مفتشو الأسلحة يواجهون اختبار الإرادات مع صدام

تاريخ النشر: 18 نوفمبر 2002 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

كتبت صحيفة ناشنال بوست الأميركية تقريراً حول صعوبة مهمة المفتشين الدوليين الحالية في العراق والصلاحيات الجديدة التي أعطيت لهم لأول مرة وكذلك المعدات الحديثة لتسهيل مهمتهم. وفيما يلي تقرير الصحيفة:  

في الوقت الذي توجه فيه فريق أولي من 24 فنياً ومفتشاً للأسلحة إلى بغداد لاستئناف أكثر عمليات التفتيش مباغته في التاريخ الحديث، يحبس بقية العالم أنفاسه قلقا من حرب قد تدمر الشرق الأوسط قريباً.  

ويقود الفريق رئيس مفتشي الأمم المتحدة هانز بليكس، المسؤول عن التفتيش على الأسلحة البيولوجية والكيماوية ومحمد البرادعي، رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية.  

وسيبحث الفريق عن أدلة حول الأسلحة النووية وتكون مهمة الفريق الدولي التمهيدية إنشاء مختبرات وتركيب أجهزة كمبيوتر جديدة ووسائل اتصالات لا يمكن اختراقها وإعداد الترتيبات اللازمة للنقل والخاصة بموجات لاحقة من الفرق التي ستصل إلى العراق.  

وبحلول نهاية الأسبوع القادم سيصل 25 مفتشاً آخر للبدء بزيارات تفتيشية عشوائية وإعادة إنشاء نظام شامل للتفتيش والمراقبة ظل معطلا مدة أربع سنوات.  

سيتم تركيب أجهزة ماسحة تعمل بالأشعة فوق البنفسجية في مواقع مختارة حول العراق من أجل مسح الدخان الصناعي واقتفاء أثر أية أسلحة يمكن أن تصنع. كذلك سيتم استخدام أجهزة استشعار تعمل بالأشعة تحت الحمراء بواسطة الأقمار الصناعية للبحث عن حرارة منبعثة من مصانع سرية. وسيتم أيضاً استخدام أجهزة رادار متطورة تخترق الأرض وتتدلى من طائرات هيليوكوبتر تابعة للأمم المتحدة لتحديد أنفاق تحت الأرض بالإضافة إلى تشكيلة واسعة من أجهزة الاستشعار لمراقبة الهواء والتربة والنباتات وذلك بهدف التقاط إشارات تدل على وجود مواد كيماوية أو بيولوجية.  

قال بليكس مؤخراً، "لا يمكن فحص كل متر مربع في بلد شاسع أو كل طابق سفلي أو نظام كمبيوتر، أو ملفات أو كل شاحنة تسير على الطريق".  

وأضاف أن "ما يمكن تحقيقه هو درجة عالية من التيقن بعدم وجود جراثيم خبيثة أو قنابل قذرة".  

سيبدأ المفتشون بقائمة سرية من المصانع، المختبرات الحكومية والنقاط التي يحتمل إخفاء الأسلحة فيها والتي تم جمعها عن طريق صور الأقمار الصناعية والتقارير الواردة من وكالات المخابرات المتعددة. ويوجد الآن لدى مفتشي الأمم المتحدة 70 مقراً محتملاً للتفتيش عليها حيث يعتقد أن العراق إما صنع فيها أو خزن أو جرَّب أسلحة محظورة. ومن أولى المهام التي سيواجهها المفتشون تحديد الأولوية لاستهداف هذه المواقع وتقرير من منها يستحق التركيز الفوري.  

إن هذه المهمة ستضع المفتشين في مأزق حول تحديد السرعة التي سيطلبون فيها الدخول إلى المواقع الحساسة. وبسبب قلق المفتشين لإقناع العراق بالتعاون التام، فإن من الممكن أن يكونوا مترددين للدخول بسرعة كبيرة إلى المواقع الحساسة والظهور بمظهر المتعمدين إثارة وضع قد يشعل حرباً.  

ولكن الولايات المتحدة كما تقول الصحيفة زودت المفتشين بلائحة من 12موقعاً حساساً تريد فحصها بسرعة وبصورة جازمة لاختبار صدق نوايا العراق أو فضح خداعه.  

