بكلمات اخرى لم يكن الرئيس السوري مستعدا لإنهاء الصفقة. حيث ان الرئيس كان في وضع صحي متدهور وكان مشغولا بمسألة خلافته. وبعد ثلاثة اشهر من ذلك الوقت توفي الأسد-(البوابة)
*عن صحيفة "السفير" اللبنانية.