شهدت فرنسا، أمس الأحد، ما وصفه المراقبون ب"اعنف زلزال" سياسي في تاريخها الحديث، وذلك في اعقاب تاكيد الاستطلاعات ان زعيم اليمين المتطرف جان ماري لوبن سيكون خصم شيراك في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية، وذلك في اثر خروج رئيس الوزراء الاشتراكي ليونيل جوسبان من السباق، واعلانه نتيجة هزيمته عن انسحابه نهائيا من الحياة السياسية في بلاده.
وبرغم هذا الزلزال الى ان الاستطلاعات اكدت ان شيراك سيفوز باغلبية كبيرة في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية في الخامس من ايار/مايو.
وجاء في استطلاع اجرته مؤسسة سوفريس لحساب "الموند-تي اف 1-ار تي ال" ان شيراك سيفوز ب78 بالمئة مقابل 22 بالمئة لجان ماري لوبن.
الا ان هذه النتيجة المتوقعة لم تحل دون شعور السياسيين في فرنسا بالقلق بسبب وصول لوبن الى المرحلة الثانية، خاصة ان حزبه (الجبهة الوطنية) المتطرفة لم يصل الى مثل هذه الشعبية منذ اكثر من 50 عاما، وهو ما اعتبر مؤشرا على تحول خطير في المجتمع الفرنسي.
وهذه المرة الرابعة التي يترشح فيها لوبن (73 عاما) الى الانتخابات الرئاسية الفرنسية، وهو معروف بتوجهاته المناهضة للاجانب في فرنسا.
وقد اعلن جوسبان عقب هزيمته امام لوبن انه سينسحب من الحياة السياسية، فور انتهاء الدورة الثانية للانتخابات الرئاسية.
وقال جوسبان الذي بدا عليه التأثر في المقر العام لحملته الانتخابية في باريس امام انصاره الذين ذرف بعضهم الدموع "اعلن انسحابي من الحياة السياسية بعد انتهاء الانتخابات الرئاسية". واضاف انه يتحمل "كليا مسؤولية فشله".
وتعليقا على وصول زعيم اليمين المتطرف جان ماري لوبن الى المركز الثاني في الدورة الثانية للانتخابات، قال جوسبان "انها صاعقة". واوضح "انه مؤشر مقلق جدا بالنسبة لفرنسا ولديموقراطيتنا".
وشغل جوسبان منصب رئاسة الحكومة منذ فوز اليسار في الانتخابات التشريعية في العام 1997.
هذا، وقد اعلن المتحدث باسم الحزب الاشتراكي الفرنسي فانسان بايون عقب خسارة جوسبان ان حزبه سيدعم الرئيس المحافظ جاك شيراك "ضد كره الاجانب والعنصرية التي يمثلها المرشح غير الجمهوري جان ماري لوبان"، وذلك في اشارة الى برنامج لوبان الانتخابي الذي يعادي غير الفرنسيين في فرنسا.
وفي اعقاب النتائج التي بينتها الاستطلاعات، خاطب لوبن وشيراك الشعب الفرنسي، ودعا الاول الفرنسيين الى التوحد خلفه من اجل "المرحلة الثانية من الولادة الفرنسية الجديدة، الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية".
ووجه لوبن من مقر حملته كلمته الى "جميع اولئك الذين يؤمنون بفرنسا الابدية" و"العمال في جميع هذه المصانع التي دمرتها العولمة الاوروبية في ماستريخت" و"المزارعين الذين يعيشون تراجعا مذريا" و"جميع ضحايا فقدان الامن في الضواحي والمدن والقرى".
ووصف نفسه بانه "رجل حر ينتمي الى اليسار اجتماعيا والى اليمين اقتصاديا واكثر من اي مضى قوميا فرنسيا".
ومن ناحيته دعا شيراك الفرنسيين الى التوحد "من اجل الدفاع عن حقوق الانسان وضمان انصهار الامة للتأكيد على وحدة الجمهورية واقامة سلطة الدولة".
وقال في المقر العام لحملته الانتخابية "ان الامر يتعلق بقدرتنا على العيش معا الواحد مع الاخر واحترام بعضنا البعض. يتعلق الامر اخيرا بان نعيش كليا التاريخ الكبير لاوروبا الذي تخيلناه والذي التزمنا به منذ زمن طويل".
الى هنا، وقد شهدت الدورة الاولى من الانتخابات نسبة امتناع كبيرة عن التصويت، وكان معهد (سي اس ا) لاستطلاعات الراي توقع ان ترتفع الى 9،28 في المئة من الناخبين المسجلين طوال اليوم الانتخابي، وهو ما يرفع نسبة الامتناع اكثر بسبع نقاط عما كانت عليه في الانتخابات الرئاسية عام 1995.
وشهدت هذه الانتخابات العدد الاكبر من المرشحين وهو 12 مرشحا واربع مرشحات، اي بزيادة تسعة اشخاص عما كان عليه عدد المرشحين في الاستحقاق السابق عام 1995.
وهذا العدد الكبير من المرشحين كما خيبة الامل العامة من السياسة بعد خمسة اعوام من التعايش بين الرئيس اليميني ورئيس وزرائه الاشتراكي وتمنع عدد كبير من الفرنسيين عن التصويت بانتظار الدورة الثانية، كل هذا اسفر عن نسبة تعبئة ضعيفة للناخبين.
والرئيس الجديد الذي سينبثق من الدورة الثانية في الخامس من ايار/مايو سيحكم لخمس سنوات وليس سبعا كما كان عليه الامر حتى الان.
كما ستجري انتخابات تشريعية في التاسع والسادس عشر من حزيران/يونيو المقبل لاضفاء اللمسات الاخيرة على الوجه السياسي الجديد لفرنسا.
وفي حال فوز منافسي الزعيم المنتخب في الانتخابات التشريعية، سيقوم تعايش جديد بين رئيس الدولة ورئيس الوزراء ما سيعطي من جديد رئيس الوزراء الجديد وغالبيته البرلمانية ركائز السلطة.—(البوابة)—(مصادر متعددة)