وكان بليكس أعد في وقت سابق جدولاً زمنياً يشغل المفتشين تماماً لمدة شهرين كاملين. فهو يريد في البداية التركيز على إعادة فحص مئات مواقع الأسلحة المشبوهة والتي كان المفتشون السابقون وضعوها تحت المراقبة قبل سحبهم من العراق عام 1998م. كذلك حذر بليكس العراق من مغبة تكرار المحاولات السابقة كعرقلة أو رفض مرافقة المفتشين إلى المواقع الرئيسية أو خداعهم.  

قال البرادعي "لدينا خطة عمل لا نستطيع وضعها بشكل مفصل ولكننا سنقوم بزيارات إلى مواقع كانت في الماضي وثيقة الصلة بالموضوع ونجري عمليات تفتيش مباغته في أماكن كانت غبر معروفة في السابق. 

وأضاف البرادعي، "لا نود العمل بأسلوب غير متوقع وسوف نقوم بزيارات مفاجئة إلى منشآت قد لا يتوقع البعض أن نزورها".  

ومن المفترض أن يبدأ المفتشون عملهم متسلحين بأسرار همس بها المنشقون العراقيون، تقارير سابقة من المفتشين السابقين ودراسات وأبحاث استخبارية أميركية وبريطانية امتدت لعقد من الزمن. ومع ذلك فإن موقف هؤلاء المفتشين هش للغاية ومحفوف بالمصاعب لأن أي مشكلة قد تنجم يمكن أن تشعل الحرب.  

وفي هذه الأثناء تستمر الولايات المتحدة في حشد القوات والطائرات في المنطقة توقعاً لضربة عسكرية.  

وفي نهاية هذا الأسبوع وبينما يتجمع المفتشون في قبرص استعدادا للتوجه إلى بغداد الاثنين، فإن الضغط يزداد عليهم، كما أن مصداقية الأمم المتحدة يمكن أن تعتمد على نجاحهم أو فشلهم في هذه المهمة.  

يمكن أن تكون هذه آخر فرصة يمنحها العالم لنزع أسلحة صدام بطريقة سلمية ومع ذلك فإن ثلثي المفتشين الذين اختارتهم لجنة الأمم المتحدة للمراقبة والتحقيق والتفتيش للأسلحة العراقية (أنموفيك) يتألف من أشخاص لم يسبق لهم أن قاموا بعملية تفتيش عن الأسلحة من قبل.  

ويشمل المفتشين علماء لغة، خبراء جمارك، محاسبون، علماء صواريخ، كيميائيون، علماء أحياء وعلماء ذرة. كما أن 25% منهم جاءوا من اللجنة السابقة للتفتيش و10% على هيئة إعارة من الحكومات المشاركة في العملية. ولكن معظمهم وقع عقوداً مؤقتة حيث كان يعمل في مصانع حربية، شركات لصناعة الطائرات، مصانع للكيماويات أو المبيدات الحشرية، أو الجامعات أو شركات هندسية. أما الشيء الوحيد الذي يجمع بين المفتشين أنهم مفتشون عديمو الخبرة حصلوا على دورة تدريبية خاصة ومكثفة لمدة خمسة أسابيع.  

وفي محاولة لتجنب الجدل الذي أحاط بالمفتشين السابقين عندما شكا المسؤولون العراقيون بأن جواسيس من العسكريين الأميركيين والبريطانيين كانوا ضمن فرق التفتيش السابقة، قامت لجنة الأمم المتحدة للمراقبة والتحقق والتفتيش للأسلحة العراقية باستقدام المفتشين من جميع أنحاء العالم لتشكيل فريق "مناسب" من 250 عضواً ومن 49 بلداً.  

وقد حذر مفتشون سابقون من أن تقوم بغداد ببذل كل جهد ممكن من أجل إفشال مهمة المفتشين الجدد بسبب قلة خبرتهم.  

قال رئيس فرع الولايات المتحدة للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية ورئيس سابق لمفتشي الأسلحة في العراق بين عامي 1993-1997، ترانغ تايلور، "يمكن أن يواجه المفتشون خطة أعدت بإحكام ومهارة، النظام العراقي لديه خبرة نادرة في هذا المجال ولديه الوقت الكافي للاستعداد".  

حاول العراق في الماضي إفشال جهود الأمم المتحدة حيث راقب الفنادق التي كان المفتشون يقيمون فيها ومكاتبهم وافتعل أزمات مرورية وأغلق جسوراً لعرقلة عمل المفتشين والحيلولة دون قيامهم بزيارات مفاجئة وحتى إلقاء معدات في نهر دجلة لتجنب فحصها. 

قال مفتش أسلحة سابق، شارلي دلفر، "قمنا بمئات الزيارات المفاجئة ولكن بعضا منها كانت مفاجئة بمعنى الكلمة"، وبعد أربع سنوات من مغادرة المفتشين العراق، فإن من المتوقع أن يكون صدام أدخل تحسينات على أساليبه في الإخفاء.  

أبدى ريتشارد بيرل، مستشار في البنتاغون وصديق حميم لوزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفلد، علنا شكوكه بشأن المفتشين قائلا إنهم قد يصبحون أقلية ومغلوباً على أمرهم أمام أجهزة المخابرات التابعة لصدام. وجادل بيرل أن بليكس لديه بالفعل سجل للفشل في العراق حيث أنه كوزير خارجية سابق للسويد كان رئيساً للجنة الطاقة الذرية الدولية حيث فشلت في اقتفاء أثر برنامج العراق النووي قبل حرب الخليج.  

سوف يأتي الاختبار الحقيقي يوم 8 كانون الأول/ديسمبر القادم حين يكون لزاما على العراق تقديم قائمة كاملة بالأسلحة النووية والكيماوية والبيولوجية وبرامجها الخاصة بالصواريخ الباليستية.  

كان على بغداد أن تقدم قائمة مماثلة خلال 15 يوماً من نهاية حرب الخليج عام 1991 ولكنها لم تفعل ذلك حتى الآن. وبدلا من ذلك أصرت باستمرار ودون تقديم الدليل على أنها أزالت الأسلحة المحظورة ولم يتبق لديها شيء للإعلان عنه.  

ويمكن لصدام في نهاية الأمر أن يختار الإعلان عن بعض صواريخ "سكود" وبعض برامج الاستخدام المزدوج لصناعة الأسلحة الكيماوية أو البيولوجية.  

ويمكن أن تكون خطة اللعبة العراقية اللعب على الوقت لتضليل مفتشي الأسلحة على أمل أن لا يكتشفوا أكثر من دخان وإحداث انقسام بين أعضاء مجلس الأمن الدولي الذين هم غير قلقين لدعم مطالب الولايات المتحدة في تدخل عسكري. 

ومن جهة أخرى فإن واشنطن تريد برامج التفتيش أن تعمل بشكل صارم. يود المسؤولون الأميركيون من المفتشين أن يفحصوا المواقع المشتبه بها فوراً وأن تفتح كافة الأبواب أمامهم. ويقول هؤلاء المسؤولون إنه إذا كانت هناك عقبات أمام المفتشين، فإن عليهم إبلاغ ذلك إلى مجلس الأمن ومن ثم حزم حقائبهم ومغادرة العراق انتظاراً لهجوم عسكري تقوده الولايات المتحدة.  

يقول إيفو دالدر، مستشار سابق للرئيس بيل كلينتون لشؤون الأمن القومي، "إن إمكانية لجوء صدام لعدم التعاون بصورة واضحة ضئيلة"، ويتوقع دالدر أن يتعاون صدام بطريقة مرضية في عملية التفتيش ويتساءل قائلا: "هل تأخير ساعتين في دخول مبنى كاف لإشعال حرب إذا كان هناك تقدم كاف لزيارة المواقع وجمع المواد المحظورة وتدميرها".  

أثبت العراق مرونته وازدواجيته معاً في الماضي، وتخلى صدام عن ثلث أسلحته كجزء من اتفاقية وقف إطلاق النار عام 1991 ثم اعترف العراق في منتصف التسعينات بأنه لا يزال يمتلك بعض الأسلحة بعد أن تمكن صهر صدام حسين الذي كان يشرف على برامج الأسلحة السرية من الهرب إلى خارج العراق.  

وفي الوقت الذي تم فيه تدمير معظم الصواريخ العراقية بعيدة المدى ومنشآته الخاصة بالأبحاث النووية خلال جولات التفتيش السابقة، فلا أحد يعلم بالتأكيد ما هي البرامج التي أعيد تفعيلها.  

يمكن إخفاء ورشات تصنيع الأسلحة البيولوجية والكيماوية بسهولة وهناك شائعات بأن العراق يستخدم مختبرات متنقلة على شاحنات تجوب أنحاء البلاد لتجنب اكتشافها.  

كذلك يمكن إخفاء مصانع الأسلحة البيولوجية بسهولة لأن المعدات المستخدمة في مثل هذه المصانع هي تلك التي تستخدم لصنع البيرة أو الأدوية.  

وقد فشلت جولات التفتيش في الماضي في الكشف عن كثير من الأسلحة العراقية الكيماوية والبيولوجية. ويعتقد أن العراق احتفظ بكميات هائلة من المواد الضرورية لصناعة الأسلحة البيولوجية وكذلك المواد الكيماوية الأولية التي يمكن تحويلها إلى أسلحة كيماوية.  

وتوقع تقرير للمخابرات البريطانية في أيلول/سبتمبر الماضي أن يتمكن العراق من نشر أسلحة كيماوية خلال 45 دقيقة، وذكر التقرير أيضاً أن بغداد دأبت على السعي للحصول على مواد نووية من أفريقيا.  

وفي محاولة للكشف عن المستودعات السرية لهذه المواد أعطيت السلطة للمفتشين الدوليين لأول مرة بأخذ العلماء العراقيين وعائلاتهم لاستجوابهم خارج العراق. وفي نفس الوقت يأمل المفتشون أن يساعدهم التقدم الهائل الذي أحرز في مجال التكنولوجيا في الكشف عن الأسلحة المخبأة.  

وعندما يعود المفتشون إلى العراق سيحملون معهم جهازا يزن 2 كيلو غرام للكشف عن الجراثيم يمكن بواسطته اكتشاف الميكروب عن طريق الـ DNA الخاص به كذلك سيكون لدى المفتشين جهاز جديد يحمل باليد ويعمل بأشعة غاما باستطاعته اكتشاف غرام واحد من البلوتونيوم موجود خلف جدار من الفولاذ يبلغ سمكه سنتيمتراً واحداً وغرام واحد من اليورانيوم غير المغلف عن بعد مترين.  

ومن الأجهزة المتنقلة التي تكون بحوزة المفتشين جهاز يسمى Alex وهو جهاز أشعة سينية يزن 7 كيلو غرامات ويستطيع تحديد ما إذا كانت عربة أو مختبر تحتوي على أي أثر للمواد المشعة. كذلك هناك أجهزة أخرى لدى المفتشين تستطيع كشف الأنفاق تحت الأرض من خلال التغير في مجال الجاذبية الأرضية أو من خلال اقتفاء أثر المجال المغناطيسي للمعدات الكهربائية التي قد تكون مدفونة على عمق 30 متراً تحت الأرض.  

يقول رالف إيكيوس، رئيس برنامج الأمم المتحدة للتفتيش على الأسلحة العراقية السابق في الفترة بين 1991-1997م أنه واثق بأن مفتشي الأمم المتحدة سيعثرون على معظم أسلحة صدام السرية ويدمرونها إذا لقوا دعماً من المجتمع الدولي وكان لديهم الوقت الكافي لذلك.  

ويضيف إيكيوس، "سينجح المفتشون ولكن فقط إذا سمح لهم بأخذ الوقت اللازم، أنا متأكد أن السيناريو السياسي منظم على أساس إعطائهم الوقت الكافي".  

وتنهي الصحيفة تقريرها حول أهم الواجبات الموكلة إلى مفتشي الأمم المتحدة ومنها جمع البيانات من مصادر تجارية واستخبارية لتحديد المواقع التي يجب تفتيشها واستخدام صور الأقمار الصناعية وطائرات الاستطلاع لاكتشاف مواقع جديدة. كذلك سيقوم المفتشون بالتفتيش في المباني والمعدات التي يرونها بأعينهم.  

وسيقوم المفتشون بالكشف عن الإشعاعات مستخدمين طائرات الهيليوكبتر المزودة بأجهزة للكشف تعمل بأشعة غاما بالإضافة إلى أجهزة للكشف تحمل باليد لاقتفاء أثر المواد الكيماوية والبيولوجية. أما المنشآت الموجودة تحت الأرض فيستخدم المفتشون رادارات تستطيع اختراق سطح الأرض وكشف ما يوجد تحتها.  

ومن أجل تمكينهم من المراقبة والتحقق من بعض العمليات الخاصة بالأسلحة، سيقوم المفتشون بتركيب كاميرات في المناطق الصناعية والإنتاجية في العراق.  

وبالإضافة إلى كل هذا سيقوم المفتشون بمهمات أخرى ذات الصلة بالموضوع مستخدمين آخر ما توصل إليه العلم في مجال التكنولوجيا الخاصة بالكشف عن أسلحة الدمار الشامل.